الخميس 21 مايو 2026 02:52 مساءً صدر الصورة، Getty Images
تفتح مواد جديدة، صُمِّمت بالاعتماد على تقنية الذكاء الاصطناعي، آفاقاً لتطوير بدائل أكثر صلابة لتعويض مفصل الورك، إلى جانب تحسين عمليات التئام الكسور العظمية.
كان أمير زادبور، أستاذ جراحة العظام في المركز الطبي التابع لجامعة لايدن في هولندا، يبحث قبل سنوات عن مادة جديدة ذات خصائص استثنائية، إذ كان بحاجة إلى مادة يزداد سُمكها عند تعرّضها للامتداد، مع احتفاظها بصلابة تعادل صلابة العظام.
وكان ذلك مطلباً بالغ الصعوبة، لاسيما إذا تأملنا ما يحدث في حالة تمديد شريط مطاطي من طرفيه، فنلاحظ أنه كلما ازداد استطالة الشريط أصبح أكثر رقة، بيد أن زادبور وفريقه، كانوا بحاجة إلى مادة تؤدي عكس ذلك تماماً، وكان المطلوب منها أن تتحدى قوانين الفيزياء ذاتها.
تمثلت المشكلة التي واجهتهم في إجراء عمليات مفاصل الورك الصناعية، إذ تُعد عمليات تعويض مفصل الورك من أكثر العمليات الجراحية العظامية شيوعاً على مستوى العالم، كما تكمن المشكلة في أن الأشخاص الذين لديهم مفاصل صناعية يخطون نحو مليوني خطوة سنوياً، الأمر الذي من شأنه أن يُعرض هذه العمليات لقوى تؤدي تدريجياً إلى التآكل، بعد مرور عقد أو أكثر من الاستخدام، كما تصبح هذه المفاصل الصناعية غالباً بحاجة إلى استبدال.
راود زادبور وفريقه الأمل في معالجة هذه المشكلة من خلال استخدام مادتين مختلفتين تعملان بصورة عكسية عند التعرّض لعملية تمديد، وذلك على جانبي قاعدة زراعة العظام، إحداهما يزداد سُمكها عند الضغط، والأخرى يزداد سُمكها عند الشد، ومن شأن ذلك أن يسهم في امتصاص الضغط الواقع على عظمة الفخذ عندما يكون المفصل تحت درجة من الإجهاد، وأن يضمن بقاء الزراعة العظمية مثبتة بإحكام بمحاذاة العظام نفسها.
ويقول زادبور: "من شأن ذلك أن يعزز الترابط بين العظام (الأصلية) والزراعة العظمية"، لاسيما وأن جميع أبحاثهم أشارت إلى أن هذه الطريقة ستحقق نجاحاً، بيد أن عقبة أخرى ظلت قائمة، إذ تميل المواد القليلة المعروفة التي يزداد سُمكها عند تعرّضها للشد، والتي تُعرف بالمواد الأوكسيتية، إلى طبيعة الليونة والمرونة، وتُستخدم هذه المواد، على سبيل المثال، في خوذات الحماية وواقيات الرُكبة.
ويقول زادبور: "كنا نحاول العثور على ذلك المزيج للجمع بين الخاصية الأوكسيتية ودرجة عالية من الصلابة بما يسمح بتحمل الأحمال"، ويضيف: " تحوّل ذلك إلى سعي بالغ الصعوبة".
لجأ الفريق إلى تقنية الذكاء الاصطناعي بغية المساعدة، ومن خلال استخدام نظام ذكاء اصطناعي مُدرَّب على التنبؤ بكيفية تفاعل المواد المختلفة، تمكن العلماء من إدخال الخصائص المحددة التي كانوا يسعون إليها، وأنتج النظام تصميماً يُعرف باسم "المادة الفائقة"، وهي مواد يمكن تركيبها هندسياً بحيث تكتسب خصائص غير مألوفة من خلال تعديل بنيتها المجهرية.
ويُعد عمل الفريق مجرد مثال على الكيفية التي يتجه بها العلماء بصورة متزايدة إلى استخدام تقنية الذكاء الاصطناعي لمساعدتهم في ابتكار مواد كان من المتعذر تصورها في السابق، إذ أثبت هذا النهج فعالية خاصة بالنسبة للباحثين الذين يسعون إلى محاكاة خصائص الأنسجة البيولوجية.
ويقول زادبور: "باستخدام التعلّم الآلي، يمكن جعل العملية أسرع بعدة مراحل من حيث الحجم، مما يتيح استكشاف آلاف إلى ملايين التركيبات الإضافية للعثور على ما تحتاج إليه".
ويمكن تصميم "المواد الفائقة" بحيث تمتلك مجموعة واسعة من الخصائص، اعتماداً على بنيتها الداخلية، فعلى سبيل المثال، يمكن أن تعمل كمادة صلبة أو كسائل تبعاً لتردد معيّن من الصوت تتعرض له، بيد أن تحديد البنية الداخلية، التي قد تحدد الخصائص المطلوبة، يمثل تحدياً عند الاعتماد على الأساليب أو المحاكاة القائمة على الفيزياء.
صدر الصورة، Amir A Zadpoor/ TU Delft
ويقول سد كومار، الأستاذ المشارك في علم المواد بجامعة دلفت التقنية في هولندا، إن تطوير وتدريب نموذج ذكاء اصطناعي لتوليد تصاميم جديدة للمواد قد يستغرق نحو عام كامل، لكن بمجرد الانتهاء من ذلك، يصبح بإمكان النظام إنتاج تصاميم قابلة للتطبيق خلال دقائق أو حتى ثوان.
واستخدم كومار وفريقه، في أحد مشاريعهم، الذكاء الاصطناعي للتوصل إلى "مادة فائقة" يمكن استخدامها في إنتاج مواد عظمية لينة لإصلاح الكسور المعقدة، وهي من الحالات الشائعة لدى كبار السن، وتُستخدم حالياً صفائح وقضبان مصنوعة من التيتانيوم أو الفولاذ في كثير من الأحيان، بيد أن العظام لا تلتئم دائماً بصورة جيدة حولها، وقد يؤدي ذلك إلى عدم اندماج الزراعة العظمية بشكل صحيح، مما يتركها ضعيفة.
وخلص الباحثون إلى أن الحصول على مادة أكثر ليونة، مع احتفاظها بالقدرة على توفير البنية، قد تكون أكثر قدرة على محاكاة النسيج اللين الذي يتشكل طبيعياً في المراحل المبكرة من التئام الكسور، كما كانوا يطمحون إلى تطوير مادة فائقة تتضمن بنية مجهرية شبيهة بالشبكة، تمتلك في ذات الوقت خصائص سائلة مماثلة لتلك الموجودة في البوليمرات أو الهيدروجيلات.
وهذه المادة اللينة، التي يمكن تصميمها على هيئة ضمادة دائرية رقيقة تحتوي على ثقوب، تُوضع على مكان الكسر بحيث تتمكن الخلايا الحية من التفاعل معها، مما يسمح باندماجها مع العظام.
وتقول شياو-هوا تشين، الأستاذ المساعد في هندسة المواد الحيوية بالمعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ وعضوة في فريق البحث: "إن المرحلة المبكرة من التئام الكسور تُعد حاسمة بالنسبة إلى تحقيق النجاح".
صدر الصورة، Xiao-Hua Qin/ ETH Zurich
وتتميّز زراعات العظام المعدنية، المستخدمة في إصلاح الكسور، بأنها أكثر صلابة من العظام، وهو ما قد يمثل مشكلة لأنها تمتص القوى الخارجية، وبناء على ذلك لا يتعرض العظام الذي يتكوّن حولها للإجهاد أثناء ممارسة التمارين، مما قد يؤدي إلى موته.
لذا سعى كومار وفريقه أيضاً إلى تطوير مادة فائقة لها نفس الشكل والخصائص الموجودة عند النهايات المفصلية للعظام الطويلة، مثل العظام الموجودة في الذراعين والساقين، ففي تلك المناطق، تتخذ العظام الداخلية بنية مسامية شبيهة بقرص العسل، تُعرف باسم "العظم التربيقي"، وهي بنية توفر القوة والقدرة على امتصاص الصدمات.
وكان كومار وفريقه قد قدموا سابقاً نوعاً جديداً من المواد الفائقة تُعرف باسم "السبينودويدات"، وهي تشترك مع العظام المسامية في عدة خصائص مهمة، فكلاهما يحتوي على بنى داخلية شبيهة بالشبكات وتتسم بشيء من عدم الانتظام في الشكل، واعتماداً على طريقة توجيه هذه التركيبات البنائية، فإنها تُنتج درجات متفاوتة من القوة والصلابة.
ومن خلال تزويد خوارزمية نموذج تعلّم آلي بقائمة من الخصائص التي كانوا يسعون إليها، مثل درجة الصلابة المحددة لعظام الفخذ، تمكن كومار وفريقه من توليد تصاميم "سبينودويد" تطابق العظام البشرية بصورة وثيقة، إذ تمكنوا، على سبيل المثال، من محاكاة انحناء العظام وكذلك بنيته الداخلية المسامية، إضافة إلى الطريقة التي يستجيب بها العظام عند تعرّضه لقوة.
ويقول محمد ميرزا علي، الأستاذ المشارك في هندسة الطب الحيوي بجامعة دلفت التقنية: "هذا أمر مهم، لأنك قد ترغب في أن تكون إحدى مناطق زراعة العظام أكثر صلابة، ومنطقة أخرى أكثر مسامية، ومنطقة ثالثة تحفز نمو الأنسجة داخلها".
كما تمكن كومار وفريقه من إثبات إمكانية إنتاج هذا التصميم باستخدام تقنيات الطباعة ثلاثية الأبعاد، وتتمثل خطوتهم التالية في إجراء اختبارات لمعرفة مدى كفاءته عند زراعة العظام داخل جسم الإنسان.
صدر الصورة، Getty Images
ويقول كومار: "ربما نصبح قادرين، بعد بضع سنوات، على إجراء زراعة عظام (صناعية) تحاكي العظام الطبيعية".
كما واصل زادبور وزملاؤه التقدم في سعيهم للعثور على مادة فائقة غير معتادة لعملية زراعة مفصل الورك، وأضافوا مزيداً من الخصائص إلى قائمتهم، من بينها أن تكون صلبة بما يكفي لتحمل الإجهاد لفترات طويلة، وقابلة للتكييف بحيث تتلاءم مع المساحة المتغيرة لورك المريض.
واستعان زادبور وفريقه، لتلبية قائمة متطلباتهم الطويلة، بثلاثة نماذج مختلفة من التعلّم الآلي للعمل معاً والبحث عن مادة فائقة قابلة للتطبيق، وأسفر هذا النهج عن إنتاج عدة تصاميم لمواد فائقة أوكسيتية تصلح للاستخدام في عمليات زراعة العظام، وهو ما يؤكد زادبور أنه كان من المستحيل تحقيقه دون الاستفادة من الذكاء الاصطناعي بسبب تعقيد المهمة.
وفي المستقبل، قد يجعل التعلّم الآلي من الممكن إجراء زراعات عظمية متخصصة وفقاً للبنية التشريحية لكل مريض، وهو من شأنه أن يطيل عمرها، بحسب زادبور.
كما يسهم الذكاء الاصطناعي في تطوير عمليات زراعة العظام على نحو يمكن إجراؤها عبر فتحة صغيرة لتقليل الحاجة إلى التدخل الجراحي، ويمكن تصميم هذه الزراعات العظمية بحيث تكون مدمجة أثناء عملية الإدخال في الجسم، ثم تتمدد داخل الجسم لتملأ مكان الإصابة العظمية بمجرد وصولها إلى موضعها.
وكشف كومار وفريقه مؤخراً عن مادة فائقة صُممت باستخدام الذكاء الاصطناعي، قادرة على التمدد في جميع الاتجاهات في آن واحد، ويمكن أيضاً برمجتها لتغيير شكلها بطرق محددة استجابة لتيار كهربائي، وعلى الرغم من أن هذا التصميم لم يكن مخصصاً لمحاكاة العظام، فإنه أظهر إمكانية استخدامه مستقبلاً.
ويقول ميرزا علي: "أعتقد أن زراعات العظام القابلة للانتشار مثيرة جدًا".
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير




