الاثنين 18 مايو 2026 02:04 صباحاً صدر الصورة، Getty Images
على الرغم من مرور أكثر من نصف قرن على عصر "المَحمَل المصري" الذي كان يحمل كسوة الكعبة إلى مكة، إلا أن خيوط الذهب التي كان يحيك بها المصريون هذه الكسوة التي كانت تتوّج قافلة الحجاج آنذاك، لا تزال حتى يومنا هذا تغزل مواويل عشق على أنوال قلوبهم التي تهفو إلى أرض الحجاز.
يا رايحين للنبي الغالي .. هنيالكم وعُقبالي
وحين وقفت الفنانة ليلى مراد تودع الفنان زكي رستم الذاهب لأداء فريضة الحج بأغنيتها الشهيرة في فيلم "ليلى بنت الأكابر"، لم يكن غناؤها محض تنفيذٍ لرغبتها التي حُكِي عنها لعدم تمكنها من أداء الفريضة في ذلك العام، ولا لمجرد نفي شائعات حول عقيدتها وانتمائها.
فإلى جانب ما سبق، استطاع رياض السنباطي بأوتار عوده نسج ألحان صوفية على مقام "راحة الأرواح" الذي يحمل في طياته الشجن الرقيق، لتلحق الأغنية بركب قافلة "حُنون الحجاج" في درب سارت عليه أفئدة المصريين منذ مئات السنين.
تحتوي هذه الصفحة على محتوى من موقع Google YouTube. موافقتكم مطلوبة قبل عرض أي مواد لأنها قد تتضمن ملفات ارتباط (كوكيز) وغيرها من الأدوات التقنية. قد تفضلون الاطلاع على سياسة ملفات الارتباط الخاصة بموقع Google YouTube وسياسة الخصوصية قبل الموافقة. لعرض المحتوى، اختر "موافقة وإكمال"
Accept and continueنهاية YouTube مشاركة, 1
صدر الصورة، كتاب "المحمل الشريف ورحلته الى الحرمين الشريفين"
والحُنون أو التحنّن كما عرّفه الدكتور محمد رجب النجار، الكاتب والأكاديمي المتخصص في الأدب الشعبي، هو "الغناء بصوت حزين ونغمات ممدودة كالآهات"، فيما يوحي بالحزن لفراق الأحباب الذين سيسافرون إلى بلاد الحجاز، وفي تأجيج لنار الشوق والحنين لزيارة ضريح النبي.
ولربما حازت أغنية ليلى مراد شهرة واسعة لكونها في إطار فيلم سينمائي، ولأنها كانت بالعامية المصرية، لكن هناك من سبقها وتلاها من كبار مطربي عصرها، في تهافت على التعبير عن هذا الحنين إلى أرض الحرمين.
فلم يكن لأم كلثوم أن تفوّت هذه المناسبة الجليلة دون أن تترك عطراً منها، لتغني قصيدة "إلى عرفاتِ الله"، وشارك محمد فوزي في هذا الموسم الإيماني بتلبية أبي نُوَاس وبتهنئة العائدين من مكة، وسبقتهما أسمهان في احتفاء بالمحمل المصري في رائعتها "عليك صلاة الله وسلامه".
وظلت هذه الأغنيات وغيرها لمطربين آخرين تُذاع في الإذاعة والتلفزيون؛ إلا أن الأغنية الشعبية أثبتت وجودها في الشارع المصري دون أن يكترث أصحابها بأن تجاز أغنياتهم من جهات البث الرسمية، لتتناقلها الألسنة من قرية إلى قرية.
"رايحة فين يا حاجة؟!"
صدر الصورة، Getty Images
يقول الأديب المصري الراحل خيري شلبي في مقدمة كتاب عن فولكلور الحج، إن أغنيات هذه الشعيرة الإسلامية متأصلة في التراث الموسيقي الديني لدى المصريين، في "إبداع شعبي عام، تنتجه السليقة المصرية المرتبطة بالدين ارتباطاً وثيقاً".
ويضيف أن الاحتفال بالحج "طقس مصري خالص رسخته الطرق الصوفية المصرية التي كان لها باعٌ طويل في استخدام الموسيقى لتوصيل الإنسان إلى مرحلة الوجد الصوفي وترقيق مشاعره"، بل إن شلبي يعتقد أن الغناء الديني في أصله مصري.
رايحة فين يا حاجة .. يا ام شال قطيفة
رايحة ازور النبي محمد .. والكعبة الشريفة
ويرى الدكتور مسعود شومان، المتخصص في الدراسات الشعبية، أن هذا النسق الشعري الرباعي والبناء الموسيقي للأيقونة الشعبية المتوارثة وغيرها من الأغنيات التي لا تزال تتردد على ألسنة المصريين حتى يومنا هذا، "نسق قديم ربما يعود لقدم ذهاب المصريين إلى الحج"، منذ أكثر من 1000 عام.
هذا اللون الغنائي الشعبي يتسم بمسحة من الشجن، ربما لأنه يمثل "طقس عبور من زمان لزمان، ومن مكان لمكان، ومن حال إنسانية إلى أخرى".
ويشرح شومان لبي بي سي عربي فلسفة الشجن الشديد، بأن المسافر يودع حياة سيغادرها ويتحول عنها ليعود إنساناً جديداً، فيما يشبه أيضا الحال في يوم "الصباحية"، اليوم التالي للزواج، بعد توديع حياة العزوبية إلى حياة جديدة.
وقرن شومان الحالتين السابقتين أيضاً بـ"العَديد"، وهو فن شعبي لرثاء الموتى، والحالات الثلاث في اعتقاده تعد طقوسَ عبور من حال إلى حال وتتطلب الشجن.
ويقول الدكتور محمد رجب النجار في دراسته (فولكلور الحج: الأغنية الشعبية نموذجاً)، أن "حُنون الحجاج" أغنيات تتكون في الغالب من سطرين أو شطرين بنفس الوزن والقافية، وتتسم بالتكرار اللفظي والتماثل البنيوي الأدبي واللحني، مع بساطة "مفرداتها الشعبية"، ما يجعل الأغنية مألوفة يسهل حفظها وترديدها.
هذه البساطة في الشكل الغنائي، تجعل من السهل على المؤدي الموهوب استنساخ الأغنيات ارتجالاً، وأن يؤلف على منوالها الكثير من النصوص، التي لا يتجلى جمالها إلا من خلال الأداء الحي.
صدر الصورة، Getty Images
وكان مؤدي هذه الأغاني يتوقف بين كل أغنية وأخرى ليصدح بموال عاطفي يُلهب المشاعر تشويقاً إلى زيارة مكة والمدينة، أو داعياً إلى التوبة، أو ناصحاً ببر الوالدين وحسن معاملة الجار.
ومن اللافت للنظر أن أغاني الحج لدى المسيحيين في مصر، "تشبه إلى حد بعيد في بنيتها الأدبية والموسيقية أغاني الحج الإسلامية"، بحسب الدكتور النجار.
على فين يا مقدّسة .. بتوبك القطيفة؟!
رايحه أزور المسيح .. وأعول الضعيفة
ولا يخفى مدى التشابه الشديد بين البيتين السابقين وبين أغنية "رايحة فين يا حاجة" مع بعض التصرّف، في دلالة على وحدة الموروث الشعبي المصري.
نادينى بصوتك يا مسيح ناديني
خاطري أنا أزورك وافرد يميني
خاطري أزورك يا دير النصارى
أفرد دراعي وادق الإشارة
ومع ذلك، فإنه يقول إن أغنيات الحج المسيحية التي تُعرف بـ(أغاني القدس) "توشك على الاندثار"، نتيجة توقف هذه الرحلة إلى مهد السيد المسيح بأمرٍ من الكنيسة المصرية، بعد احتلال القدس الشرقية عام 1967م.
"افتحي البوابة يا فاطمة!"
صدر الصورة، Getty Images
قبل عصر وسائل المواصلات الحديثة، كان عدد الحجيج من الرجال في كل قرية مصرية لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، أما عدد النساء فكان محدوداً للغاية، ويكاد يقتصر الحج على كبار السن، كما حكت لبي بي سي عربي أيقونة الغناء الشعبي في مصر فاطمة عيد، التي لاقت أغنيتها "رايحة فين يا حاجة" شعبية واسعة في عصرنا اليوم.
ويذكر النجار، الحاصل على دكتوراة الفلسفة في الآداب الشعبية من جامعة القاهرة، أن الحاج قبل سفره بيوم أو اثنين، كان يخرج في زفة مرتدياً أفضل ثيابه، راكباً فوق حصان مزين يملكه أو يستعيره من أحد أعيان القرية، وأمامه البيارق "الأعلام" والطبل، وحوله أهله وأصدقاؤه.
وكان يمر في شوارع القرية التي تزدان بالرايات والأنوار، ويتخلل هذه الجولة رقص شعبي كالتحطيب، وإطلاق النيران من البنادق.
وإذا ما قررت إحدى النساء الحج، كانت ترتدي ثياباً بيضاء، ويُحتفى بها في منزلها بين النساء فقط، وأمام دارها في القرية، بحسب الفنانة فاطمة عيد، ويصبح هذا الخبر حديث الساعة في القرية، ومن ثم تكون "الحاجة" موضع احتفاء شديد تعكسه أغنيات الحج.
صدر الصورة، Getty Images
ومن هنا يتجلى سبب احتفاء الأغاني الشعبية بالمرأة الحاجة أكثر من الرجل، بحسب النجار، موضحاً أن "هذه الأغاني هي في أساسها ونشأتها شكل غنائي نسوي الأصل، تؤديه وتتلقاه النساء فقط على نحو جماعي، كما هو الحال في الأغاني الشعبية للأفراح".
ويضيف أستاذ الفولكلور الشعبي في دراسته أن هذا هو السبب الذي يفسر أن معظم أغاني الحج أو التحنين موجهة للنساء، "وتحمل معظمها ضمير المخاطب أو الغائب المؤنث".
ويوضح شومان لبي بي سي أن هناك رجالاً غنوا لرحلة الحج "لكن بشكل احترافي"، أما الشكل الفولكلوري الشعبي فمعظمه للسيدات اللائي يأتنسن بهذا الغناء فيما بينهُنّ.
وكثيراً ما تخاطب أغنيات الحج الشعبية للنساء السيدة فاطمة ابنة النبي محمد الذي يُلقّب بـ"التهامي"، نسبة إلى سهل تِهامة المحاذي للبحر الأحمر.
يا فاطمة يا فاطمة
يا بنت التِّهامي
افتحي البوابة يا فاطمة
أبوكي دعاني
صدر الصورة، الحساب الشخصي للفنانة فاطمة عيد على فيسبوك
وتقول الفنانة فاطمة عيد، لبي بي سي، إن جميع نساء قريتها "القنايات" بمحافظة الشرقية، كن يشتركن في الغناء للمسافر إلى الحج، في احتفاء يستمر أسبوعاً قبل السفر، ثم يُستأنف بعد عودته فَرَحاً بسلامته واكتسابه لقب "حاج" رسمياً.
وتضيف أن العادة آنذاك جرت على توديع المسافر إلى القطار المتجه إلى ميناء مدينة السويس حيث يُسافر الحجاج على متن باخرتين مصريتين شهيرتين هما: زمزم والكوثر.
"يا وابور النبي"
صدر الصورة، archive.org
كان القطار يسمى قديماً في مصر "وابور"، أو "بابور"، تمصيراً للكلمة الفرنسية vapour التي تعني البخار، والتي تشير إلى القطار الذي كان يعمل بالبخار آنذاك.
وكان المصريون يطلقون على القطارات والبواخر الخاصة بنقل الحجاج "قطار النبي" و "باخرة النبي"، في إشارة إلى مقصدها لزيارة النبي محمد.
يا وابور النبي يا أحمر يا دُومي
من يوم ما هويت النبي صحاني من نومي
يا وابور السفر.. ما توقّف شوية
خلّي أبويا الغالي.. يسلّم عليا
ويذكر الدكتور النجار أن قطار الحج كان يُزين بالأعلام والرايات وجريد النخل الأخضر، ويمر على محطات القرى الكبرى لأخذ الحجاج إلى ميناء السويس شمالي مصر.
على مينا السويس مَدّولنا السقّالة
فِرِح الحجاج وقالوا: يا عاشق تعالَ!
والسقالة هي لوح من الخشب ينقل الحجاج من البر إلى باطن السفينة.
صدر الصورة، كتاب "المحمل والحج" تأليف يوسف أحمد
أما فيما يتعلق بالبواخر، فلم يعتد الكثير من المصريين ركوبها آنذاك في رحلات طويلة، فتولدت من القريحة الشعبية أغنيات لطمأنة المسافر الذي يخشى الأمواج المتلاطمة، بأن رُبّان السفينة ماهر مُحنّك ذو خبرة.
فاطمة تقول لابوها: ما للموج دا عالي؟
ما تخافيش يا فاطمة .. دا ريّس قراري
فاطمة تقول لابوها ماله الموج مضلّم؟
ما تخافيش يا فاطمة .. دا ريّس معلّم
ويضيف النجار في دراسته أن "النسوة من الحجيج كن أنفسهن يترنّمن بهذه الأغاني نفسها أثناء رحلة الحج على الجمال أو في البواخر، في أداء جماعي عذب الترانيم، حيث كانت تهوّن عليهن من أمر السفر وتساعدهن على تحمل مشقة الطريق ووعورته، كما تؤجج في الوقت نفسه نار الشوق والحنين لزيارة النبي".
تحتوي هذه الصفحة على محتوى من موقع Google YouTube. موافقتكم مطلوبة قبل عرض أي مواد لأنها قد تتضمن ملفات ارتباط (كوكيز) وغيرها من الأدوات التقنية. قد تفضلون الاطلاع على سياسة ملفات الارتباط الخاصة بموقع Google YouTube وسياسة الخصوصية قبل الموافقة. لعرض المحتوى، اختر "موافقة وإكمال"
Accept and continueنهاية YouTube مشاركة, 2
"مغامرة كبرى"
في طريق النبي .. يمينك شمالك
وعند باب النبي .. يا واد برّك جِمالك
وفـ طريق النبي .. شمالك يمينك
عند باب النبي .. يا واد برّك هَجينك
كان الحج حدثاً فريداً في الماضي، وكانت رحلته حتى الحرب العالمية الثانية تعد "مغامرة كبرى"، بحسب النجار، أستاذ الفولكلور الشعبي.
وكانت الجِمال من أبطال رحلة الحج آنذاك، يتقدمها الجمل الأهم والأبهى الذي كان يحمل كسوة الكعبة في هودج خشبي مغطى بالحرير المطرز بالذهب والفضة.
وقد ارتبط بهذا الحدث أحد الفنون الشعبية التي اندثرت مع الزمن، وهو تزيين جِمال الحجيج بالحِناء، وزركشة البرادع والأسرجة وتزيينها بالأعلام.
في تلك الرحلة التي تستغرق عدة شهور ذهاباً وإياباً، كان الحاج يتعرض لمشقة السفر في الصحراء ومخاطر تعرض قوافل الجِمال إلى هجمات "العُربان" من قطاع الطرق، وركوب البحر في قوارب بدائية كانت تُسمى "الجلاب"، قبل البواخر الحديثة والقطارات.
صدر الصورة، Getty Images
وبعد وصول السُفن إلى ميناء جدة، كانت الرحلة تُستكمل بالجِمال، ذهاباً إلى المدينة المنورة أولاً ثم إلى مكة لأداء مناسك الحج، قبل المغادرة إلى السويس، ومنها يعود كل حاج إلى قريته.
ويحكي الممثل المصري اللواء شفيق الشايب، زوج الفنانة فاطمة عيد، أن والده الشيخ الأزهري إبراهيم، حج 9 مرات على الطريقة القديمة بركوب الجِمال، في رحلة كانت تستغرق نحو 6 أشهر لحين العودة إلى أرض الوطن.
كان الشيخ إبراهيم جمعة الشايب تاجراً ميسور الحال، وكان في كل سفْرة للحج يعد أهله "خُرْجاً كبيراً" وهي حقيبة قماشية ضخمة تُحمَل على جانبي الجمل. في هذا الخُرج كان يحمل الزاد والزوّاد، من سمن وسكر وزيت وموقد، بالإضافة إلى ملابسه الشخصية.
ويذكر اللواء شفيق الخبز "المقرّص" أي المصنوع على هيئة أقراص تُجفف جيداً كي لا يصيبها العفن، وكذلك اللحم الذي يُحمّر قبل أن يجفف.
وقد أشارت الأغنية الشعبية إلى "الكِشك" وهو طعام جاف مكون من القمح واللبن، يُجَفف في الشمس ليصبح قوامه صُلباً، ما يجعله صالحاً للتخزين لفترات طويلة، قبل أن يتحول إلى حساء بعد إذابته في ماء أو حليب.
وان نويت ع السفر .. خُد الكِشك كله
عند حرم النبي .. اقعد وبِلّه
"يا بشير الهنا"
صدر الصورة، Getty Images
كانت السهرات الغنائية تتوقف بعد مغادرة المسافرين إلى الحجاز، إلا أن الحجاج كانوا يحملون في وجدانهم ما يشبه "دليل الحاج" في هيئة أغنيات تستشرف تفاصيل المناسك قبل وصول الرحلة إلى مُبتغاها، وترسم في الخيال نخيل الحرمين وحمام الحمى، وتتغزل في ماء زمزم و"السّلَب" أو الحبل الذي يُربط فيه الوعاء لجلب الماء من البئر.
آه يا بير زمزم .. سلَبَك حريري
والشربة منك .. دوا للعليلِ
يا بير زمزم سَلَبك سلاسلْ
والشربة منك دوا للمِسافرْ
ومن اللافت والجدير بالذكر هنا مدى التشابه في المعنى بين ما سبق وبين الموروث في الثقافة الشعبية المسيحية في احتفالات السيدة العذراء بالجبل الغربي لمدينة أسيوط جنوبي مصر، الذي انتهت إليه مسيرة العائلة المقدسة (السيدة مريم وطفلها يسوع بصحبة القديس يوسف النجار) ومنه بدأت رحلة العودة.
سَقْيِتك يا عَدرا سلَبها حرير
يا كُلّ شربة منها دوا للعليل
سَقْيِتك يا عدرا.. سلَبها سلاسل
يا كل شربة منها.. دوا للمسافرْ
بعد انتهاء الحجاج من أداء مناسكهم، يحمل الحجاج ما يستطيعون حمله من الهدايا في خُرُجِهم التي ما تبقى فيها إلا ما يكفي رحلة العودة، لتحط بهم الرحال في منطقة جبل الطور في حَجر صحي إجباري لضمان عدم نقلهم الأمراض بعد تجمع أناسِ في أرض الحجاز من كل فجٍّ عميق.
هذا الحجر أو "الكرانتينا" كما كان يُطلق عليه، كان يستمر من أسبوع إلى شهر وفقاً للأوضاع وقتها.
وقد جرت العادة على أن يذهب بشير من الحجر الصحي إلى قرية الحاج، ليبشر أهله بقرب عودته في غضون أسبوعين، ليعمّ الفرح وتُدق الطبول وتُسمَع أغنيات الحج من جديد، لكن بنغمة سعيدة تختلف عن نغمة الحزن والشوق التي كانت قبل سفر الحجاج.
يا بشير الهنا يا عم يا رايح بلدنا
زرنا الحبيب النبي روح بشّر وَلَدنا
ويا بشير يا بشير يا رايح بلدنا
قول لولدي العزيز يبيّض عَتَبنا
يا بشير يا بشير يا اللي انت رايح
قول لأهلي العُزاز يحضّروا الدبايح
ويقول الفنان اللواء شفيق الشايب لبي بي سي إن وصول البشير إلى القرى كان يُستقبل بالزغاريد والغناء ابتهاجاً، ليتوجه أهل الحاج إلى ميناء السويس في انتظار وصوله من جبل الطور.
وخلال ذلك، يستعد أهل بيت الحاج أو الحاجة بإعادة دهان المنزل باللون الأبيض، في رمزية للون ملابس الإحرام، ويصاحب ذلك رسم للكف والعين وبعض الرموز الشعبية.
صدر الصورة، Getty Images
"سالمة يا سلامة"
مع عودة الحجاج إلى قراهم، كانوا يُستقبلون استقبال الفاتحين، بالزغاريد والطبول والأغاني وإطلاق النار، ويُنصب من أجلهم شادر كشوادر الأفراح، يتقاطر عليه الأهل والجيران للسلام على الحاج وتهنئته وطلب الدعاء منه.
يدخل الحاج داره برجله اليمنى، بعد نحر ذبيحة على عتبة البيت إن كان مقتدراً، يقيم بعدها "وليمة النَزْلة"، ولا يغادر الدار طوال أسبوع كامل.
سالمة يا سلامة
والحاج جِه بالسلامة
ألفين مبروك يا حاجّنا
زُرت التهامي وجِيت لِنا
يحضر المنشدون إلى داره مع الأحباب الذين يقدمون هدايا إلى الحاج على شكل سكر وشربات وأرز ولحم، تهنئة له بسلامة وصوله، في حين يقدم الحاج ماء زمزم الذي أحضره معه.
وتُعرَف بيوت الحجاج في القرية من فن الجدارية الشعبية الذي يُعنى بالرسم على واجهات منازل الحجاج، لرموز دينية كالكعبة والنخيل والجِمال أو السفن أو القطارات، وكتابة بعض الآيات القرآنية أو الأحاديث النبوية، أو المأثورات الشعبية التي ترحب بالحاج، في تقليد مستمر حتى يومنا هذا.
نقرش البَوابَة ببُوية وزِيتي
واكتب حِجّتي على باب بيتي
صدر الصورة، Getty Images
تحتوي هذه الصفحة على محتوى من موقع Google YouTube. موافقتكم مطلوبة قبل عرض أي مواد لأنها قد تتضمن ملفات ارتباط (كوكيز) وغيرها من الأدوات التقنية. قد تفضلون الاطلاع على سياسة ملفات الارتباط الخاصة بموقع Google YouTube وسياسة الخصوصية قبل الموافقة. لعرض المحتوى، اختر "موافقة وإكمال"
Accept and continueنهاية YouTube مشاركة, 3
بعد أسبوع، يَفتح الحاج الخُرُج أو الحقائب التي تحوي الهدايا التي جلبها معه من أرض الحجاز، كالسبح وسجاجيد الصلاة والمساوك وتمور المدينة والطواقي "الشِّبِيكة" والكحل والمراود (المكاحل)، و"طاسة الخضة" وهي وعاء نحاسي يحوي آيات قرآنية، كان يشرب منها من يعاني من آثار ما بعد الصدمة.
وكان من يؤدي الفريضة يحظى بالكثير من الثقة والتبجيل والاحترام بعد خوض هذه الرحلة الإيمانية الفريدة، ليضحى من أهل المشورة حيث يُعتد برأيه بين أهله وجيرانه وأبناء قريته.
واليوم، وبعد مرور تسعين عاماً على أول طائرة مصرية تنقل الحجاج من مصر إلى مطار جدة عام 1936م، تقول فنانة الغناء الشعبي فاطمة عيد لبي بي سي إن موسم الحج لم يعد بـ"زَهوة" الماضي.
فقد خَفُتت الاحتفالات بالمسافر الذي تيسرت له سُبل الحج مع زوال الكثير من أسباب المشقة التي كانت الدافع للغناء الفولكلوري القديم، بحسب الدكتور مسعود شومان المتخصص في الدراسات الشعبية.
ومع ذلك، فإن مظاهر الاحتفال ما زالت قائمة في المناطق البعيدة عن المدن، وأحياناً يُكتفَى بليلة غنائية خفيفة يجتمع فيها الناس، "لكننا لن نُعدم أن نجد سيدات من كِبار الحَفَظَة اللائي يرددن هذه الأغنيات بين الناس حتى يومنا هذا"، بحسب شومان.
وعلى الرغم من أن القريحة الشعبية لم تعد تقدم لنا اليوم ما هو جديد في هذا اللون من "حُنون الحجاج"، إلا أن بيرم التونسي الذي لُقِّب بشاعر الشعب، استطاع أن يُثبت أن الأغنية لا تزال وقوداً شعبياً يشعل مشاعر كل من تهفو روحه إلى أرض الحرمين.
وخيرُ دليلٍ على هذا، صدى الجماهير التي كانت تهتف وتصفق في شجن وهي تستمع إلى أم كلثوم تتغنى بكلمات بيرم التي وصف فيها زيارته إلى قبر النبي أو (الروضة الشريفة) "فيها طَرَب وسُرور.. وفيها نُور على نُور.. وكاس مَحَبة يدور.. واللي شِرِب ..غَنَّى".
تحتوي هذه الصفحة على محتوى من موقع Google YouTube. موافقتكم مطلوبة قبل عرض أي مواد لأنها قد تتضمن ملفات ارتباط (كوكيز) وغيرها من الأدوات التقنية. قد تفضلون الاطلاع على سياسة ملفات الارتباط الخاصة بموقع Google YouTube وسياسة الخصوصية قبل الموافقة. لعرض المحتوى، اختر "موافقة وإكمال"
Accept and continueنهاية YouTube مشاركة, 4
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير




