
رمضان في غزة
غزة - قنا
يدخل سكان قطاع غزة شهر رمضان المبارك للعام الثالث على التوالي، على وقع تداعيات عدوان الاحتلال الإسرائيلي، والحصار الذي أتى على كل مقومات الحياة، في ظل واقع إنساني وصفه مسؤولون أمميون أنه يعد إحدى أكبر الكوارث الإنسانية في العصر الحالي، وهو ما انعكس بوضوح على الأسواق في قطاع غزة، والقدرة الشرائية لدى سكانه، وطقوس الشهر الفضيل التي لطالما تميزت بها غزة فيما مضى، وشكلت موروثا ثقافيا ووطنيا، ومتنفسا اجتماعيا وروحيا لسكان القطاع.
وعلى ناصية حجرية قديمة في سوق الزاوية الأثري وسط مدينة غزة، يقف التاجر جمال ياسين بين مكونات بقالته التي تعرض ما تيسر من سلع ومواد غذائية وتموينية تشتهر بها غزة، ويتزايد عليها الطلب من الأهالي، لكنه يصف الحركة التجارية بأنها "شبه معدومة".
ويقول ياسين لوكالة الأنباء القطرية /قنا/ إن السوق يحاول أن يستعيد عافيته بعد الدمار الكبير الذي لحق به خلال أكثر من عامين من الحرب، قضت على كل مقومات الاقتصاد وقدرة الناس الشرائية، لكن الناس لا يملكون المال، والحركة خفيفة جدا، والشراء محدود للغاية، لأن غالبية الفلسطينيين بلا دخل وبلا عمل وتحولوا إلى جيش من العاطلين عن العمل.
وأشار إلى أن بعض البضائع متوفرة بكميات محدودة، في حين لا تزال أصناف أساسية مفقودة نتيجة استمرار قيود الاحتلال الإسرائيلي على إدخال السلع والمواد التموينية، وهو ما أدى إلى ارتفاع أسعار المتاح منها بشكل لا يناسب الغالبية العظمي من أهالي غزة الذين أنهكتهم وأثقلت كاهلهم تبعات الحرب.
وتابع "الناس يأتون إلى الأسواق الرمضانية وهي فرحة باستقبال الشهر الفضيل وخيره القادم، لكنهم يسألون عن الأسعار ويغادرون دون شراء، أو يشترون أقل القليل".
ويعاني قطاع غزة من نسب بطالة مرتفعة، وانقطاع مصادر الدخل جراء عدوان الاحتلال الإسرائيلي الذي دمر المنشآت والورش والمحال التجارية والمصانع، وقضى على مجالات العمل للدخل المحلي في غزة، ما جعل الكثير من الأسر الفلسطينية التي تعاني من تدمير منازلها وتعيش مأساة النزوح في المخيمات وبين الركام والأنقاض، غير قادرة على توفير مستلزمات الشهر الفضيل من مواد غذائية أساسية كاللحوم، والزيوت، والحلويات الرمضانية.
وتقول السيدة أم محمد وادي إن الأجواء خلال هذا العام، حيث توقفت الحرب الإسرائيلية بشكلها الصارخ، قد تبدو أفضل من العامين الماضيين من حيث الإحساس بقدوم رمضان، خاصة وأن سكان القطاع عاشوا العامين تحت وطأة الحرب والقتل والنزوح من مكان إلى آخر، لكنها تؤكد أن الغلاء وشح المواد التموينية المطلوبة ما زال يؤرق العائلات والأسر الفلسطينية التي تحاول أن تلبي حاجات أبنائها الغذائية بما يتناسب مع الطقوس والمتطلبات الغذائية للشهر الفضيل.
وأوضحت في حديثها لوكالة الأنباء القطرية /قنا/، خلال تجولها في سوق معسكر الشاطئ غربي مدينة غزة، أن الغزيين يريدون خفض الأسعار ليتمكنوا من الشراء، خاصة أن السنتين الماضيتين لم تكن هناك أجواء رمضانية بسبب الخوف والجوع والنزوح، واليوم يحاول أهل القطاع أن يفرحوا، لكن الغلاء يضغط على الناس، والسبب هو الاحتلال الذي يمنع دخول المواد بشكل مناسب وكاف وهو ما يرفع أسعار المواد والبضائع القليلة المعروضة.
ورغم ضيق الحال، تحاول بعض المظاهر الرمضانية على بساطتها ورمزيتها العودة ولو بخجل، حيث يعرض بائع الفوانيس محمد السيقلي على "بسطة شعبية"، فوانيس رمضان بأشكال وألوان متعددة، وبأسعار يقول إنها "مناسبة قدر الإمكان".
وقال السيقلي لـ/قنا/ إن رؤية فرحة الأطفال وهم يقتنون فوانيس رمضان برفقة ذويهم تبعث على الأمل في أن يعوضوا جزءا مما فاتهم من طقوس رمضانية خلال الفترة الماضية، مشيرا إلى أن كثيرا من التجار يسعون إلى تخفيض الأسعار قدر الإمكان لتكون في متناول الغزيين الذين أنهكتهم الحرب، حتى وإن كان ذلك بهامش ربح بسيط. ومع ذلك، لا تزال غالبية الأسر عاجزة عن شراء فانوس ولو بسعر رمزي، إذ لا يعد من ضمن أولوياتها في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية.
وأوضح أن الفانوس رمز بسيط للفرح، لكنه يعكس حاجة الأطفال إلى مساحة طبيعية من البهجة بعد ما عاشوه من خوف ونزوح خلال الحرب التي قتلت آلافا منهم.
أما أم إبراهيم بركات، وهي والدة شهيد من حي الزيتون شرقي مدينة غزة، فتستقبل رمضان هذا العام بمزيج من الألم والإصرار على الحفاظ على طقوس الشهر، وتقول إنها رغم الجراح والفقد، تريد أن تعظم شعائر رمضان، وتحاول أن تدخل الفرح على قلوب أطفال ابنها الشهيد، وأن تغير من نفسيتهم ولو قليلا.
وأشارت إلى أنها بالإضافة إلى استشهاد ابنها، فقدت منزلها أيضا خلال الحرب، لكنها تصر على صناعة أجواء رمضانية داخل البيت، مهما كانت الظروف، مضيفة أن الأطفال فقدوا والدهم بسبب الحرب الإسرائيلية، ولا تريد أن يفقدوا أيضا فرحة رمضان.
ويحل شهر رمضان هذا العام على قطاع غزة وسكانه وسط واقع اقتصادي متدهور ومدمر، حيث قضت الحرب الإسرائيلية على البنية التحتية والأسواق والمنشآت الاقتصادية، ما تسبب بضعف شديد في الحركة الشرائية وقدرة الفلسطينيين على تلبية احتياجاتهم اليومية المتناسبة مع شهر رمضان، فيما بدت طقوس الشهر أقل حضورا بين فقدان الأحبة، وتراجع الدخل، وارتفاع الأسعار، ورغم ذلك يتمسك أهل غزة بقدر من الأمل، ويصرون على إحياء ما استطاعوا من شعائر الشهر وعاداته.
اقرأ المزيد
مساحة إعلانية
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير




