الثلاثاء 12 مايو 2026 06:16 مساءً في 28 أبريل/ نيسان الماضي، شهد المدار الأرضي المنخفض حدثا وُصف بالدقة المتناهية والخطورة البالغة في آن واحد. فقد رصدت أنظمة تتبع الفضاء قمرين صناعيين عسكريين روسيين، وهما «كوزموس 2581» و«كوزموس 2583»، وهما يتحركان بانسجام مريب لتقليص المسافة بينهما إلى 10 أقدام فقط (نحو 3 أمتار).
هذه العملية، التي حللتها شركة «كومسبوك» المتخصصة في الوعي الظرفي الفضائي، أظهرت أن القمر «كوزموس 2583» أطلق محركاته الدفعية عدة مرات للحفاظ على هذا التشكيل الضيق.
المثير للدهشة هو أن هذه الأقمار لا تحمل أجهزة التحام، مما يعني أن الهدف لم يكن الاتصال البدني، بل اختبار قدرات متطورة في ملاحقة الأهداف الفضائية بظلال دقيقة.
لماذا يتسابقون على الاقتراب؟
قد يتساءل البعض: ما الجدوى من اقتراب قمر صناعي من آخر بمسافة لا تتعدى طول سيارة صغيرة؟
والحقيقة أن «الحرب خدعة»، وفي الفضاء، القرب يعني السيطرة المعلوماتية. وتقنيا، يسمح هذا الالتصاق المداري للقمر بكسر «الحصانة الرقمية» لهدفه؛ فبدلا من الاعتماد على التلسكوبات البعيدة، يستطيع القمر المفتش التقاط صور بدقة مجهرية للهوائيات وأجهزة الاستشعار، بل والأخطر من ذلك، البدء بعمليات «استخبارات الإشارات».
فعلى هذه المسافة، يمكن اعتراض الترددات الضعيفة، أو محاولة «القرصنة القريبة» عبر حقن أوامر برمجية خبيثة في أنظمة استقبال العدو، وهي تقنيات تجعل من القمر الصناعي «جاسوسا طائرا» قادرا على كشف أسرار الخصم أو تحييده دون إطلاق رصاصة واحدة.
تكتيك قديم ومتجدد
لم تكن هذه المناورة معزولة، بل هي جزء من حملة مستمرة لما يعرف بـ «أقمار التفتيش» (Inspector Satellites).
بدأت القصة في فبراير/شباط 2025، عندما أطلقت روسيا ثلاثة أقمار على متن صاروخ «سويوز»، ومنذ ذلك الحين، تراقب الدوائر الغربية تحركات هذه الأجسام التي يبدو أنها تتدرب على تكتيكات المراقبة والاقتراب من أقمار الدول الأخرى دون سابق إنذار.
وتاريخيا، رصدت قيادة الفضاء الأميركية تحركات مماثلة في عام 2020، إذ اقترب قمر روسي من قمر تجسس أميركي. ومع أن الصين والولايات المتحدة تمتلكان تقنيات مشابهة، فإن ما ميز حدث أبريل/نيسان هو «التنسيق الجماعي»؛ حيث كانت هناك أربعة أجسام فضائية تتحرك في تشكيل واحد، مما يتطلب برمجيات معقدة للغاية لإدارة المسارات المدارية دون وقوع كارثة.
تحدي الفيزياء
ويشرح مهندسو الفضاء أن الأقمار الصناعية في المدار المنخفض تسير بسرعة هائلة تصل إلى 28 ألف كيلومتر في الساعة. وعند هذه السرعات، تقوم الحواسيب المدمجة بآلاف الحسابات في الثانية لاتخاذ قرارات المناورة آليا. وتعد فجوة الثلاثة أمتار في فضاء مفتوح نجاحا هندسيا مذهلا، لكنها في الواقع «لعب بالنار».
فأي خطأ برمجي بسيط في نظام التحكم كفيل بتحويل قمرين سليمين إلى آلاف الشظايا عالية السرعة. وبحسب الخبراء، فإن الفارق بين «مهمة ناجحة» و«كارثة عالمية» هو مجرد بضع ثوان من الحسابات الخاطئة.
وتكمن المشكلة في أن هذه المناورات تتم دون تبادل بيانات المواقع بشكل علني، مما يترك المراقبين الأرضيين في حالة تخمين دائم حول النوايا الحقيقية خلف هذه التحركات.
كابوس«كيسلر»
وتكمن الخطورة الحقيقية فيما قد يتركه الاصطدام خلفه، فنحن نعيش بالفعل أزمة «الحطام الفضائي» (Space Debris)، حيث تشير الإحصائيات إلى أن 47 % من الأجسام التي تدور حولنا هي مجرد نفايات.
ويخشى العلماء من ظاهرة تُعرف باسم «متلازمة كيسلر» (Kessler Syndrome)، وهي حالة افتراضية يؤدي فيها اصطدام واحد إلى سلسلة من التصادمات المتتالية، مما يخلق سحابة من الحطام تمنع البشر من الوصول إلى الفضاء أو إطلاق أقمار جديدة لعدة أجيال.
مستقبل الفضاء
إن الإحصاءات التي تشير إلى أن القوى العظمى (روسيا، والصين، والولايات المتحدة) هي المصدر الأكبر لهذا الحطام، تضع هذه الدول أمام مسؤولية أخلاقية وتاريخية تجاه كوكب الأرض بكامله. فالفضاء اليوم ليس مجرد ساحة للتنافس التقني أو السيادي، بل هو شريان الحياة الحديثة لكل إنسان على وجه المعمورة.
ومع غياب ميثاق دولي جامع يُلزم الجميع بالشفافية المطلقة في المناورات المدارية، تظل هذه التحركات «منطقة رمادية» تثير القلق العالمي بدلا من الطمأنينة. فمسافة الثلاثة أمتار ليست مجرد رقم تقني، بل هي جرس إنذار يُذكرنا بأن أمننا التقني المشترك -من اتصالات وملاحة وأبحاث علمية- يتطلب تغليب لغة التعاون الإنساني الشامل على لغة التوجس.
وفي ظلام المدار، لا توجد حدود دولية، وأي حطام ناتج عن سوء تقدير سيكون عدوا مشتركا يهدد طموح البشرية جمعاء في استكشاف الكون. من جانب آخر، أطلقت الصين رسميا ما بات يعرف بـ «مدينة الأقمار الصناعية»، وهو نظام بيئي متكامل يجمع بين التصنيع الضخم والإطلاق المتسارع لشبكة «ألف شراع» (Thousand Sails)، والمعروفة تقنيا بـ جي 60 ستارلينك (G60 Starlink). ولا يهدف هذا المشروع فقط لتوفير الإنترنت، بل لانتزاع «السيادة المدارية» من شركة سبيس إكس الأميركية التي كانت تنفرد بريادة مدار الأرض المنخفض، في وقت بات فيه الفضاء الميدان الأول للصراع الجيوسياسي.
فوفقا لبيانات مركز هاينان للإطلاق التجاري الصيني، نجحت الصين في 10 أبريل/نيسان الجاري في إطلاق الدفعة السابعة من أقمار «ألف شراع» بنجاح، وذلك ضمن جدول زمني دقيق تلتزم فيه.
وتوضح البيانات أن الهدف الأول الذي كان مرسوما للمشروع هو إطلاق 648 قمرا صناعيا بنهاية عام 2025، و1296 قمرا في المرحلة الأولى من بناء الكوكبة، و15 ألف قمر بحلول عام 2030، وهو ما يمثل نحو ثلث ما تسعى إليه سبيس إكس في مشروعها.
لكن، وبحسب التقارير التقنية فإن الأرقام وحدها لا تحكي القصة الحقيقية، بل تكمن في السرعة. فبينما استغرقت ستارلينك سنوات لتنضج عملياتها التشغيلية، تسير الصين بوتيرة مرعبة نحو تحقيق تغطية إقليمية فعلية خلال بضعة أشهر فحسب، حسب ما تشير التقارير.
المصنع الذي لا ينام
تكمن قوة مشروع «ألف شراع» في قدرته التصنيعية الفريدة، حيث تشير تقارير صحيفة «بيجينغ ديلي» الصينية إلى أن الصين تستعد لاستكمال «مدينة الأقمار الصناعية» في النصف الثاني من العام الجاري، وهي منطقة اقتصادية مخصصة حصريا للصناعة الفضائية التجارية، حيث تُنتَج فيها الألواح المسطحة (Flat Panel) بوتيرة تضاهي إنتاج الهواتف الذكية.
وبحسب وثائق مجلة «آي إي إي إي سبيكتروم» (IEEE Spectrum) الأميركية، فقد بدأت شركة سبيس سيل (Spacesail) إنتاج أولى أقمارها التشغيلية بنهاية عام 2023 عبر خطوط إنتاج شبه أوتوماتيكية، وهذا الزخم يعزز ممر «جي 60» الصناعي الذي يربط 9 مدن كبرى، مما يوفر غطاء ماليا مستداما يتجاوز تقلبات الأرباح الفورية.
ما وراء الإنترنت.. التقنية كسلاح إستراتيجي
تتجاوز طموحات بكين مجرد توفير الاتصال، حيث تركز على 3 محاور استراتيجية وثقتها التقارير التقنية:
النطاقات الترددية المتقدمة: تعمل الأقمار في نطاقات كيه يو (Ku) وكيو (Q) وفي (V) لضمان سعات بيانات هائلة وتداخل أقل.
سحابة الفضاء (Space Cloud): كشفت تصريحات مسؤول في شركة فيوتشر إيروسبيس (Future Aerospace) الصينية أن هذا العام يمثل عام دمج قوة الحوسبة بالذكاء الاصطناعي داخل الأقمار مباشرة، مما يقلل زمن الاستجابة ويمنح الشبكة استقلالية عن المحطات الأرضية.
التكامل مع 6 جي (6G): تؤكد تقارير صحيفة بيجينغ ديلي أن الأولوية في هذا العام هي دمج الفضاء والجو والبحر في شبكة واحدة، تتيح للهواتف العادية الاتصال بالأقمار مباشرة دون أجهزة استقبال خاصة.
وفي تحول استراتيجي مهم، وقعت شركة الطيران الأوروبية «إيرباص» مذكرة تفاهم مع سبيس سيل في ديسمبر/كانون الأول 2025 لدمج منظومة الاتصالات الصينية في حلول الترفيه الجوي (HBCplus). وتؤكد مؤسسة أفييشن ويك (Aviation Week) الأميركية أن هذه الشراكة هي الأبرز دوليا للمشروع، فيما تقول شركة أبكس أفييشن (APEX Aviation) التايوانية إن إيرباص تسعى لتنويع خياراتها المدارية بعيدا عن الاحتكار الأميركي. من ناحية أخرى يرى الخبراء أن فواتير بيئية باهظة تبرز وراء هذا النجاح، فقد وثقت القيادة الفضائية الأميركية أن إطلاق صاروخ «لونغ مارش 6 إيه» (Long March 6A) في أغسطس/ آب 2024 تسبب في تفكك المرحلة العليا وتوليد أكثر من 300 قطعة حطام تهدد سلامة المدار وهي ما تعرف بـ «متلازمة كيسلر» التي تهدد سلامة جميع الأقمار الصناعية الأخرى. وإلى جانب خطر التصادم، يبرز تحدي «التلوث الضوئي»، حيث تشير التقارير وجمعيات الفلك الدولية إلى أن أقمار «ألف شراع» تتميز بدرجة سطوع عالية تترك آثارا بصرية مدمرة على الصور الفلكية البحثية، مما يعيق قدرة المراصد الأرضية على دراسة الفضاء السحيق ويغير ملامح السماء الليلية التي اعتادت البشرية رؤيتها بالعين المجردة.
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير







