في فترة زمنية قصيرة لا تتجاوز 10 سنوات، امتلأت مكتبة الممثلة الألمانية ساندرا هولر بما لا يقل عن 10 جوائز. وهي اليوم واحدة من أبرز المتنافسات على جائزة أفضل ممثلة في مهرجان «كان»، وذلك عن دورها في فيلم «وطن» (Fatherland)، الذي قد يفتح الباب أمام حصولها على جوائز أخرى، سواء على الصعيد الألماني عبر «جوائز الفيلم الألماني» التي سبق أن فازت بها مرتين، أو في المناسبات السنوية الدولية مثل جوائز «غولدن غلوب» و«الأوسكار»، إذا ما وجد الفيلم وصنَّاعه الطريق إلى هذه الجوائز.
كانت في الـ28 من عمرها عندما بدأت في اقتناص الجوائز. ففي عام 2006 ظهرت في فيلم «قُداس الموتى» (Requiem)، الذي فازت عنه بجائزة أفضل ممثلة في مهرجان «برلين». لكن بدايتها في التمثيل سبقت ظهورها في السينما، إذ بدأت في المسرح منذ عام 1998، وتصف تلك الفترة في هذه المقابلة، بأنها أرضية مهمة صاغت موهبتها وجعلتها تدرك أن التمثيل مسؤولية في حد ذاته.
السنوات الأربع الأخيرة تحديداً شهدت وصولها إلى الشهرة كما لم يحدث مع ممثلة ألمانية أخرى منذ سنوات عدة. بدأت هذه المرحلة بفيلم «تشريح سقوط» (Anatomy of a Fall) لجوستين ترييه، الذي لعبت فيه دور الزوجة المتهمة برمي زوجها، خلال مشاجرة، من الطابق الثاني من المنزل، ما أدى إلى وفاته.
في العام نفسه، شاهدناها في «منطقة الاهتمام» (The Zone of Interest) لجوناثان غلازر، حيث تلعب دور الزوجة التي تعيش في منزل زوجها الضابط، الذي لا يبعد سوى أمتار قليلة عن معسكر الاعتقال النازي. تستطيع سماع صراخ الضحايا، وعواء الكلاب، وطلقات النار، لكنها، مثل باقي أفراد العائلة، تتجاهل ما تسمع كما لو أنه غير موجود.
ظهرت خلال العام الحالي أيضاً في فيلم «روز» (Rose)، الذي فازت عنه بجائزة أفضل أداء في مهرجان «برلين»، بعد أن ألغى المهرجان تقسيم جوائز الأداء حسب الجنس، جامعاً بين الذكور والإناث في جائزة واحدة على طريقة «الشاطر بشطارتو».
كما لعبت دورها في الفيلم الأميركي «مشروع هايل ماري» (Project Hail Mary)، ونراها حالياً في «كان» بفيلمها الثالث خلال عام واحد، في حين انتهى تصوير فيلمها الرابع مطلع (مايو) أيار الشهر الحالي، وهو «وطن».
مسرح وسينما معاً
* كيف تنظرين إلى هذه الفترة من مهنتك بصفتك الممثلة المزدحمة بالأعمال؟
- إنها فعلاً فترة مثيرة للاهتمام. عندما بدأت التمثيل، لم أكن أتوقع أن أصل إلى هذه المرحلة التي أرتبط فيها بكل هذه الأعمال. كانت خطواتي ولا تزال حذرة، لكنني لا أستطيع رفض أي فيلم أقرأه وأستمتع به وأجده مهمّاً بحد ذاته.
* ما هي الفائدة التي جنيتها من خلال بدايتك المسرحية؟
- كنت واثقة منذ البداية برغبتي في أن أكون ممثلة، ودعني أُعدُّ أن هذه الثقة ضرورية. هناك كثيرون، في اعتقادي، ينخرطون في التمثيل بدافع الشهرة أو التجربة، لكني أرى أن الشرط الأول هو أن يؤمن الممثل برغبته في التعبير عن نفسه من خلال التمثيل أو أداء الشخصيات الأخرى التي يتعرف عليها على الورق.
التمثيل المسرحي شكّل أرضية مهمة للبداية. هناك بالطبع كثير من الممثلين الجيدين الذين لم يخوضوا تجربة المسرح، لكن بالنسبة لي كانت هذه الفترة أساسية لتشكيل هويتي الفنية وتعلّمي أن التمثيل ليس ترفيهاً فحسب، بل مسؤولية.
* كيف وجدت التمثيل للسينما فيما بعد؟
- في ألمانيا، يظل النشاط المسرحي والسينمائي متواصلاً، وغالباً ما يجد الممثل نفسه يؤدي دوراً في فيلم وفي مسرحية في الوقت نفسه. عندما وجدت الفرصة مناسبة لأؤدي دوري الحقيقي الأول في السينما من خلال فيلم «قداس الموتى»، لم أتردد. بصراحة، لم تكن التجربة سهلة، بل كانت متعبة، لكنها في الوقت نفسه مجزية جداً.
* طريقتك في أداء شخصياتك ترتبط، كما أرى، بجهد بدني. أنت لا تمشين في «وطن» مثلاً، بل تمشين بخطوات حاسمة. في «روز» الأمر نفسه. لا مجال للتردد، والجسد يتولى الإفصاح عما يدور بداخلك...
- هذه ملاحظة مهمة، شكراً لك. الحركة للممثل، أي ممثل، ذات أهمية على مستويات مختلفة، فهي تأكيد على الحالة النفسية التي يمر بها الممثل، وترجمة لشخصية يؤديها. وهذه الترجمة جزء من ممارسات العمل المسرحي: نتعلمها وننفذها لأن المسرح عبارة عن مساحة محددة يجب على الممثل استغلالها بتكثيف ما يقوم به.
في السينما، المجال أوسع بالطبع، فهناك حرية أكبر في توزيع أماكن الكاميرا والتصوير، سواء كان داخلياً أو خارجياً، لكن الحركة لا تزال مهمة.
* حتى في «منطقة الاهتمام»، تلك العناية التي تولينها للشخصية التي قمتِ بتمثيلها شاهدة على كيفية استخدام الحركة المحددة للتعبير عن الداخل. أتذكر مثلاً ذلك المشهد الذي يدور في غرفتك وأنت تختارين ما سترتدينه.
- هذا الجانب من الأداء هو ما يمكن أن تضيفه. الشخصية حقيقية وهناك التزام نوعي بها، لكن هناك أيضاً المشاهد المدوّنة في السيناريو لتكمل رسم الشخصية وما ينتمي إلى حقيقتها.
الفيلم الأميركي الأول
* هل كان من الضروري التحضير للدور عبر قيامك ببحث خاص حول الزوجة؟
- أكثر من ذلك. أردت معرفة كيف كان الوضع حينها، كما يجب أن تعرفي أن القصة تتعلق بعائلة تتغاضى عما يحدث خلف الجدار القريب، مشغولة بتأمين استقرارها. كان لا بدَّ أن أدرس هذا الوضع، لأن السيناريو مستوحى من رواية عن ضابط معروف، رودولف هوس، وزوجته. التحدي كان في كيفية دمج شخصية الزوجة في أدائي، وهذا يتطلب البحث في الفترة نفسها.
* تقصدين إلى جانب قراءة رواية مارتن أميس؟
- نعم.
* هذا العام ظهرت في فيلمك الهوليوودي الأول. كيف حدث ذلك؟
- تسلمت السيناريو وقرأته ووافقت عليه، لأنني رأيت أنني في الفترة الصحيحة لأقدّم أكثر من شخصية في أكثر من عمل. الفيلم مختلف بالطبع، وبشكل كبير عن أي فيلم قمت به من قبل.
* هل يفرض عملك في فيلم أميركي تغيير أي شيء في أسلوب تمثيلك؟
- هناك التعامل مع الشخصية الأميركية وليس الأوروبية، وهذا فرق مهم، لكنه ليس من الأمور الصعبة في التطبيق، لأنك قرأت السيناريو وفهمت الشخصية ولديك مرجع أو خريطة عمل تكفّل بالمعلومات التي تحتاجها. الباقي هو التمثيل (تضحك).
* الآن نراك هنا في «وطن». هذه شخصية حقيقية أخرى، ما يدفعني للتساؤل: هل يختلف التحضير لتمثيل شخصية حقيقية كثيراً عن التحضير لتمثيل شخصية خيالية؟
- نعم، لكن في نطاق معين. الاختلاف يكمن في أنه يمكنك تمثيل شخصية بحرية كاملة عند أداء شخصية خيالية، في حين يكون التحضير مشروطاً عند أداء شخصية واقعية. في «وطن»، الشخصية حقيقية (تلعب ساندرا دور ابنة الكاتب توماس مان)، وهناك التزامات، لكنها لا تحبس الممثل ضمن نطاق محدد. يجب أن تتفهم الفترة التي تقع فيها الأحداث وفق القصة التي يرويها الفيلم، وتؤدي الدور بناءً على ذلك.
* أخيراً، ماذا عن فيلمك المقبل «حفّار» (Digger)؟ سيكون هذا فيلمك الأميركي الثاني مع المخرج الرائع أليخاندرو إناريتو. ما الذي تتعلّمينه من التعامل مع مخرجين مشهود لهم بالكفاءة، وكيف يؤثر ذلك على أدائك؟
- أتعلّم الكثير، لكن معظمه يتعلق بكيفية رغبة كل مخرج في رسم شخصية كل ممثل وفق رؤيته. أعتقد أن على الممثل أن يمنح المخرج كل الثقة، وأن يؤدي الدور بالكفاءة المطلوبة. إنها مسألة ثقة متبادلة وتفاهم واضح منذ البداية.
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير




