اخبار العرب -كندا 24: الجمعة 27 فبراير 2026 05:03 صباحاً المقايضة الصعبة: كيف تحول الدفاع عن «الاستقلال النقدي» إلى معركة سياسية؟
في مواجهة الضغوط المتزايدة من القوى السياسية، يخوض صانعو السياسة النقدية معركة دفاعية حامية، غير أن جهودهم تكشف عن مفارقة معقدة: فالدفاع عن الاستقلالية يحمي مصداقيتهم في مكافحة التضخم، لكنه في الوقت نفسه يعرضهم للظهور كلاعبين سياسيين، مما يجعل الحياد بحد ذاته خياراً جدلياً.
ويجد القادة السياسيون التقليديون أنفسهم اليوم في مواجهة صعبة مع منافسين شعبويين يرفضون القواعد القديمة، ويسعون لفرض سيطرتهم على البنوك المركزية وتغيير طرق إدارتها وتحديد من يشغل المناصب القيادية فيها.
في الولايات المتحدة، يعني التمسك بالاستقلالية الثبات على الخطط القائمة، حيث تحمل رئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول هجمات متكررة من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي اتهمه بإضعاف النمو عبر إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة للغاية.
أما في أوروبا، فتتخذ المقاومة شكلاً أكثر تناقضاً، من خلال الاستقالة المبكرة لمنع القادة المعادين لأوروبا من التأثير على إدارة «البنك المركزي»، وفق «رويترز». وسيغادر محافظ «بنك فرنسا» فرانسوا فيليروي دي غالو قبل الانتخابات المتوقعة التي يهيمن عليها اليمين المتطرف. وأكد فيليروي أن القرار شخصي، إلا أن مصدراً أشار إلى أن جزءاً منه جاء للحفاظ على استمرارية العمل في البنك.
كما تدرس رئيسة «البنك المركزي الأوروبي»، كريستين لاغارد، خطوة مماثلة. وأوضحت أن خطتها «الأساسية» هي إتمام ولايتها، لكنها لم تستبعد إمكانية المغادرة المبكرة.
في اليابان، كرّس «بنك اليابان» التزامه برفع أسعار الفائدة، حتى بعد أن قامت رئيسة الوزراء سناي تاكايشي بتعيين اقتصاديين مترددين في مجلس إدارة البنك، في خطوة يُنظر إليها على أنها محاولة لإيقاف الزيادات.
ومع وصول الدين السيادي إلى مستويات قياسية، يخشى المصرفيون المركزيون أن يُضحّى بالسياسة النقدية السليمة على مذبح الاقتراض الرخيص مع مطالبة الحكومات بخفض أسعار الفائدة.
وما على المحك هو قدرتهم على السيطرة على التضخم والمصداقية التي أعيد بناؤها منذ صدمات الأسعار في السبعينيات. تُظهر التجارب في تركيا والأرجنتين ما يمكن أن يحدث عندما تُجبر الحكومات السياسة النقدية على الخضوع: ترتفع معدلات التضخم، يفر المستثمرون، وتتبخر الثقة.
ومع ذلك، فإن مواجهة الضغوط تجعل المصرفيين المركزيين عرضة للظهور كسياسيين بأنفسهم.
وقال كارستن بريزسكي، رئيس قسم الاقتصاد الكلي العالمي في بنك «آي إن جي»: «يتم سحب المصرفيين المركزيين إلى صراع بين المؤسسة واليساريين الشعبويين. يتم جذبهم إلى الحلبة، ويجب عليهم أن يفعلوا كل ما في وسعهم للبقاء خارجها».
الأزمات تسلط الضوء على البنوك المركزية
لا ينبغي أن يكون الرد مفاجئاً. فقد شبّه رئيس «البنك المركزي الأوروبي» المؤسس، ويم دويسينبيرغ، المصرف المركزي الجيد بالكريمة المخفوقة: «كلما خفقته أكثر، أصبح أكثر صلابة».
وأظهرت استقالته المبكرة في 2003، كجزء من صفقة بين ألمانيا وفرنسا لتسليم القيادة إلى جان-كلود تريشيه، أن المناصب قد تكون سياسية، لكن المهمة يجب ألا تصبح كذلك.
وتفترض نماذج الحوكمة المعاصرة للبنوك المركزية أن المسؤولين سيعملون باستقلالية بمجرد توليهم المنصب، بغض النظر عمن عينهم.
لكن العقد الماضي طمس هذا الخط الفاصل، ففي اليابان قام رئيس الوزراء السابق شينزو آبي بتعيين هاروهيكو كورودا في بنك اليابان لدعم أجندة التحفيز الخاصة به.
كما أدت عمليات شراء السندات الضخمة في الاقتصادات المتقدمة، التي شجعتها الحكومات خلال الأزمة المالية العالمية وجائحة كوفيد-19، إلى قرب البنوك المركزية من السياسة المالية، وهو سابقة يستشهد بها اليوم اليمين المتطرف في فرنسا.
واهتزت ثقة الجمهور بعد موجة التضخم التي أعقبت «كوفيد». كما أن المحاولات المحدودة للتدخل في سياسة المناخ، خاصة في البنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا، غذت اتهامات بتجاوز المهمة الموكلة لهم.
وقال جاكوب دي هان، أستاذ الاقتصاد السياسي في جامعة «خرونينغن»: «تحركت البنوك المركزية بشكل متزايد خارج نطاق ولايتها»، ما يثير تساؤلات حول استقلاليتها نفسها.
الاستقلالية مقابل المساءلة العامة
البنوك المركزية محمية غالباً من السياسة اليومية عبر أحكام قانونية مثل المعاهدات الأوروبية التي تحكم «البنك المركزي الأوروبي»، لكنها ليست محصنة من التوقعات الديمقراطية، فهي ترد أمام الكونغرس في الولايات المتحدة، والبرلمان الأوروبي في منطقة اليورو، وأمام تصورات الجمهور.
وهنا قد تكشف جهودهم الدفاعية عن نقطة ضعف.
وقال ناثان شيتس، كبير الاقتصاديين العالميين في مجموعة «سيتي»: «لا أرى أي خرق للإجراءات هنا، لكن الأمر يدفع إلى التأمل فيما إذا كنا نحقق التوازن الصحيح بين الاستقلالية والمساءلة».
ويمكن اعتبار استقالة فيليروي وربما لاغارد محاولة لإعطاء الرئيس إيمانويل ماكرون القول الفصل في التعيينات قبل أن يتحول الناخبون ربما إلى التجمع الوطني.
ويحذر الاقتصاديون من أن هذه الخطوة قد تأتي بنتائج عكسية، وقال ماركو فالي، كبير الاقتصاديين الأوروبيين في «يوني كريديت»: «التحرك قد يقوض إلى حد ما استقلالية البنك المركزي نفسه».
الأسواق قد تحسم الكلمة الأخيرة
قد يكون الدين الحكومي الساحة الأكثر شراسة، إذ يجب على الحكومة الأميركية إعادة تمويل نحو ثلث ديونها البالغة 36 تريليون دولار هذا العام. وسيكون لكيفية إدارة «الاحتياطي الفيدرالي» تحت قيادة كيفن وورش، المعين من ترمب، لأسعار الفائدة وميزانيته البالغة 6.6 تريليون دولار أثر حاسم.
وتواجه أوروبا زيادة في الإنفاق الدفاعي فوق الدين المرتفع بالفعل في إيطاليا وفرنسا، وقد دعا زعيم اليمين الفرنسي جوردان بارديللا إلى فتح نقاشات مع «البنك المركزي الأوروبي» بشأن التمويل.
وقال إنريكو كولومباتو، أستاذ الاقتصاد الفخري في جامعة تورينو: «من وجهة نظر سياسية، أفضل طريقة للتمويل هي الاعتماد على آلة طباعة البنك المركزي».
لكن الأسواق قد تحسم الكلمة الأخيرة، فالبنوك المركزية يمكنها كبح عوائد السندات لكنها لا تستطيع منع هروب المستثمرين، ما يضعف العملات ويرفع التضخم.
وتُظهر التجربة اليابانية أن المخاوف من تقلبات السوق قد تكون أفضل حليف للبنوك المركزية، حيث قال ماكوتو ساكوراي، عضو مجلس «بنك اليابان» السابق: «علم الهبوط المستمر للين الإدارة درساً حول مدى قسوة الأسواق إذا حاولت مواجهة رفع أسعار الفائدة من البنك المركزي الياباني. ساعدت القوى السوقية البنك على التصدي للضغوط السياسية».
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير




