اخبار العرب -كندا 24: السبت 14 فبراير 2026 06:16 صباحاً هل الديمقراطية في خطر؟ هل ماتت؟ هل كانت موجودة يوماً؟
لطالما كانت العقول مقتنعة ومشدودة إلى الغرب كمساحة حرية وديمقراطية؛ حيث أنظمة الحكم تعكس آراء الأكثرية ورغباتها، وحيث من يتولى السلطة التنفيذية لا يصل إلا بعد انتخابات برلمانية تُفضي إلى موالاة تحكُم ومعارضة تراقب وتحاسب.
في مينيابوليس، ما بدأ كحراك محلي ضد حملة فيدرالية متشددة على الهجرة، سرعان ما تحوّل إلى احتجاجات واسعة على ما رأى فيه المحتجون تعدياً من السلطة الفيدرالية في واشنطن على الحقوق الدستورية الأساسية، وتجاوزاً لسلطات المدينة والولاية (مينيسوتا)، وانتهاكاً فادحاً لمبادئ الديمقراطية.
كتب أستاذا العلوم السياسية الأميركيان المرموقان، ستيف ليفيتسكي ودانييل زيبلات، في مؤلفهما «كيف تموت الديمقراطيات» (2018): «شاهدنا سياسيين يقولون ويفعلون أشياء غير مسبوقة في الولايات المتحدة، ولكنها أشياء نعرف أنها كانت في أماكن أخرى مقدمات لأزمات ديمقراطية... بات السياسيون الأميركيون اليوم يعاملون خصومهم كأعداء، ويُرهبون الصحافة الحرة، ويهددون برفض نتائج الانتخابات. كذلك، يسعون إلى إضعاف الحواجز المؤسسية التي تحمي ديمقراطيتنا، بما في ذلك المحاكم وأجهزة الاستخبارات وهيئات الرقابة الأخلاقية».
ليس هذا سوى نموذج من واقع يقول إن عدداً من الاتجاهات المقلقة يتقاطع بما يعيد تشكيل مشهد حقوق الإنسان والحكم الديمقراطي على مستوى العالم. فالتطورات الأخيرة في الولايات المتحدة وديمقراطيات غربية أخرى، بما في ذلك التخفيضات الكبيرة في تمويل برامج أساسية لحقوق الإنسان والديمقراطية، والتسييس الفاضح لمؤسسات راسخة واستخدامها كأدوات صراع، تشير إلى تحول خطير. ويتزامن هذا التراجع مع صعود مقلق للآيديولوجيات السلطوية والانغلاقية، وتعزيز متزايد لصلاحيات السلطة التنفيذية، وتقويض متعمّد لشرعية الأقليات والمجتمعات الهشة، إلى جانب تآكل حرية الإعلام واستقلاله. ولا شك في أن هذه الممارسات تدل على عمل مدروس لتفكيك الأسس التي تقوم عليها المجتمعات المنفتحة والخاضعة للمساءلة.
الجذور والمراميلم تولد الديمقراطية بسحر ساحر في لحظة واحدة؛ بل نشأت تدريجياً وبأشكال مختلفة، بينما كانت المجتمعات تبحث عن سبل للتخلص من الاستبداد، ولإشراك الأفراد في صنع القرار الجماعي.
ومعلوم أن مصطلح «الديمقراطية» مركّب من كلمتَي ديموس (الشعب) وكراتوس (الحكم أو القوة) في اللغة اليونانية. وكان مكان الولادة أثينا؛ حيث أرست الديمقراطية الأثينية أفكاراً جوهرية، أبرزها المساواة السياسية بين المواطنين، والنقاش العام، والمساءلة.
بعد الإغريق، انتقلت الراية إلى الرومان، ومع قرابة خمسة قرون من الجمهورية الرومانية التي قامت عام 509 قبل الميلاد عندما أُطيح النظام الملكي وانتهت فعلياً عام 27 قبل الميلاد، أرسيت مبادئ أخرى. ورسّخت هذه التجربة وجود مؤسسات تمثيلية، مثل مجلس الشيوخ والجمعيات الشعبية، ومبدأ حكم القانون لا الأفراد. وقد كان لهذه الأفكار تأثير عميق في تطور النظم الجمهورية والديمقراطية اللاحقة.
لسنا هنا في معرض القيام بسرد تاريخي لمسار الديمقراطية؛ بل المقصود القول إن هذه الطريقة في حكم الدول وتسيير شؤون المجتمعات ليست أمراً طارئاً، وبالتالي يجدر السؤال والتساؤل عن أسباب الفشل.
الغرب المتعثِّريكفي للدلالة على فشل الديمقراطية عدد الحروب التي خاضها البشر، سواء داخل المجتمعات الواحدة (حروب أهلية)، أو بين الدول. فالمفترض أن روح الديمقراطية في داخل البلاد يجب أن تعمم التفاهم والوئام مع الذات ومع الآخر، أي ضمن حدود الدولة وخارجها.
والحقيقة أن المشكلة ليست ربما في الديمقراطية نفسها؛ بل فيمن ينتهك مبادئها ويحاول التحايل وادّعاء ممارستها، بينما يمعن فيها طعناً وتمزيقاً. وهكذا نرى القوي يأكل الضعيف، والدولة الكبيرة لا تساعد الصغيرة؛ بل تسعى إلى السيطرة عليها ونهب مواردها، كأن العلاقات عبر الحدود لا تقوم إلا على الاعتبارات الجيوسياسية والمصالح الاقتصادية.
وإذا نظرنا إلى الغرب فلا يمكن إلا أن يثير قلقنا واقع أن أقوى دولة في العالم تشهد تقويضاً مقلقاً لـ«الحلم» الذي رافق نشأتها واعتمدته شعاراً. وكل يوم نقرأ ونرى ونسمع أميركيين من أهل الفكر يسألون: هل تتجه الولايات المتحدة نحو الحكم الاستبدادي؟
يرى كثير من الباحثين السياسيين أن ملامح هذا المسار بدأت تظهر في خطوات الرئيس دونالد ترمب، ولا سيما مساعيه لإحكام السيطرة على وزارة العدل وإدارات الأجهزة الحكومية، ونشر عناصر من وكالة الهجرة والجمارك في أنحاء البلاد، إلى جانب إجراءات أخرى، منها على سبيل المثال الضغط السياسي والمالي على الجامعات.
تقول الصحافية والمؤرخة آن آبلباوم: «الولايات المتحدة ليست دولة استبدادية في الوقت الراهن. ولكن ما نشهده هو حزب حاكم يسعى إلى تقويض سيادة القانون أو تقييدها، وإلى خلق وضع نتحول فيه عملياً إلى دولة الحزب الواحد. والمسار الذي يسلكه الحزب الجمهوري في عهد ترمب -أو بالأحرى ليس الحزب الجمهوري بحد ذاته؛ بل حركة «ماغا» بقيادة ترمب- هو مسار مألوف، سبق أن سلكته أحزاب أخرى في ديمقراطيات مختلفة، كما في المجر وتركيا وفنزويلا».
تضيف: «أكرر، نحن لا نتحدث عن الولايات المتحدة كدولة استبدادية؛ بل عن مجموعة في السلطة تدفع باتجاه ذلك، وهدفها هو خلق وضع لا يمكن فيه خسارة الانتخابات».
وإذا انتقلنا إلى أوروبا التي نهلت مجتمعاتها ودولها من الحضارتين الإغريقية والرومانية، نرى ديمقراطية تكبّلها التقاليد في بريطانيا؛ حيث الخيار بين الأحزاب محدود، وديمقراطية معطِّلة في فرنسا؛ حيث يعجز التيار الوسطي عن إقناع اليمين واليسار بما يقوم به لدفع عجلة البلاد إلى الأمام. ولطالما رأينا «تشظّياً» سياسياً في إيطاليا؛ حيث كانت كثرة الأحزاب تسقط الحكومات الواحدة تلو الأخرى، ليأتي بعدها اليمين المتطرف ويُحكم قبضته على السلطة.
في دول أخرى في طليعتها ألمانيا وعدد من دول المعسكر الشيوعي السابق، نشاهد تقدماً كبيراً للفكر الشعبوي المتطرف الذي يقوم على تضخيم المشكلات (الهجرة مثالاً) من غير أن يقدم حلولاً، بهدف أن يصل إلى السلطة، وإذا لم يصل ينصرف إلى العمل على عرقلة الحكم القائم وبالتالي إرباك المجتمع.
بعيداً عن الغربلا يُلقى كل اللوم على الولايات المتحدة، ولكنها في الواجهة لأنها يفترض أن تكون قائدة «العالم الحر». أما خصماها الرئيسيان فهما بعيدان جداً عن الديمقراطية: روسيا وريثة النظام الشيوعي لم تعتمد الديمقراطية إلا شكلياً، أي إنها أنشأت بنية دستورية للجمهورية، في حين أن الواقع يؤكد أن الحكم محصور في يد السلطة التنفيذية، والمنافسة السياسية شبه غائبة، والحريات المدنية مقيّدة، بينما وسائل الإعلام خاضعة لسيطرة الدولة.
أما الصين فهي دولة يقودها حزب واحد، هو الحزب الشيوعي، وتعرّف نفسها على أنها «ديمقراطية شعبية شاملة»، مع التركيز على التشاور بدلاً من التصويت على النمط الغربي. ومعلوم أن الإعلام في الصين مضبوط، وحرية التعبير مقيّدة، والفضاء الإلكتروني كله خاضع لرقابة صارمة. ولنا فيما جرى في هونغ كونغ قبل سنوات قليلة دليل على عدم تقبّل الديمقراطية والمسارعة إلى إلغاء الرأي الآخر وتصنيفه على أنه أداة لمؤامرة خارجية.
كوريا الشمالية وميانمار غنيَّتان عن البحث، والهند التي توصف بأنها «أكبر ديمقراطية في العالم» لأنها تشهد انتخابات وتداولاً للسلطة، تعاني طبقية تُبقي الناس في «الحَجْر» وبالتالي تلغي المساواة، وهي عنصر من أهم عناصر الديمقراطية.
لا ضرورة لإكمال الجولة الجغرافية التي يمكن أن تعيدنا إلى النصف الغربي من الكرة الأرضية، عبر أميركا اللاتينية التي عرفت ديكتاتوريات مخيفة. فالمهم والخلاصة أن الديمقراطية عليلة.
تواجه الديمقراطية راهناً أزمة ناجمة عن نزعة تفكير قصير الأمد، واستقطاب حاد، وحصر صنع القرار بأيدي «النخب» التي تبدِّي مصالح الأثرياء على حساب الناس العاديين. وفي ظل هذا الخلل نرى عزوفاً واسعاً للناخبين عن الاقتراع، ونشراً مقصوداً للمعلومات المضلِّلة، وصعوداً صاروخياً للشعبوية التي تستغلّ الأزمات وهشاشة الرأي العام، وتوجيهاً للإعلام يحرفه عن دوره في نقل الحقائق والتوعية.
يُعدّ نقص الشفافية والمساءلة من أبرز المشكلات التي تشوب النظام الديمقراطي. كما أن تغيّر القادة والحكومات بوتيرة سريعة ومتكررة يولّد حالة من عدم الاستقرار. يضاف إلى ذلك أن اهتزاز منظومة الضوابط والتوازنات يؤدي إلى هيمنة أحد مكوّنات السلطة على ما عداه، وهو ما قد يقود إلى تفشّي الفوضى والفساد.
كان كتاب لورين جي جي سامونز «ما الخلل في الديمقراطية؟ من الممارسة الأثينية إلى التقديس الأميركي» الصادر عام 2007، جريئاً ومخالفاً للسائد؛ لأنه أكد أن الديمقراطية تؤدي دوراً خطيراً محصّناً ضد النقد والاعتراض. وشرَّح الكاتب المثال الأثيني داعياً القارئ إلى مساءلة التسليم غير النقدي بقيَم ديمقراطية، مثل الحرية والاختيار والتنوّع. يضاف إلى ذلك أن التسليم بحق الأكثرية مضلِّل؛ لأن الأكثرية قد تكون مضلَّلة، وتالياً على خطأ.
يجدر بنا أن نسأل: هل أثمرت العناوين البرّاقة سلاماً واستقراراً ورفاهية على مر القرون؟ قطعاً لا. ومن هنا لا بدّ من ولادة فكر ما في «أثينا» أخرى، لمعالجة الخلل، وقيادة البشر إلى مستقبل مختلف عما يُنبئ به الحاضر البائس.
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير





