اخبار العرب -كندا 24: الثلاثاء 3 فبراير 2026 06:51 صباحاً في الطب التقليدي، كان الصمت قراراً بشرياً يتخذه الطبيب حين يرى أن الإفراط في التفسير قد يربك المريض أكثر مما ينفعه.
أما اليوم، وفي عصر الذكاء الاصطناعي الطبي، فقد أصبح السؤال أعمق: هل يمكن أن يكون الصمت جزءاً من هندسة الخوارزمية نفسها؟ وهل ينبغي أن نُعلّم الآلة أن تمتنع عن الكلام حين يكون كلامها مؤذياً؟
في يناير (كانون الثاني) 2026، نشر الباحث محمد رشاد الإسلام (Md Rashadul Islam) من قسم هندسة علوم الحاسوب في جامعة دافوديل الدولية (Daffodil International University) في دكا، بنغلاديش، دراسة على منصة «أركايف» (arXiv) بعنوان: «إطار الامتناع الانتقائي للذكاء الاصطناعي الواعي بعدم اليقين في تصوير السكتة الدماغية الحادة».
تناولت الدراسة تحدياً معروفاً في أنظمة الذكاء الاصطناعي الطبي، وهو أن النماذج - حتى الأكثر دقة - تُجبر على إصدار حكم تشخيصي في جميع الحالات، حتى عندما تكون درجة الثقة منخفضة.
لذا؛ اقترح الباحث إطاراً يدمج تقدير «عدم اليقين الاحتمالي» داخل نموذج تحليل صور السكتة الدماغية الحادة. وعندما تنخفض درجة الثقة عن حد معين، يمتنع النظام صراحةً عن إصدار توصية، ويُحيل القرار إلى الطبيب.
وأظهرت النتائج الأولية انخفاضاً في الأخطاء بالحالات الحدّية وارتفاعاً في أمان القرار السريري مقارنة بالنماذج التقليدية. ورغم أن الدراسة لا تزال منشورة بحثاً أولياً لم يخضع بعد للتحكيم النهائي، فإنها تعكس اتجاهاً بحثياً واضحاً نحو «ذكاء واعٍ بحدوده».
بين القدرة على التنبؤ وأخلاقيات الإفصاحالذكاء الاصطناعي اليوم قادر على التنبؤ بمخاطر أمراض قبل سنوات من ظهورها، وقراءة الصور الشعاعية بدقة تتجاوز أحياناً العين البشرية. لكن السؤال لم يعد: هل يستطيع أن يتنبأ؟ بل: هل ينبغي أن يُعلن كل ما يتنبأ به؟
تخيّل نظاماً يخبر مريضاً باحتمال متوسط للإصابة بمرض خطير خلال عشر سنوات. الاحتمال غير حاسم، والتدخل غير مؤكد، لكن كلمة «خطر» وحدها قد تغيّر نظرته إلى ذاته ومستقبله. هنا تتحول المعلومة من رقم إحصائي إلى عبء نفسي.
ليس كل تنبؤ يستحق أن يتحول إنذاراً.
خطر الضجيج العلاجيالأنظمة الذكية مصممة بطبيعتها لإنتاج نتائج. والنموذج الذي لا يُخرج توصية يُعدّ ناقصاً تقنياً. لكن الطب ليس سباقاً في عدد التنبيهات، بل مسؤولية في وزن العواقب.
وقد يقود الإفراط في الإنذار إلى فحوص غير ضرورية، وتشخيص زائد، وقلق مزمن. ومع إدماج الخوارزميات في السجلات الطبية الإلكترونية، تتحول التوصية إلى «خيار موصى به» تلقائياً، ويصبح الخروج عنه في حاجة إلى تبرير. هنا يحدث ما يمكن تسميته بالانزياح الصامت للمسؤولية؛ لا تُلغى حرية الطبيب، لكنها تُثقل تحت ضغط الثقة الرقمية.
مبدأ الصمت الخوارزميمن هنا يبرز مفهوم «الصمت الخوارزمي» بوصفه فضيلة طبية ناشئة. وهو لا يعني إخفاء الحقيقة، بل ترشيحها عبر ميزان التناسب. فإذا كان التنبؤ عالي الدقة، والتدخل المبكر ينقذ حياة، فالإفصاح واجب. أما إذا كان الاحتمال متوسطاً، والفائدة غير محسومة، والضرر النفسي متوقعاً، فقد تكون المراقبة أكثر أخلاقية من الإنذار.
الفرق هنا بين القدرة على التنبؤ والحق في التدخل.
أحد أعمدة الطب هو الشكّ البنّاء، فالطبيب المتمرّس يعرف متى يتدخل ومتى ينتظر. لكن الخوارزمية، إن لم تُصمَّم بعناية، قد تُضعف هذا الشك؛ لأنها تعرض توصياتها بثقة رقمية تبدو عقلانية ومحايدة.
ومع الاعتياد، يتحول النظام مرجعيةً غير مُساءلة، لا لأنه يفرض نفسه، بل لأننا نعتاد عليه. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.
نحو ذكاء أكثر تواضعاًالطب لا يحتاج إلى ذكاء أعلى فحسب، بل إلى ذكاء أكثر تواضعاً؛ ذكاء يعترف بدرجة عدم يقينه، ويُظهر حدوده بوضوح، ويمتنع عن الكلام حين يكون الكلام ضرراً.
فالخوارزمية لا ترى القلق في عيني المريض، ولا تتحمل تبعات القرار، ولا تعيش أثر الكلمة. الطبيب وحده من يزن الاحتمال في ضوء الإنسان الجالس أمامه.
ليست المشكلة أن تتكلم الخوارزمية، بل أن تتكلم حين لا ينبغي لها أن تفعل. فالذكاء الحقيقي لا يُقاس بعدد ما يقول، بل بقدر ما يعرف أن يمتنع.
ومستقبل الرعاية الصحية لن يُقاس بعدد ما تقوله الأنظمة الذكية، بل بقدرتها على معرفة متى تتراجع خطوة، وتترك للإنسان الكلمة الأخيرة.
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير





