اخبار العرب -كندا 24: الثلاثاء 27 يناير 2026 11:39 صباحاً لا يتعامل الفيلم الوثائقي الأميركي «من قتل أليكس عودة؟» مع جريمة اغتيال وقعت في منتصف الثمانينات بوصفها حادثة منتهية، بل يعيد فتحها باعتبارها جرحاً أخلاقياً وسياسياً لا يزال ينزف في الوعي الأميركي.
الجريمة التي أودت بحياة الناشط الفلسطيني - الأميركي أليكس عودة إثر انفجار عبوة ناسفة داخل مكتبه في ولاية كاليفورنيا عام 1985، ظلت طوال أربعة عقود بلا محاسبة واضحة، لتتحول من واقعة جنائية إلى علامة فارقة في علاقة السياسة بالعدالة، وفي حدود قدرة المؤسسات على حماية مواطنيها حين يتقاطع القانون مع المصالح الآيديولوجية.
الفيلم لا يكتفي بإعادة سرد الوقائع، بل يضع المشاهد داخل مسار تحقيق متصاعد، يكشف طبقات من الصمت المؤسسي، والإهمال المتراكم، والتواطؤ غير المعلن، عبر بنية سردية مشدودة تشبه أفلام التحقيق، يتنقّل العمل بين الأرشيف، والشهادات الحية، والبحث الميداني، ليحول الجريمة من ذكرى بعيدة إلى سؤال راهن، ماذا يعني أن تبقى جريمة سياسية بلا عقاب في دولة تُفاخر بسيادة القانون؟
يقف خلف الفيلم مخرجان ينتميان إلى خلفيتين ثقافيتين مختلفتين، هما ويليام يومانز، الباحث الفلسطيني الأميركي المتخصص في تاريخ العرب الأميركيين، وجيسون أوسدر، المخرج الأميركي المعروف بأفلامه الوثائقية ذات الحس التحقيقي؛ هذا التلاقي بين منظورين مختلفين منح الفيلم توازناً دقيقاً بين البحث الأكاديمي الصارم والرؤية السينمائية الديناميكية، فيما بدأت رحلة الفيلم مع المهرجانات من مهرجان «صندانس السينمائي» بنسخته الحالية، قبل أن يُعرض للمرة الثانية ضمن الدورة المقبلة من مهرجان «برلين السينمائي»، ما يمنحه حضوراً دولياً مبكراً ويضعه في قلب النقاش العالمي حول السينما السياسية والذاكرة والعدالة.
في المشاهدة، يبدو الفيلم وكأنه تحقيق حي يُكتب أمام أعيننا، الكاميرا لا تكتفي باستعادة الماضي، بل تلاحق أثره في الحاضر، وتعيد تركيب المشهد قطعة قطعة، تسجيلات قديمة التقطها أصدقاء أليكس، مواد إعلامية محلية نادرة، شهادات عائلية مؤلمة، ووثائق تكشف هشاشة التحقيق الرسمي.
الصورة تحمل ملمساً خاماً، أحياناً غير مصقول تقنياً، لكنها شديدة الصدق والتأثير، وكأن الأرشيف نفسه يرفض أن يجمل أو يعاد ترتيبه وفق رواية مريحة.
يقول ويليام يومانز لـ«الشرق الأوسط» إن «القصة ليست غريبة عنه، بل نشأ وهو يسمع اسم أليكس في محيط عائلته المنخرط في النشاط السياسي العربي الأميركي، فكانت الحكاية تُستعاد بوصفها رمزاً للشهادة والتحذير في آن واحد، ورغم حضوره الدائم في الذاكرة الجمعية لم يكن ذلك مصحوباً بمعرفة دقيقة بتفاصيل حياته أو ملابسات اغتياله، وهو ما دفعه لاحقاً إلى البحث فيما تم طمسه أو تجاهله عبر السنوات».
وأوضح أن «انخراطه الأوسع في المجال العام جعله يسمع تحذيرات متكررة من خطورة النشاط السياسي في الولايات المتحدة، وكان اغتيال أليكس يُستَخدم مثالاً على هذه المخاطر، ومع الوقت، تحولت الرغبة في الفهم إلى مشروع بحثي طويل، ثم إلى فيلم يسعى إلى مساءلة الرواية الرسمية بدل الاكتفاء بتكرارها».
وعن انطلاق المشروع، أشار إلى أن «لقاءه بالمخرج جيسون أوسدر شكّل نقطة التحوّل، حيث وجد في خبرته السينمائية شريكاً قادراً على تحويل البحث الأكاديمي إلى لغة بصرية مؤثرة، فلم يكن يعتبر نفسه صانع أفلام محترفاً، بل يعد نفسه باحثاً تعلّم أدوات السينما عبر التجربة، فالعمل استغرق سنوات من البحث والتقصّي، خصوصاً أن القضية كانت قديمة ومعظم خيوطها مبعثرة».
ولفت يومانز إلى أن «العمل على فيلم يتناول قضية فلسطينية داخل الولايات المتحدة يواجه بطبيعته صعوبات تمويلية، لكن بعض الجهات أبدت انفتاحاً ودعمت المشروع»، مشيراً إلى أنهم «كانوا يظنون أن الفيلم بات جاهزاً للعرض قبل فترة قصيرة من اندلاع الحرب الأخيرة على غزة، غير أن المناخ السياسي جعل فرص القبول في المهرجانات أكثر تعقيداً، ما فرض مرحلة طويلة من الانتظار والمراجعة وإعادة الصياغة الفنية».
مواد أرشيفيةفي الجانب التوثيقي، يشير يومانز إلى أن «الحصول على المواد الأرشيفية كان تحدياً حقيقياً، بسبب ضعف الأرشفة في المؤسسات الإعلامية الكبرى، ما اضطر الفريق للاعتماد على تسجيلات شخصية احتفظ بها أصدقاء أليكس، إضافة إلى مواد من محطات محلية غير منظمة، فهذه الفوضى الأرشيفية تحولت داخل الفيلم إلى عنصر جمالي يمنحه حساً واقعياً وصدقاً بصرياً نادراً».
أما التصوير في فلسطين، فكان محفوفاً بالتوتر، سواء بسبب القيود الأمنية أو بسبب هوية الفريق نفسه، وفق تأكيدات المخرج السينمائي الذي يشير إلى أن «شريكه تولّى الجزء الأكبر من التصوير هناك بحكم سهولة حركته نسبياً، بينما واجه هو صعوبات مرتبطة باسمه وجذوره الفلسطينية، ما جعل التجربة جزءاً من المعنى السياسي للفيلم نفسه».
على مستوى المضمون، لا يذهب الفيلم إلى اتهام قاطع، لكنه يطرح أسئلة محرجة حول تقاعس المؤسسات عن إعادة فتح الملف بجدية، وحول فشل التحقيقات في الوصول إلى نتيجة رغم توفر قرائن واضحة، ويرى يومانز أن «تصاعد الاهتمام الجماهيري بالقضية قد يشكل ضغطاً سياسياً يدفع الجهات الرسمية إلى إعادة النظر في تعاملها مع الملف». مؤكداً أن «الفريق التزم بمعايير التحقق الصحافي، واستبعد أي معلومات لا يمكن التأكد منها، وحرص على إتاحة الفرصة لجميع الأطراف للرد أو النفي، حفاظاً على النزاهة المهنية وعدم الانزلاق إلى خطاب دعائي أو تحريضي».
واعتبر أن الأمر الأهم مرتبط بكون الفيلم «لا يتوقف عند حدود الجريمة، بل يربطها بتحولات أوسع في بنية التطرف السياسي»، مشيراً إلى أن «الأفكار التي غذّت العنف في الثمانينات لم تختفِ، بل أعادت إنتاج نفسها بأشكال جديدة أكثر حضوراً في المجال العام».
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير





