اخبار العرب -كندا 24: السبت 24 يناير 2026 10:51 صباحاً على مدى عرضين متتاليين في يوم واحد، تُقدِّم أنجيلا الحداد عرضها «مشارف (outskirts)» على خشبة مسرح «زقاق» في بيروت، وذلك في 29 يناير (كانون الثاني) الحالي. العمل من نوع المونودراما، ويتناول الظلم الاجتماعي الذي يخيّم على حيّ الكرنتينا. هذا الحيّ المنسي على أطراف المدينة، منذ عقود بفعل التهميش المتراكم.
تكسر أنجيلا هذه العزلة، وتواجه، عبر عرضها، واقع الظلم الاجتماعي المحيط بالمنطقة. فتُعيد سرد حكاية الكرنتينا عبر حقبات شهدت النزوح والعزلة والحرب، مستعيدة شريطاً من الذكريات المؤلمة والمُرّة، وأخرى مضيئة. ليحمل النصُّ في طيّاته بصيص أمل بغدٍ أفضل.
تروي أنجيلا أن فكرة العرض بدأت بالتبلور خلال مهرجان «شربكات» عام 2024. تقول: «يومها قدَّمنا عرضاً مسرحياً كاملاً بدعم من استوديو (أمالغام) في شارع الحمرا، وكان مخصصاً للفنانين الناشئين بإشراف يارا بستاني. لاحقاً، وبفضل منحة قُدِّمت للاستوديو، تطوَّر العمل ليصبح مشروعاً فنياً مدعوماً من (اليونيسكو) في بيروت. آنذاك، جرى اختيار 8 فنانين لإقامة عروض تُحيي منطقة الكرنتينا، من بينهم مصممو غرافيك، وممثلون، وتقنيو صوت وإضاءة. اختار كل منهم حياً معيّناً داخل الكرنتينا». وتتابع الحداد: «قدَّمتُ عرضاً فردياً قائماً على الأداء التمثيلي ومسرح الشارع. وعددتُه خطوتي الأولى في هذا المشروع. سرعان ما جرى ترشيحه ليُعرَض في مسرح (زقاق) ضمن برنامج (كواليس)، فعملتُ على تطويره وإغنائه بعناصر فنية إضافية، وأخذته نحو مسار سينمائي أكثر وضوحاً». وبعدما كانت شخصيات العمل تقتصر على طفل وامرأة ولاجئ، أضافت أنجيلا الحداد شخصيات جديدة، ليغدو العرض مزيجاً فنياً يتقاطع فيه المسرح مع السينما، والنص مع الإضاءة والموسيقى.
تقف أنجيلا وحدها على الخشبة لتجسيد 5 شخصيات، تروي كل واحدة منها معاناة عاشتها في الكرنتينا. وتشكّل مجتمعة صوتاً صارخاً في وجه الظلم الذي تعرَّض له الحي منذ الحرب الأهلية، وصولاً إلى انفجار مرفأ بيروت.
ولا تغفل الحداد عن الإبقاء على نافذة الأمل مفتوحة في عرضها، مستلهمة ذلك من موقع الكرنتينا المطلّ على البحر. تقول: «هذه الفسحة الزرقاء استخدمتها لأقول إن الحياة لا بدّ أن تستمر، مهما اشتدّ الألم».
وترتبط الشخصيات الـ5 في العرض، بشكل غير مباشر، بـ5 أبطال من أفلام هوليوودية شهيرة. وتوضِّح الحداد: «قمت بهذه الإسقاطات، مستخدمةً هالة كل بطل لأروي من خلالها حكاية كل شخصية».
من شخصية «البونو» لكلينت إيستوود، التي تفجّر أحد الجسور، تربط الحداد بين هذا المشهد وانفجار المرفأ. أما الشخصية الثانية فمستوحاة من ليوناردو دي كابريو في فيلم «Gangs of New York»، لتتناول الفوقية والعنصرية اللتين مورستا بحق اللاجئين في الكرنتينا.
ومن فيلم «مالينا» لمونيكا بيلوتشي، تنبثق الشخصية الثالثة التي تتناول قضية المفقودين.
وللحديث عن المجزرة التي تعرَّض لها الفلسطينيون في الكرنتينا منتصف السبعينات، تستحضر الحداد فيلم «Clockwork Orange»، وتُسقِط قصته على واقع العنف الممنهج. بينما تقلب المعادلة في الشخصية الأخيرة، المستوحاة من دور أودري هيبورن في «Breakfast at Tiffany’s»، حيث تدفع بحي الكرنتينا إلى معاقبة الظالم، في إشارة إلى انتقام المقهور من جلّاده.
تلجأ أنجيلا الحداد، الحائزة شهادة ماجستير في الفنون الجميلة، إلى مجموعة من الإكسسوارات والأدوات لتلوين الشخصيات واستحضارها على الخشبة. تقول: «أجسّد هذه الأدوار من خلال تبديل ملامحي الخارجية. فأكون امرأة مرة، ورجلاً مرة أخرى. وتساعدني لعبة الإضاءة، مع جمال زركي، على إبراز هذه التحوّلات».
ويرافق العرض موسيقى وديكور بسيط، تتصدّره طاولة تخرج من تحتها الأدوات اللازمة لكل شخصية. وترافق العرض موسيقى الأفلام المذكورة بوصفها عنصراً فنياً إضافياً.
وترى الحداد أن هذا الدمج بين المسرح والسينما يأتي في إطاره الطبيعي. وتوضِّح لـ«الشرق الأوسط»: «أؤمن بأن مختلف الفنون قابلة للتلاقي مع السينما. هي حلقة متكاملة تفيد وتستفيد من بعضها بعضاً. نراها اليوم تدخل إلى النحت والرسم والرقص، فتمنحها بريقاً إضافياً. الوسيلة قد تختلف، لكن التزاوج بين الريشة، والتمثيل، والحركة، والإضاءة، والفن التشكيلي، وتصميم الأزياء، يصنع عملاً جماعياً متكاملاً. ويبقى المسرح المساحة الأوسع والأكثر حرية، حيث تلتقي كل هذه العناصر في خلطة فنية واحدة».
وتضيف الحداد لـ«الشرق الأوسط»: «يلعب الجمهور الدور الأكبر في المشهد المسرحي. فاختياراته وأهواؤه تقف خلف توجهه نحو المسرح الكلاسيكي أو الاستعراضي أو العبثي وغيره. بينما تأتي الرؤية الإخراجية لتضع القالب المسرحي في أبهى حلّة».
وتوجِّه دعوةً إلى جمهور المسرح اللبناني لمشاهدة هذا العرض، عادّةً أنه يخاطبهم بلغتهم، ويقول الأشياء كما هي، مُحمَّلاً بمشاعر وأحاسيس تلامسهم مباشرة. وتختم: «بالنسبة إليّ، زمن الحرب لم ينتهِ بعد، بل نقوم بإخفائه بوسائل مختلفة. لذلك مَن يشاهد هذا العرض سيدرك أنه يتابع عملاً يشبهه، ويُشكِّل صرخةً صادقةً باسم هذه المنطقة المتعبة».
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير






