الثلاثاء 2 يونيو 2026 12:04 مساءً صدر الصورة، Facebook
Published قبل 6 دقيقة
مدة القراءة: 6 دقائق
تحولت أزمة قانونية تتعلق بقرار هدم عقار مملوك لأحد شخصيات المعارضة السياسية في مصر إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل داخل صفوف الأحزاب المدنية المعارضة في البلاد خلال الأسابيع الأخيرة، بعدما أدت إلى تبادل الانتقادات بين أحزاب وقوى سياسية منضوية تحت تيار المعارضة، الذي أصابه التصدع إثر انسحاب أحد الأحزاب على خلفية الأزمة.
وبدأت الأزمة في فبراير/شباط الماضي عندما نشر رئيس حزب المحافظين ورجل الأعمال المصري أكمل قرطام مقطعاً مصوراً عبر صفحته على موقع فيسبوك تحدث فيه عما وصفه بـ"التعدي على أملاكه" في منطقة أبو النمرس بمحافظة الجيزة، جنوب غربي القاهرة، مستنداً إلى مخططات ومستندات قال إنها تثبت ملكيته للأرض محل النزاع والمقام عليها قصره على ضفاف نهر النيل.
وتجدد الجدل في مايو/أيار عندما نشر قرطام مقاطع مصورة جديدة وجهها إلى الرئيس المصري ورئيس الوزراء والنائب العام، طالب فيها بالتدخل لوقف ما وصفه بإجراءات هدم وإزالة تستهدف ممتلكاته، وبينما لم يتهم قرطام أي جهة باستهدافه سياسياً، غير أنه ألمح إلى أن ما سماه "التعدي على أملاكه" بالهدم والإزالة غير مبرر.
لكن وزارة الموارد المائية والري قدمت رواية مختلفة عن رواية السياسي ورجل الأعمال، إذ قالت في بيان رسمي إن العقار مقام جزئياً على أراضٍ مملوكة للدولة في منطقة أبو النمرس بمحافظة الجيزة، وإن مساحة الموقع تبلغ نحو 23.5 ألف متر مربع، وأن أكثر من 14 ألف متر مربع منها تقع ضمن أملاك الدولة، تشمل أجزاء من مجرى نهر النيل.
وأضافت الوزارة أن الممثل القانوني لقرطام طلب مهلة لإزالة المخالفات ذاتياً وعلى نفقته الخاصة، إلا أن المهلة انتهت دون تنفيذ المطلوب، مادفع أجهزة الدولة إلى استكمال أعمال الإزالة وفقاً للقانون.
وأكدت الوزارة في بيانها أن الإجراءات المتخذة تستند إلى اعتبارات فنية وقانونية تتعلق بحماية القطاع المائي وأملاك الدولة، وليس إلى اعتبارات سياسية أو شخصية.
ويُعد أكمل قرطام من رجال الأعمال المعروفين في مصر، وسبق أن انتمى إلى الحزب الوطني الديمقراطي قبل عام 2011، قبل أن يؤسس حزب المحافظين الذي انضم لاحقاً إلى الحركة المدنية الديمقراطية، وهي تحالف سياسي تأسس عام 2017 ويضم عدداً من الأحزاب والشخصيات المنتمية إلى تيارات ليبرالية ويسارية وقومية.
وخلال السنوات الأخيرة برز الحزب ضمن القوى المشاركة في التحالفات والتنسيقات المعارضة، رغم محدودية حضوره الانتخابي مقارنة بأحزاب أخرى.
صدر الصورة، Facebook
بيان التضامن الذي أشعل الأزمة
لم تكتسب القضية أبعاداً سياسية واسعة إلا بعد صدور بيان عن الحركة المدنية الديمقراطية، حيث ربط البيان بين أزمة قرطام وقضايا أخرى مثيرة للجدل، من بينها جزيرة الوراق وإزالة عدد من المقابر التاريخية خلال مشروعات تطوير عمراني، وهو ما أثار اعتراضات داخل الحركة نفسها وخارجها.
وأثار الربط بين القضيتين الجدل، إذ يعد نزاع جزيرة الوراق من أبرز ملفات الملكية والتطوير العمراني في مصر خلال السنوات الأخيرة، وشهد في بعض مراحله مواجهات بين قوات الأمن وعدد من السكان المعترضين على خطط التطوير الحكومية.
وسرعان ما واجه البيان انتقادات من شخصيات سياسية وإعلامية اعتبرت أن الحركة خلطت بين نزاع قانوني يتعلق بملكية خاصة وقضايا عامة تمس قطاعات واسعة من المواطنين.
ومن أبرز المنتقدين نقيب الصحفيين المصريين خالد البلشي، الذي اعتبر أن الحركة ارتكبت "خطأ سياسياً" حين تحركت للدفاع عن رجل أعمال في قضية تخص ممتلكاته الخاصة بينما تجاهلت- بحسب قوله- قضايا عشرات الصحفيين الذين فقدوا وظائفهم أو لم يحصلوا على مستحقاتهم المالية في مؤسسات إعلامية كان يمتلكها قرطام.
وقال البلشي إن القضية كان يمكن التعامل معها في إطارها القانوني المباشر دون ربطها بقضايا اجتماعية ووطنية أوسع.
ونفى قرطام أنه "اعتدى على حقوق الصحفيين" من خلال بيان نشره على صفحته على موقع "فيسبوك"، ذكر فيه أنه بالرغم من أنه كان الممول الرئيسي للمؤسسة الإعلامية مع مساهمين آخرين، فإنه لم يكن ضمن مجلس الإدارة.
وتصاعدت الأزمة مع إعلان حزب العدل انسحابه النهائي من الحركة المدنية الديمقراطية.
وقال الحزب إن قرار تجميد نشاطه السابق داخل الحركة استنفد أغراضها السياسية والتنظيمية، وإن الوقت حان لاعتباره انسحاباً كاملاً ونهائياً.
وأضاف أن الحفاظ على رصيد الحركة وتاريخها يتطلب إعادة تقييم التجربة برمتها، بل والتفكير في إنهائها بصورتها الحالية بدلاً من استمرارها شكلياً، كما أعلنت قوى وأحزاب أخرى أنها لم تُستشر في صياغة البيان.
ويرى الدكتور عماد جاد، نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن ردود الفعل المتباينة على البيان كشفت مشكلة أعمق تتعلق بآليات اتخاذ القرار داخل الحركة المدنية.
ويقول جاد لبي بي سي إن الأزمة أظهرت "خلطاً بين العام والخاص"، مشيراً إلى أن الحركة تبنت الدفاع عن قضية يراها نزاعاً قانونياً يخص أحد قياداتها، في حين لم تتبنَّ بالقدر نفسه قضايا عامة أخرى أثارت جدلاً مجتمعياً واسعاً.
وأضاف أن بيان التضامن مَثَّل "سقطة سياسية" استغلتها وسائل إعلام موالية للسلطة في انتقاد المعارضة، وهو ما ساهم في اتساع دائرة الخلافات داخل الحركة ودفع عدداً من الأحزاب إلى التراجع عن تأييد البيان.
دفاع من حزب الدستور
في المقابل، رفضت وفاء صبري، رئيسة حزب الدستور، تحميل حزبها مسؤولية البيان.
وقالت في تصريحات صحفية إن البيان أُرسل إلى المجموعة الخاصة بمجلس أمناء الحركة المدنية التي تضم ممثلي الأحزاب والقوى المشاركة كافة، ولم يسجل أي طرف اعتراضاً عليه وقتها.
وأقرت بأن صياغة البيان لم تكن موفقة، لكنها اعتبرت أن ذلك لا يبرر التنصل منه بعد صدوره.
وأضافت أن معالجة الأزمة كان ينبغي أن تتم داخل الأطر التنظيمية للحركة لا عبر تبادل البيانات والمواقف العلنية، مؤكدة أن حزب الدستور تمسك بموقفه انطلاقاً من حرصه على وحدة الحركة المدنية وليس دفاعاً عن مضمون البيان نفسه.
ورأت صبري أن تحميل حزب الدستور مسؤولية صياغة البيان جاء نتيجة تمسكه بعدم التنصل من الحركة المدنية، في وقت اختارت فيه أطراف أخرى اتخاذ مواقف مختلفة.
وأمام تصاعد الانتقادات، حذفت الحركة المدنية بيانها لاحقاً وأصدرت اعتذاراً رسمياً، أقرت فيه بأن صياغة البيان لم تكن موفقة، وأنها تركت انطباعات لا تعبر بدقة عن موقف الحركة.
صدر الصورة، Facebook
لكن جاد يرى أن الأزمة تتجاوز مجرد خطأ في الصياغة، معتبراً أنها تعكس ما وصفه بأزمة مؤسسية داخل عدد من الأحزاب السياسية.
ويضيف أن كثيراً من الأحزاب التي ترفع شعارات الديمقراطية تعاني بدورها من مشكلات تتعلق بتداول القيادة والالتزام بلوائحها الداخلية،وهو ما ينعكس- بحسب رأيه- على طريقة إدارة الخلافات واتخاذ القرارات.
كما يرى أن المكانة المالية لقرطام وعلاقاته داخل أوساط المعارضة ربما لعبت دوراً في سرعة صدور بيان التضامن، مضيفاً أن الحركة ربما لم تكن لتتعامل بالطريقة نفسها لو تعلق الأمر بمواطن عادي لا يمتلك النفوذ السياسي أو الاقتصادي ذاته.
ويقول محمد أيمن سلامة، الصحفي المختص في الشؤون السياسية، لبي بي سي، أن أغلب نقاشات الحركة المدنية الديمقراطية لم تُحدث تأثيراً يُذكر في الشارع المصري، كما لم يتجاوز نشاطهم مرحلة البيانات السياسية دون أي تواجد فعلي على أرض الواقع، على حد وصفه.
ماذا تكشف الأزمة عن المعارضة المصرية؟
صدر الصورة، Getty Images
أما المحامي والناشط المصري طارق العوضي فيرى أن الأزمة تعكس غياب رؤية سياسية مشتركة بين أطراف المعارضة.
ويقول العوضي لبي بي سي إن المشكلة لا تتعلق ببيان بعينه، بل بغياب أجندة سياسية واضحة لدى أحزاب الموالاة والمعارضة على السواء، مع اعتماد كثير من القوى السياسية على ردود الأفعال أكثر من العمل وفق خطط وبرامج طويلة المدى.
ويضيف أن الحديث عن تحالف مدني واسع يضم تيارات ليبرالية ويسارية وقومية مختلفة يواجه صعوبات عملية كبيرة، نظراً لاختلاف الرؤى والمواقف بشأن قضايا سياسية أساسية، وهو ما يجعل مثل هذه التحالفات عرضة للخلافات عند أول اختبار جدي.
وبحسب العوضي، فإن الأزمة الأخيرة أعادت إظهار مشكلة أوسع تتعلق بغياب خطط واضحة لدى الأحزاب السياسية بشأن الاستحقاقات الانتخابية المقبلة أو آليات العمل المشترك، الأمر الذي يجعل الخلافات التنظيمية والسياسية أكثر حضوراً من البرامج والرؤى.
ومن زاوية مختلفة، يعتبر مدحت الزاهد، المستشار السياسي لحزب التحالف الشعبي الاشتراكي، أن أزمة الحركة المدنية ليست سوى عرض لأزمة أوسع تعاني منها المعارضة المصرية منذ سنوات.
وقال الزاهد، في تصريحات إعلامية، إن الأزمة لم تبدأ بالبيان الأخير ولن تنتهي بحذفه، بل تعكس مشكلات أعمق تتعلق بطبيعة العمل المعارض في مصر.
ويرى أن إعادة بناء المعارضة تتطلب تجاوز الطابع النخبوي الضيق والانفتاح على العمل القاعدي وسط المواطنين، وتجديد القيادات، وبناء تحالفات أكثر ارتباطاً بالقضايا اليومية للناس.
وأضاف الزاهد، الذي يشارك حزبه في الحركة المدنية، أن جزءاً من الأزمة يرتبط بما سماه "الحصار السياسي" والقيود المفروضة على المجال العام، لكنه يرى في الوقت نفسه أن المعارضة مطالبة بمراجعة أدواتها وأساليب عملها وضخ دماء جديدة في صفوفها، بما يسمح لها باستعادة فاعليتها السياسية والتنظيمية.
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير






