
كشف تحقيق لبي بي سي أن نحو 2300 جندي كوري شمالي لقوا حتفهم أثناء مشاركتهم في القتال إلى جانب روسيا ضد أوكرانيا، استناداً إلى صور أقمار صناعية وصور رسمية لنصب تذكاري جديد في بيونغ يانغ.
وكانت كوريا الشمالية وروسيا قد وقّعتا، في يونيو/حزيران 2024، اتفاقاً للدفاع المشترك. وبعد شهرين، باغتت أوكرانيا موسكو بتوغل في منطقة كورسك، سيطرت خلاله على أكثر من ألف كيلومتر مربع من الأراضي الروسية.
ويقول كيم جين-مو، وهو باحث كبير سابق في المعهد الكوري لتحليلات الدفاع الممول من الحكومة، إن هذا الاتفاق قد يفسر سبب إرسال القوات الكورية الشمالية أساساً إلى كورسك، لا إلى جبهات القتال داخل أوكرانيا.
وكان الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون قد أشاد علناً بالجنود الذين قتلوا في الحرب. ومن المرجح أن بيونغ يانغ تلقت، في مقابل إرسال قواتها، غذاءً وأموالاً ومساعدة تقنية من موسكو.
ولم يعلن النظام المنغلق عن عدد قتلاه في عملية كورسك، التي تقول روسيا إنها استعادت السيطرة عليها بالكامل. غير أن النصب التذكاري الجديد يقدّم، للمرة الأولى، قرائن مرئية تساعد في تقدير حجم الخسائر.
صدر الصورة، KCNA / Reuters
أسماء على الجدران
في أكتوبر/تشرين الأول 2025، أمر الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون ببناء متحف في منطقة هواسونغ في بيونغ يانغ، تخليداً لذكرى الجنود الذين قتلوا في الحرب الروسية الأوكرانية.
وبدأت أعمال البناء في المنطقة الغنية بالأشجار، خلال الشهر نفسه، وفق تحليل أجرته بي بي سي لصور أقمار صناعية قدمتها شركة بلانيت لابس الأمريكية المتخصصة في التصوير الفضائي.

كان الهيكل الأولي للمجمع، البالغة مساحته 52 ألف متر مربع، قد بدأ يظهر في صور ديسمبر/كانون الأول. وبحلول مارس/آذار، بدا أن معظم الأعمال الخارجية قد أنجزت، قبل أن تكتمل أعمال تنسيق الموقع والمرافق المحيطة الشهر الماضي.
وافتتح "المتحف التذكاري للبطولات القتالية في العمليات العسكرية الخارجية" في 26 أبريل/نيسان الماضي. وبحسب وكالة الأنباء المركزية الكورية الرسمية، يهدف المتحف إلى تجسيد "الشجاعة التي لا مثيل لها" للجنود الكوريين الشماليين خلال مشاركتهم في "تحرير" منطقة كورسك.
ويضم النصب التذكاري جدارين بطول 30 متراً نقشت عليهما الأسماء، إلى جانب مبنى ومقبرة.

ويظهر تحليل أجرته بي بي سي لعدة صور نشرتها وكالة الأنباء المركزية الكورية أن كل جدار مقسّم إلى نحو 14 قسماً، تميّزها خطوط حجرية رمادية في الجزء العلوي.
وقد نقشت الأسماء في 9 من هذه الأقسام، ويحتوي كل قسم على نحو 16 عموداً، وفقاً لحسابات أجرتها بي بي سي استناداً إلى المسافة الفاصلة بين الأعمدة.


تُظهر صور مقرّبة للجدار الشرقي أن 8 أسماء للجنود القتلى منقوشة في عمود واحد.
ومع وجود 16 عموداً و9 أقسام، فإن ذلك يعادل 1152 اسماً منقوشاً على كل جدار، وبوجود جدارين، يصل المجموع إلى 2304 أسماء.

ويؤيد سونغهاك تشونغ، الباحث الكبير في معهد كوريا لاستراتيجية الأمن، ما خلص إليه تحقيق بي بي سي.
ويقول: "تبدو الجدران التذكارية مكتظة بأسماء الجنود القتلى، المكتوبة بحروف صغيرة جداً. وبالنظر إلى مساحة الجدار وكثافة النصوص، يرجح أن يبلغ عدد الأسماء المسجلة هناك عدة آلاف".
ولا يمكن تحديد الرقم بدقة في غياب صور عالية الوضوح، لكن تقديرات بي بي سي تقترب من الرقم الذي أعلنته وكالة الاستخبارات الوطنية في كوريا الجنوبية.
ففي سبتمبر/أيلول 2025، قالت الوكالة إن نحو 2000 جندي كوري شمالي قتلوا، فيما أصيب 2700 آخرون.
وبحلول فبراير/شباط من هذا العام، ذكرت الوكالة أن نحو 6000 من أصل 11 ألف عسكري أرسلوا إلى روسيا قتلوا أو أصيبوا، لكنها لم تقدم تفصيلاً يحدد عدد القتلى وحدهم.
"نظام متدرّج"
ويضم الجانب الغربي من المقبرة نحو 140 قبراً، فيما يضم الجانب الآخر 138 قبراً، بحسب صورة التقطها قمر صناعي في أوائل أبريل/نيسان، وقدمتها شركة الأبحاث الكورية الجنوبية "إس آي أناليتكس".
ويبدو أن المبنى مخصص لحفظ جرار رماد الموتى، وفق سونغهاك تشونغ، الذي لا تربطه صلة بالشركة.
ويقول تشونغ: "يبدو أن الجدار بأكمله مغطى بفراغات تخزين مرتبة على شكل شبكة لحفظ الرفات".
ويضيف: "يتألف المبنى التذكاري من ثلاثة طوابق. وحتى مع استثناء المكاتب ومساحات العرض، يمكن للمخزن الداخلي وحده أن يستوعب ما لا يقل عن ألف مجموعة من الرفات".
صدر الصورة، KCNA
وتقول شركة "إس آي أناليتكس" في تقريرها إن الموقع يعكس "نظاماً متدرجاً للتكريم"، إذ يكرّم الجنود الذين أظهروا شجاعة استثنائية بقبور خارجية وشواهد، بينما تُخلد ذكرى آخرين بحفظ رمادهم في جرار داخل مدفن جماعي.
ويرى كيم أن المدفونين في المقبرة قد يكونون ممن استُعيدت جثامينهم، أو من كبار الضباط، أو من الجنود الذين حظوا بتكريم خاص، بمن فيهم من نفذوا أعمالاً تنطوي على تضحية بالنفس.
تبرير الحرب
تقول وزارة الوحدة في كوريا الجنوبية إن من الصعب التأكد مما إذا كانت أسماء جميع الجنود القتلى قد نقشت على الجدران التذكارية.
لكن الباحث كيم يرى أن من المرجح جداً أن تكون أسماء جميع الجنود الكوريين الشماليين الذين قتلوا في كورسك مدرجة هناك.
ويقول: "يهدف النصب التذكاري إلى تكريم من ضحّوا من أجل الدولة، والحفاظ على الدعم الشعبي. وقد يثير حذف الأسماء استياء عائلات الضحايا، ويقوّض الغاية من إقامته".
وذكرت وسائل الإعلام الرسمية في كوريا الشمالية أيضاً أن مجمعاً سكنياً للمحاربين القدامى في الحرب الروسية وعائلات القتلى بني في المنطقة نفسها، وأن السكان بدأوا الانتقال إليه منذ مارس/آذار الماضي.
ويقول تشو هان-بوم، الباحث الكبير في المعهد الكوري للوحدة الوطنية الحكومي، إن قرار بيونغ يانغ بناء نصب تذكاري مخصص للجنود القتلى يعكس محاولة لتبرير نشر القوات بعد تكبّد خسائر كبيرة.
ويضيف: "بالنسبة إلى كوريا الشمالية، تعد روسيا الدولة الوحيدة التي يمكنها التعاون معها عسكرياً في ظل عزلتها الحالية".
ويرى أيضاً أن النصب التذكاري يعكس استعداد بيونغ يانغ لمواصلة تعاونها العسكري مع روسيا، "بغض النظر عن مسار الحرب".
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير






