الاثنين 30 مارس 2026 08:40 صباحاً صدر الصورة، BBC/Getty images
يبدو أنّ الحرب التي أطلقتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران قبل شهر، باتت تتسم بقدر من "الانتظام في فوضويتها".
ليس مفاجئاً أيضاً أن تسهم منشورات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي في تضخيم الاضطرابات وهزّ الأسواق العالمية، وإن كان ذلك لفترة وجيزة.
لكن تعليقات ترامب ليست العامل الوحيد الذي يرسم مسار هذه الحرب، إذ يبدو أن للتاريخ دوراً أيضاً.
وفي الأسابيع التي تلت اندلاع الصراع، لجأ الخبراء بشكل متزايد إلى الماضي لفهم ما يجري، ومحاولة استشراف اتجاهاته.
وتبرز ثلاث محطات تاريخية رئيسية من بين عدد من الأمثلة الأخرى.
السويس
صدر الصورة، Hulton-Deutsch/Hulton-Deutsch Collection/Corbis via Getty Images
منذ أن أطلق الحوثيون المدعومون من إيران في اليمن صواريخ على إسرائيل يوم الجمعة، في أول هجوم من نوعه منذ اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، انفتحت جبهة جديدة في الصراع.
ويثير دخول الجماعة المدعومة من إيران مخاوف من اتساع الاضطراب في الاقتصاد العالمي، إذ تمتلك الجماعة المسلحة القدرة على استهداف الملاحة في البحر الأحمر، ولا سيما قناة السويس.
ولا تستطيع الجماعة عملياً إغلاق الممر المائي الحيوي، الذي يمر عبره نحو 30 في المئة من حركة الحاويات العالمية وحوالي 15 في المئة من إجمالي تجارة السلع عالمياً، لكنها قادرة على تعطيل الوصول إلى القناة بدرجة كبيرة.
ويضاف إلى ذلك التوترات التي تحدثها إيران في مضيق هرمز الحيوي، ما يجعل التأثير المحتمل على الاقتصاد العالمي، وفق خبراء، كارثياً.
وفي ظل هذه التطورات، يشير محللون إلى أن أزمة السويس قبل 70 عاماً، والمعروفة أيضاً في مصر بـ"العدوان الثلاثي"، تشكّل مثالاً على التداعيات الأوسع التي قد تترتب على حروب الشرق الأوسط اليوم.
في عام 1956، قام الرئيس المصري جمال عبد الناصر بتأميم شركة قناة السويس العالمية، التي كانت خاضعة لنفوذ بريطاني فرنسي، ما منح مصر السيطرة على أحد أهم مسارات الملاحة والنفط في العالم. ورداً على ذلك، حاولت فرنسا وبريطانيا وإسرائيل استعادتها، لكن من دون جدوى
صدر الصورة، Hulton-Deutsch Collection/CORBIS/Corbis via Getty Images
بالنسبة لترامب، وحليفه السابق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، يقدّم التاريخ إشارات تحذيرية واضحة.
ويقول جيريمي بوين، المحرر الدولي في بي بي سي: "أكثر ما يلفت في تلك اللحظة أنّها شكّلت نهاية فعلية لبريطانيا كقوة عالمية. فقد حافظت على نفوذ إمبراطوري في الشرق الأوسط منذ الحرب العالمية الأولى، وكان ذلك بداية أفوله أيضاً".
وتحمل الأساليب التي تعتمدها طهران والحوثيون اليوم، عبر تقييد الوصول إلى ممرات اقتصادية حيوية للاقتصاد العالمي، أصداءً من ردّ جمال عبد الناصر آنذاك.
فبحلول الوقت الذي وصلت فيه القوات البريطانية والفرنسية إلى الشاطئ الشمالي لقناة السويس، كان عبد الناصر قد أغرق عشرات السفن، ما أدى إلى إغلاق القناة وقطع شريان حيوي يربط أوروبا بحقول النفط في الخليج، بحسب المؤرخ الأمريكي ألفريد دبليو مكوي.
وتدخّل الرئيس الأمريكي آنذاك دوايت أيزنهاور، خشية اتساع مواجهة خطيرة في سياق الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي، وأجبر بريطانيا وفرنسا على الانسحاب.
ويكتب مكوي: "بحلول ذلك الوقت، كانت بريطانيا قد واجهت عقوبات في الأمم المتحدة، وكانت عملتها على حافة الانهيار، وتبددت هيبتها الإمبراطورية، فيما كانت إمبراطوريتها العالمية تتجه نحو الزوال".
صدر الصورة، Smith Collection/Gado/Getty Images
لكن بوين يرى أن أوجه الشبه مع الصراع الحالي ليست دقيقة تماماً.
ويقول: "لا أقارن بالضرورة قوة الولايات المتحدة اليوم بما كانت عليه بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية، بل المقصود أن الدول القوية تصعد ثم تتراجع. ومع صعود الصين، إذا نظر الناس مستقبلاً إلى تراجع الولايات المتحدة، فقد يكتب المؤرخون عن هذه الحرب باعتبارها محطة على هذا المسار؛ حرباً دخلتها من دون تفكير كافٍ في عواقبها".
ولفهم التداعيات المحتملة، من المفيد النظر إلى الدروس التي يقدمها التاريخ خلال السبعين عاماً الماضية.
صدمات أسعار النفط في عام 1973
في العقود اللاحقة، تكرر استخدام إغلاق الممرات الاقتصادية الحيوية كوسيلة لإلحاق أكبر قدر من الضرر، ما يجعل حدوث ذلك اليوم أمراً متوقعاً، بحسب مراقبين.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك ما جرى بعد أقل من عشرين عاماً على أزمة السويس.
ويقول بوين: "في عام 1973 اندلعت حرب بين إسرائيل ومصر وسوريا. وكان الهجوم مفاجئاً من جانب المصريين والسوريين، فيما عرف بحرب أكتوبر (يوم الغفران). وقد ضخت الولايات المتحدة كميات كبيرة من السلاح لإسرائيل".
ويضيف: "بعد ذلك، ردّ العالم العربي بفرض حظر نفطي أدى إلى ارتفاع كبير في أسعار النفط، وتسبب بأضرار واسعة في أوروبا الغربية".
وكان وزير النفط السعودي آنذاك، الشيخ أحمد زكي يماني، واضحاً في عام 1973 بشأن كيفية استخدام موارد مثل النفط، بما لها من تأثير على الأسواق العالمية، كأداة نفوذ. ووصف سيطرة الدول العربية الكبيرة على الإنتاج بأنها "سلاح نفطي" يمكن أن يؤدي إلى "انهيار" سريع في اقتصادات العالم.
واستمر الحظر خمسة أشهر، لكن خبراء يقولون إن تأثيره امتد لسنوات طويلة. فقد شهدت الولايات المتحدة، وكذلك الدول المعتمدة بشكل كبير على النفط في صناعاتها، ارتفاعاً حاداً في معدلات التضخم، ترافق مع زيادة في أسعار الفائدة مع سعي البنوك المركزية إلى احتواء ارتفاع تكاليف المعيشة.
صدر الصورة، Hulton Archive/Getty Images
رغم أن النفط لم يعد يهيمن على الاقتصاد العالمي كما كان قبل أكثر من خمسين عاماً، مع تراجع حصته من الطلب العالمي وتزايد الاستثمار في مصادر طاقة أكثر تنوعاً، لا سيما في الغرب، فإنه لا يزال مورداً أساسياً، وتقدم أحداث عام 1973 وما تلاها دروساً مهمة لترامب.
ورغم أن الولايات المتحدة تنتج اليوم طاقة أكثر مما تستهلك، خلافاً لما كان عليه الحال قبل نصف قرن، فإنها لا تزال تستورد كميات كبيرة من النفط الخام، وتظل عرضة لتقلبات أسعاره في السوق العالمية، وهو ما ينعكس في نهاية المطاف على المستهلكين الأمريكيين.
كما قد تتأثر الولايات المتحدة بشكل غير مباشر عبر الضغوط التي تواجه شركاءها التجاريين الرئيسيين في آسيا، الذين لا يتمتعون بتنوع كبير في مصادر الطاقة، وكانوا من الأكثر تضرراً من النقص الحالي في النفط.
ويقول بوين: "ما يحدث الآن ليس أن السعودية والإمارات وغيرهما قرروا عدم بيع نفطهم لعملائهم في أوروبا، بل إن إيران، وربما الحوثيين أيضاً، يجعلون وصول هذه الإمدادات إلى الأسواق أكثر صعوبة. النفط بالغ الأهمية، وأي انقطاع في هذه الإمدادات سيؤدي إلى اضطراب واسع على مستوى العالم".
الحرب الإيرانية-العراقية
يقول مؤرخون إن الحرب بين إيران والعراق، التي طغت أحداثها على ثمانينيات القرن الماضي، تقدّم لترامب أمثلة أحدث وأكثر دلالة على كيفية تمكّن خصوم واشنطن من تعطيل الممرات الاقتصادية الحيوية.
وخلال المراحل الأخيرة من تلك الحرب، تعرّضت الملاحة في مضيق هرمز للاستهداف من جانب كل من طهران وبغداد، في محاولة، كما يقول محللون، لجرّ القوى العالمية إلى الصراع.
وبحلول منتصف إلى أواخر ثمانينيات القرن الماضي، بلغت الهجمات مستوى من الشدة دفع الكويت إلى طلب مساعدة دولية لتأمين عبور سفنها عبر الممر المائي.
ووافقت واشنطن على تقديم تلك المساعدة، خشية أن تسبقها موسكو، خصمها في الحرب الباردة.
صدر الصورة، Barry Iverson/Getty Images
بدأت عملية "الإرادة الجادة" (إرنست ويل)، وهي مهمة لمرافقة ناقلات النفط، في يوليو/تموز 1987، لكنها سرعان ما تحولت إلى مصدر إحراج كبير للولايات المتحدة، بعدما تعرضت الناقلة "بريدجتون"، التي كانت ضمن الحماية، لألغام إيرانية في طريقها إلى الكويت.
ويقول خبراء إن الحادثة كشفت محدودية قدرات واشنطن على إزالة الألغام في المضيق، وهي مشكلة استمرت في التأثير على سير العملية.
ومع الانتقال إلى الصراع الحالي، تبرز أوجه شبه واضحة مع دعوة ترامب الأخيرة إلى دعم عملياتي من دول أخرى للحفاظ على انفتاح مضيق هرمز عبر مرافقة بحرية للسفن.
لكن التحدي اليوم يبدو أكبر بالنسبة لواشنطن، بحسب محللين، مع اتساع أدوات الحرب لتشمل، على سبيل المثال، الطائرات المسيّرة، إضافة إلى أن إيران لم تعد منخرطة في حرب طويلة مع العراق.
ويقدم التاريخ دروساً عديدة للأطراف المنخرطة في الحرب الجارية في الشرق الأوسط، ولا سيما الأطراف الرئيسية فيها، إذ من المرجح أن يؤثر مدى استيعاب هذه الدروس في اتجاه الاضطرابات العالمية ومدتها.
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير




