الجمعة 13 مارس 2026 05:40 صباحاً صدر الصورة، Getty Images
انتشر مؤخراً مقطع فيديو قصير لطبيب في هيئة الخدمات الصحية البريطانية يشرح فيه حيلة ذهنية بسيطة للتغلب على الأرق في دقائق. هذه الحيلة تسمى "الخلط المعرفي" (Cognitive Shuffling)، وتهدف إلى إخراج العقل من دائرة القلق ومساعدته على الاسترخاء حتى يغلبه النعاس.
هذه الاستراتيجية، التي تبشر بنوم هادئ دون الحاجة إلى أدوية أو جلسات علاج، لفتت انتباه كثير من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، كما تحدث عنها عدد من وسائل الإعلام البريطانية.
لا أخفي أنها أثارت فضولي وجعلتني أقرر اختبارها بنفسي، علها تساعدني على تحسين علاقتي بالنوم. فما هو بالضبط "الخلط المعرفي"، وهل يمكن بالفعل أن يهزم الأرق؟
الخلط المعرفي والصور الذهنية
التقنية طورها الباحث الكندي في مجال العلوم المعرفية، لوك بودوا، قبل أكثر من عقد، وتشمل ما وصفه بتوليد سلسلة من الصور المتنوعة serial diverse imaging. تتلخص الفكرة في شَغل ذهنك بأفكار وصور عشوائية من خلال الطريقة التالية:
1-اختر كلمة عشوائية محايدة أو إيجابية – مثلاً "سحاب"
2-ركز على الحرف الأول، في هذه الحالة حرف الـ"س"، وفكر في مجموعة من الكلمات التي تبدأ بهذا الحرف: سماء، سكون، سنارة، سلحفاة، سعادة، سمكة وغيرها.
3-تخيل كل كلمة في هيئة صورة.
4-انتقل إلى الحرف التالي، حرف الـ "ح" في هذه الحالة، وكرر العملية ذاتها.
5-بعد الانتهاء من التفكير في كلمات تبدأ بكل حرف من حروف الكلمة الأصلية وتخيل صورها، انتقل إلى كلمة أخرى وأعد الكرة حتى يغلبك النوم.
الهدف هو أن يستحضر الشخص بشكل متواصل صوراً ذهنية غير مرتبطة ببعضها بعضاً وغير مرتبطة بأية عاطفة.
صدر الصورة، Getty Images
هل يستند إلى أدلة علمية؟
الفكرة قائمة على أن الأرق تغذيه طريقة تفكير تحليلية مشحونة عاطفياً تتسم بالقلق والتخطيط للمستقبل ومحاولة حل المشكلات، أو اجترار أحداث وقعت بالفعل. والخلط المعرفي يحاكي حالة العقل في مرحلة ما قبل النوم مباشرة. فهل يتفق هذا المبدأ مع ما نعرفه عن الانتقال من مرحلة اليقظة إلى مرحلة النوم، وهل يستند إلى أدلة علمية؟
"نعم، بشكل جزئي"، هكذا أخبرني البروفيسور جيسون إليس أستاذ علم النوم ومدير معهد أبحاث النوم بقسم علم النفس بجامعة نورثامبريا البريطانية. فالخلط المعرفي "يعمل بالأساس على إغراق جزء الدماغ المسؤول عن التفكير في أحداث اليوم بمعلومات ليس لها أهمية أو طابع انفعالي، وهو ما يجعل الدماغ يقدم على تهدئة هذا الجزء، ويخلد إلى النوم".
تقول الدكتورة إليني كافاليوتيس الباحثة بمختبر النوم والإدراك والمزاج بجامعة موناش الأسترالية لبي بي سي عربي: "عندما ننجرف تدريجياً إلى النوم، يتباطأ نشاط الدماغ بشكل طبيعي، وتصبح أنماط تفكيرنا أكثر تفتتاً وأكثر اعتماداً على الصور وأقل ترابطاً. والخلط المعرفي يسعى إلى محاكاة هذه الأنماط، فعملية الخلط بين أفكار مختلفة تشبه الطريقة التي يبدأ من خلالها الدماغ في توليد صور منفصلة عن بعضها بعضاً ولقطات عابرة تسمى هلاوس ما قبل النوم، من دون بذل أي جهد واع لفهمها. ومن خلال محاكاة أنماط الفكر العشوائية تلك، يدعم الخلط المعرفي الانتقال من اليقظة إلى النوم عبر إرسال إشارة إلى الدماغ بأن الوقت قد حان للنوم".
تشير الأبحاث الأولية التي أجراها بودوان إلى أن طريقة الخلط المعرفي من الممكن أن تقلل مما يعرف ب "استثارة قبل النوم" (pre-sleep arousal) - وهو مصطلح يستخدمه الأطباء وخبراء علم النفس للإشارة إلى حالة من اليقظة الجسدية مثل تسارع نبضات القلب، أو اليقظة الذهنية مثل التفكير المفرط والقلق والتوتر، والتي تمنع الاسترخاء وتسهم في الأرق - ومن ثم تحسن نوعية النوم وتقلل المجهود الذي نحتاج إليه للبدء في النوم.
الأدلة العلمية المتعلقة بالخلط المعرفي لا تزال قليلة نسبياً، ويتفق كثير من الخبراء على الحاجة إلى إجراء مزيد من الدراسات.
على النقيض، يعد العلاج السلوكي المعرفي للأرق (CBT-I) من أكثر الطرق فعالية في علاج مشاكل الأرق، وهو برنامج يستغرق من 6-8 جلسات تهدف إلى تغيير الأفكار والسلوكيات والعادات التي تؤدي إلى صعوبة النوم.
يقول البروفيسور إليس إنه وغيره من المعالجين يستخدمون طريقة "الإلهاء المعرفي" (وهو الوصف الذي يقول إنه يُطلق على استراتيجيات مثل الخلط المعرفي ضمن الأبحاث العلمية الأساسية المتعلقة بالأرق) كجزء من برنامج علاج معرفي أشمل.
يضيف أنه، على سبيل المثال، يطلب من المريض "كتابة مذكرات قبل بضع ساعات من النوم، تشمل كل شيء فعله خلال اليوم، كل شيء يحتاج إلى أن يفعله غداً، وكل ما قام به للتحضير للغد. ثم يكتب قائمة بكل شيء يثير قلقه فيما يتعلق بنومه. وما يحققه ذلك هو تمكين الشخص من استباق نوعية الأفكار التي تبقيه يقظاً. يصبح الشخص مسيطراً على هذه الأفكار، ويذكر نفسه بأنه انتهى من الاستعدادات اللازمة للتعامل مع اليوم التالي. باختصار، يقلص الشخص تسارع الأفكار وقت النوم، والتي عادة ما تركز على ما لم تفعله جيداً خلال اليوم، وعلى شعورك بأنك غير مستعد للغد".
ليس مقاساً واحداً يناسب الجميع
تنبغي الإشارة إلى أن أسلوب الخلط أو الإلهاء المعرفي يركز على مشكلة واحدة تسبب الأرق، ومن ثم فإنه ليس علاجاً مناسباً لكافة حالاته.
تقول الدكتورة كافاليوتيس إنه " في حالات الأرق المزمن، قد تكون مثل هذه الاستراتيجيات مفيدة في تغيير محتوى وأسلوب الأفكار التي تسبق النوم. ومع ذلك، فإن الجانب المعرفي يكون عادةً جزءاً واحداً فقط من الصورة. فالأرق غالباً ما يستمر نتيجة تفاعل بين أنماط سلوكية، واستثارة فسيولوجية، ومعتقدات غير مفيدة أو خاطئة حول النوم".
فمن هم الأشخاص الذين يرجح أن يكونوا الأكثر استفادة من هذه الطريقة؟
يقول البروفيسور إليس إن "البيانات العلمية المتاحة تؤيد إلى حد ما كون هذه الطريقة استراتيجية رائعة لهؤلاء الذين يعانون من التوتر وصعوبات النوم التي يكون للأفكار المتسللة دور كبير في تواترها. ومع ذلك، على حد علمي، لم يُختَبر هذا الأسلوب كعلاج مستقل، بل كجزء من إطار أوسع للعلاج السلوكي المعرفي للأرق (CBT-I)".
ويركز خبراء النوم على أهمية ما يصفونه بـ"sleep hygiene"، أي العادات الصحية التي تساعد على النوم.
تقول كافاليوتيس إن " تهيئة الظروف لنومٍ جيد لا تقل أهمية عن التحكم في الأفكار. وقد يشمل ذلك الالتزام بموعد ثابت للنوم والاستيقاظ، واستخدام السرير للنوم والعلاقة الحميمة فقط، وعدم الذهاب إلى الفراش إلا عند الشعور بالنعاس، وتقليل استخدام التكنولوجيا في المساء، وممارسة الرياضة بانتظام خلال النهار. وإذا استمرت هذه الأفكار في التأثير على النوم أو على جودة الحياة، فينبغي دائمًا التفكير في طلب المساعدة من طبيب أو أخصائي نوم مدرَّب. وقد تكون الخطوة التالية هي العلاج المعرفي-السلوكي للأرق (CBT-I)".
صدر الصورة، Getty Images
تجربة شخصية
نظراً لمعاناتي في بعض الأحيان من الأرق الناتج عن صعوبة التوقف عن التفكير في أحداث اليوم والقلق مما يحمله الغد، تحمست لفكرة الخلط المعرفي وقررت أن أجربها بنفسي.
استمرت التجربة عشرة أيام، وكانت نتائجها مختلطة. في بعض الليالي، نجحت محاولاتي في توليد صور ذهنية عشوائية محايدة في سد الطريق على الأفكار المتلاحقة التي تقض مضجعي، وساعدتني على النوم في غضون 15-20 دقيقة تقريباً. أما في ليال أخرى، لم تكن هذه الطريقة سلسلة: فتارةً كنت أجد صعوبة في استحضار صور محايدة، وتارةً كان عقلي يصر بين الحين والآخر على عرض شريط أحداث اليوم، أو عرض قائمة بما يتعين عليه القيام به في الغد.
رغم أن تجربتي لم تنجح بنسبة 100%، فقد قررت أن أواصل اتباع هذه الطريقة، فأساليب العلاج المعرفي عادة ما تحتاج إلى بعض الوقت. وحتى لو استمر نجاحها بشكل جزئي فقط، يظل التصالح مع الأرق في بعض الأوقات أفضل من أن يلازمني كل ليلة.
لماذا كل هذا الاهتمام؟
ربما كان السبب في أن "الحيل" والحلول السريعة للأرق تحظى باهتمام كبير في الفضاء الرقمي هو أنه مشكلة تعاني منها شريحة لا بأس به من الناس، ولأن العلم يكتشف طوال الوقت المزيد عن أهمية النوم وفوائده.
فقد وجدت دراسة تحليلية قائمة على مراجعة منهجية للأدبيات العلمية، أجراها باحثون من أستراليا والولايات المتحدة وكندا وفرنسا وألمانيا العام الماضي، أن نسبة البالغين الذين يعانون من الأرق عالمياً تبلغ حوالي 16.2 في المئة. وتشير دراسة تحليلية أخرى إلى أن هذه النسبة تصل إلى 29 في المئة لدى الأشخاص الذين يبلغون من العمر 60 عاماً أو أكثر.
الحياة العصرية بما تتسم به من سرعة الوتيرة، والتوتر، والمواعيد غير المنتظمة، والمنبهات الحسية المتاحة طوال الوقت عبر شاشات الأجهزة الإلكترونية، من الممكن أن تجعل عملية الاسترخاء استعداداً للنوم أمراً صعب المنال.
النوم ليس رفاهية، وإنما ضرورة بيولوجية. فالحصول على قسط كافٍ منه يدعم الذاكرة وصحة الدماغ والمناعة وصحة الأيض والتوازن العاطفي والصحة العقلية، بينما يزيد الحرمان من النوم من خطر الإصابة بمشكلات صحية مثل ارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب والسكري والاكتئاب والسمنة. أضف إلى ذلك الأثر المباشر الذي نعاني منه في كثير من الأحيان، والمتمثل في الشعور بالإرهاق أو عدم القدرة على أداء مهامنا اليومية بشكل جيد.
من الممكن أن يكون الخلط المعرفي أداة مفيدة لا ضير من تجربتها لمحاولة تهدئة الأفكار المتسارعة التي تحول بيننا وبين الخلود إلى النوم، لكنه ليس حلاً سحرياً. بعض حالات الأرق تشمل عوامل متعددة تكون بحاجة إلى طريقة علاج مبنية على الأدلة العلمية مثل العلاج السلوكي المعرفي للأرق (CBT-I). وتنبغي الإشارة إلى أن طرق العلاج المعرفي بشكل عام ليست بديلاً عن الاستشارة الطبية، لا سيما إذا استمرت مشكلات النوم لفترات طويلة وصارت تؤثر على جودة حياتنا.
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير



