الاثنين 16 فبراير 2026 04:52 مساءً صدر الصورة، Omar Havana/Getty Images
يشتهر وسط مدينة ميونيخ بمحاله الأنيقة وسياراته الفارهة اللامعة، لكن شوارعه تكتسي حالياً بملصقات تروج لطائرات مسيرة من الجيل الجديد.
ويبرز شعار لافت على مجموعة من الصور الأنيقة بالأبيض والأسود يقول: "أمن أوروبا قيد الإنشاء"، وقد علّقت هذه الصور على واجهة كنيسة مغطاة بالسقالات في أحد أشهر الشوارع المخصصة للمشاة في المدينة.
وكان من الصعب تخيّل عرض علني بهذا الشكل للقوة العسكرية هنا قبل بضع سنوات فقط، لكن العالم خارج ألمانيا يتغيّر بسرعة، ويقود هذا البلد معه في اتجاه هذه التحوّلات.
وأصبحت ولاية بافاريا في جنوب ألمانيا مركز البلاد الأبرز لتكنولوجيا الدفاع، مع تركيز خاص على الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة وقطاع الطيران والفضاء.

يقول السكان هنا، شأنهم شأن معظم الأوروبيين، إنهم يشعرون بتزايد حالة الانكشاف والضعف، إذ يجدون أنفسهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسعية والصين التي تنتهج سياسة اقتصادية هجومية في الشرق، وبين الولايات المتحدة، الحليف الأقرب سابقاً، التي أصبحت أكثر تقلباً وأقل قابلية للتنبؤ في الغرب.
ووفقاً لاستطلاع حديث لـ"يورو باروميتر"، يشعر أكثر من ثلثي الأوروبيين (68 في المئة) بأن بلادهم مهددة.
وفي خريف هذا العام، حذر المكتب الاتحادي الألماني للحماية المدنية والمساعدة في حالات الكوارث، للمرة الأولى منذ الحرب الباردة، من أن اندلاع حرب لم يعد "أمراً مستبعداً". وبينما شدد المكتب على أن ألمانيا بلد آمن، أوصى أيضاً بأن يحتفظ المواطنون في منازلهم بمخزون غذائي يكفي لثلاثة إلى عشرة أيام، تحسباً لأي طارئ.
وتعد ألمانيا حالياً أكبر مانح منفرد للمساعدات العسكرية وغيرها من أشكال الدعم لأوكرانيا، بعدما أوقفت الولايات المتحدة تقديم أي مساعدات مباشرة جديدة. وتشير استطلاعات الرأي إلى أن الناخبين هنا يرغبون أيضاً في الشعور بمزيد من الحماية داخل بلادهم.
صدر الصورة، AFP via Getty Images
يبقى السؤال المطروح أمام هذا البلد، ومعه دول أوروبية أخرى، هو ما إذا كانت التحالفات التقليدية مع الولايات المتحدة، ضمن حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي، كافية، أم ينبغي تنويع الشراكات من خلال ائتلافات مؤقتة مع دول أخرى متقاربة التوجهات، مثل أستراليا وكوريا الجنوبية واليابان.
علاقات هشّة
أشار الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، مارك روته، في حديثه معي، إلى أن ميزانية الدفاع الألمانية ستتجاوز بحلول عام 2029 مثيلتيها البريطانية والفرنسية مجتمعتين.
ووصف مبلغ الـ150 مليار يورو الذي تعتزم ألمانيا إنفاقه على الدفاع بأنه "رقم مذهل".
وأضاف أن الولايات المتحدة تلاحظ ذلك وتقدره، مشيراً إلى أن دونالد ترامب ليس أول رئيس أمريكي يطالب أوروبا بتحمل قدر أكبر من مسؤولية أمنها، وإن كانت لهجته أكثر حدة وتهديداً مقارنة بسابقيه.
وكانت الحالة الهشة للعلاقات عبر الأطلسي محور التركيز الرئيسي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا الأسبوع، وهو أكبر ملتقى سنوي للدفاع في العالم، إذ يجمع قادة وخبراء أمن وممثلي صناعات الدفاع من مختلف الدول.

ورغم أنه من السهل التقليل من شأن لقاءات يطغى عليها هذا النوع من الخطاب السياسي واعتبارها مجرد منصات للحديث المطول، فإنها في أزمنة الاضطراب التي نعيشها قد تُحدث فرقاً، ولا سيما الاجتماعات الخاصة غير الرسمية التي تجمع صانعي القرار العالميين بعيداً عن عدسات الكاميرات.
وكان الخطاب الأكثر ترقباً هذا العام - بل والأكثر إثارة للقلق لدى البعض - هو خطاب وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، الذي مثل إدارة ترامب في المؤتمر.
وقد بدا القادة الأوروبيون وكبار الدبلوماسيين في حالة ترقب شديد. لكن لماذا حظي خطاب لم تتجاوز مدته ثلاثين دقيقة بكل هذه الأهمية؟
السبب أن العلاقات بين أوروبا والولايات المتحدة لم تبلغ هذا المستوى من التوتر منذ ثمانين عاماً، أي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وهذا ليس خلافاً عابراً بين حلفاء يمكن أن يزول بسهولة.
الدنمارك لا تزال غاضبة
خلال ما يزيد قليلاً على 12 شهراً منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض، وجه في مناسبات عدة انتقادات مهينة إلى قادة أوروبيين وقلل من شأنهم، وفرض رسوماً جمركية كبيرة على صادراتهم. والأكثر إثارة للصدمة بالنسبة لحلفائه في حلف شمال الأطلسي كان تهديده سيادة الدنمارك على إقليمها، غرينلاند، ورفضه لفترة استبعاد إمكانية الاستيلاء على الجزيرة بالقوة.
وخلال كلمتها في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم السبت، قالت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، التي بدا عليها الغضب بوضوح، إن طموحات ترامب بشأن غرينلاند لا تزال "كما هي"، رغم المحادثات الثلاثية الجارية بين ممثلي غرينلاند والولايات المتحدة والدنمارك.
وكان ترامب قد استبعد، في الوقت الراهن، اللجوء إلى القوة العسكرية للاستحواذ على غرينلاند، كما تراجع - مؤقتاً على الأقل - عن فرض عقوبات اقتصادية على حلفاء، من بينهم المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا، كانت تعرقل مساعي الولايات المتحدة للحصول على الجزيرة الواقعة في القطب الشمالي. غير أن الثقة عبر الأطلسي تعرضت لضرر بالغ.
وترى قوى أوروبية في ترامب رئيساً ذا نزعة تعاملية صِرفة، لا يتردد في توظيف العلاقات الأمنية أو الاقتصادية مع أقرب حلفائه لتحقيق أهدافه. وقبيل إعادة انتخابه رئيساً، على سبيل المثال، أبلغ الأوروبيين أن الولايات المتحدة لن تحمي الدول التي لا تتحمل نصيبها من الإنفاق الدفاعي.
ومع ذلك، فقد اعتمدت أوروبا لعقود طويلة على المظلة الأمنية الأمريكية. ويقول منتقدون في الولايات المتحدة إن الدول الأوروبية استطاعت لسنوات إدارة دول رفاه سخية، فيما كانت واشنطن تتحمل العبء الأكبر من تكاليف الأمن والدفاع.
صدر الصورة، AFP via Getty Images
وقال وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، في حديثه معي يوم السبت: "لقد اعتدنا الدعم القوي من الولايات المتحدة، واعتدنا منطقة الراحة التي كنا نعيش فيها. هذا الزمن انتهى، انتهى بالتأكيد"، مضيفاً: "كانت واشنطن على حق".
غير أن أزمة غرينلاند وإجراءات أخرى اتخذتها إدارة ترامب - مثل تعليقها المؤقت تبادل المعلومات الاستخباراتية مع القوات الأوكرانية في مارس/آذار الماضي، ما تركها في وضع أشبه بالعمى في ساحة المعركة، للضغط على كييف للانخراط في محادثات سلام مع موسكو - خلفت جراحاً عميقة وأثارت شعوراً مقلقاً بالحذر في العلاقات عبر الأطلسي.
ومن هنا جاء التوتر الذي ساد ميونيخ قبيل صعود روبيو إلى المنصة.
وفي نهاية المطاف، حملت كلماته نبرة تقارب تاريخي، إذ قال: "نريد لأوروبا أن تكون قوية. فالحربان العظيمتان في القرن الماضي تذكرنا دوماً بأن مصيرنا كان، وسيظل دائماً، متشابكاً مع مصيركم."
ولفت انتباهي أن عدداً كبيراً من الشخصيات الأوروبية البارزة في القاعة تلقفوا دفء كلماته بحماسة، فنهضوا للتصفيق لوزير الخارجية الأمريكي. وبدا واضحاً أنهم شعروا بالارتياح لأنه لم يهدد أوروبا أو يوبخها، كما فعل نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس بشكل لافت في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي.
غير أن من استمعوا بدقة لاحظوا أن خطاب روبيو ظل وفياً لموضوعات قريبة من صلب توجهات إدارة ترامب، وهي موضوعات يصعب على كثير من القادة الأوروبيين تقبلها، مثل معارضة التحرك المناخي، والتشكيك في العولمة والتعددية والهجرة، والدعوة إلى بناء حقبة جديدة من "الحضارة الغربية المسيحية".
وكان روبيو واضحاً في أن الولايات المتحدة لا ترغب في حلفاء يتمسكون بالوضع القائم القديم، بل تسعى إلى شق مسار جديد، ويفضل أن يكون ذلك بالشراكة مع أوروبا، ولكن فقط إذا تقاسمت معها القيم نفسها.
غير أن عرض الشراكة الوثيقة هذا كان مشروطاً، وخالياً من أي روح تسوية.
وقال دبلوماسي أوروبي، تحدث بصراحة شريطة عدم الكشف عن هويته: "الأمر يشبه إلى حد ما شريكاً مسيئاً نفسياً. فقد ذكر أوروبا بمدى روعة العلاقة عبر الأطلسي في الماضي، ثم انتقل إلى الإكراه: إذا أردتم أن تكون الأمور جيدة بيننا في المستقبل، فعليكم أن تفعلوا ما أقول".
وأشار دبلوماسي آخر إلى أنه، رغم حديث روبيو عن القيم المشتركة، كان لافتاً، بحسب قوله، أنه من بين جميع الدول الأوروبية التي كان يمكن أن يزورها بعد إلقاء خطابه في ألمانيا، اختار التوجه إلى سلوفاكيا والمجر قبل عودته إلى الولايات المتحدة.
وتنظر بروكسل إلى البلدين على أنهما من أكثر أعضاء الاتحاد الأوروبي إثارة للجدل، إذ يقودهما رئيسا وزراء قوميان متشككان في الاتحاد الأوروبي، يعارضان إرسال مساعدات عسكرية إلى أوكرانيا ويتبنيان مواقف متشددة تجاه الهجرة.
علاقة جديدة هشة
وقد أحدثت لهجة روبيو الأكثر ليونة انقساماً بين القادة الأوروبيين الذين كانوا قد تحدّثوا مؤخراً بصوت واحد دفاعاً عن الدنمارك، في ذروة أزمة غرينلاند الشهر الماضي.
وشدّدت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، على هشاشة العلاقة الراهنة مع الولايات المتحدة، رغم الخطاب الأكثر اعتدالاً لروبيو، قائلة:
"لقد تم تجاوز بعض الخطوط التي لا يمكن التراجع عنها بعد الآن. لقد تعرّض الأوروبيون لصدمة قاسية".
لكن هل ستتخذ بعض الدول الأوروبية من النبرة الودية في خطاب روبيو ذريعة لعدم التسرّع في زيادة الإنفاق الدفاعي كما وعدت؟ فخزائن معظم الحكومات الأوروبية مثقلة بالفعل، ويميل الناخبون فيها إلى إعطاء الأولوية لقضايا تكاليف المعيشة على حساب ميزانيات الدفاع.
صدر الصورة، Reuters
قالت رايتشل إيليهوس، المديرة العامة لمركز الأبحاث الدفاعي "روسي" (RUSI)، إنها ترى شرخاً يتسع في أنحاء القارة الأوروبية.
وأوضحت أنه من جهة، هناك دول الشمال والبلطيق القريبة جغرافياً من روسيا، إضافة إلى ألمانيا وهولندا، وجميعها تنفق مبالغ كبيرة على الدفاع. ومن جهة أخرى، هناك دول في جنوب أوروبا، مثل إسبانيا، التي ترفض صراحة رفع ميزانياتها الدفاعية إلى المستويات التي يطالب بها دونالد ترامب.
وأضافت إيليهوس أن فرنسا وبريطانيا تعلنان التزامهما بزيادة الإنفاق الدفاعي، لكنهما لا تزالان تبحثان عن "حل سياسي مؤقت" يساعدهما على إقناع الناخبين بالتضحيات التي سيتطلبها ذلك، سواء عبر فرض ضرائب أعلى، أو تقليص الإنفاق على الرعاية الاجتماعية، أو زيادة الاقتراض.
وقالت: "على الأوروبيين أن يبدأوا العمل فوراً وأن يركّزوا جهودهم. أمامهم ما بين خمس إلى عشر سنوات ليتمكنوا من الاعتماد على أنفسهم في مجال القدرات الدفاعية التقليدية."
وفي الأسبوع الماضي، كان مساعد وزير الدفاع الأمريكي إلبريدج كولبي حاسماً في رسالته خلال اجتماع لوزراء دفاع حلف شمال الأطلسي في بروكسل، إذ أكد أن أوروبا لم تعد أولوية للولايات المتحدة، بل منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
وقال: "في ظل قيادة الرئيس ترامب، نعيد ترتيب أولوياتنا للدفاع عن أراضينا وحماية مصالحنا في نصف كرتنا."
ورغم تأكيده أن الولايات المتحدة لا تزال ملتزمة ببند الدفاع المشترك في حلف الناتو، الذي يعدّ أي هجوم على عضو هجوماً على الجميع، شدّد كولبي على أن واشنطن ستقلّص قدراتها في أوروبا لتصبح "حضوراً أكثر محدودية وتركيزاً".
وأضاف أن على أوروبا أن تصبح شريكاً لا تابعاً، داعياً إلى صيغة جديدة سمّاها "ناتو 3.0".
لقد تلاشى النظام العالمي القديم الذي كان الغرب في مركزه، لكن مؤتمر ميونيخ للأمن هذا الأسبوع أظهر أن ما سيأتي بعد ذلك في العلاقات بين أوروبا والولايات المتحدة لا يزال مفتوحاً على جميع الاحتمالات.
فماركو روبيو دعا إلى قرن جديد من الحضارة الغربية، وإلبريدج كولبي يدعو إلى إعادة تصميم حلف الناتو، فيما ناشد رئيس الوزراء البريطاني في ميونيخ إعادة صياغة التحالف الغربي.
مقاربة ستارمر المتوازنة
في تباين واضح مع إصرار ماركو روبيو على تعزيز السيادة الوطنية، تحدّث السير كير ستارمر مؤيداً لمزيد من التكامل بين المملكة المتحدة وأوروبا في المجال الدفاعي، بهدف خفض تكاليف إعادة التسلّح، مؤكداً في الوقت نفسه أن ذلك لا يعني إدارة الظهر للولايات المتحدة.
وقالت صوفيا غاستون، خبيرة الأمن القومي في كلية كينغز في لندن، إن ستارمر تمكّن في ميونيخ من التعبير بصورة أوضح عن تعقيدات الرؤية الاستراتيجية لبريطانيا.
وأضافت: "قد يكون حلفاء أوروبيون آخرون أكثر استعداداً للحديث عن التباعد عن واشنطن، لكن بالنسبة لبريطانيا يبقى من الضروري استراتيجياً الحفاظ على توازنها ضمن العلاقة عبر الأطلسي. وستكون هناك أيضاً أوقات يتعيّن فيها على بريطانيا اتخاذ خيارات صعبة، وبدا ستارمر أكثر ثقة في مواجهة هذه الحقيقة".
وتابعت: "العامل الحاسم هو امتلاك فهم راسخ للمصلحة الوطنية ولأدوات القوة والنفوذ المتاحة. وهذا يتطلّب نهجاً أكثر تنافسية، وهو أمر لم يكن دائماً طبيعياً بالنسبة لبريطانيا، التي اعتادت ممارسة كثير من دبلوماسيتها بأسلوب أنيق قائم على التوافق وبعيد عن الأضواء."
صدر الصورة، PA Media
في هذه الأوقات المتسارعة وغير المتوقعة، يتجه قادة أوروبا بشكل متزايد إلى تشكيل تحالفات مرنة وانتقائية، إلى جانب الأطر التقليدية مثل حلف شمال الأطلسي أو الاتحاد الأوروبي، وهي أطر أوسع نطاقاً وغالباً ما تكون أبطأ في الاستجابة. وتشمل هذه التكتلات أيضاً دولاً من خارج أوروبا.
فعلى سبيل المثال، هناك ما يعرف بـ"تحالف الراغبين"، وهو مجموعة من الدول تقودها المملكة المتحدة وفرنسا، تشكلت بهدف ضمان سيادة أوكرانيا في حال التوصل إلى اتفاق سلام مع روسيا. وقد شاركت تركيا في اجتماعات هذا التحالف، إلى جانب نيوزيلندا وأستراليا.
ويقول مسؤولون إن كندا تعمل بشكل متزايد جنباً إلى جنب مع دول الشمال الأوروبي ودول البلطيق التي تتقاسم معها التحديات الجيوسياسية والقيم المشتركة، وتسعى إلى تعزيز الاستقرار والردع على امتداد منطقة تبدأ من أطراف بحر البلطيق، مروراً بدول الشمال والبلطيق، وعبر شمال الأطلسي وغرينلاند، وصولاً إلى القطب الشمالي الكندي.
وقال أحد صناع السياسات الأوروبيين، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، مازحاً إن كندا "تصبح أكثر فأكثر أوروبية يوماً بعد يوم". وأضاف أن اليابان وكوريا الجنوبية باتتا تعدان أيضاً جزءاً من "عائلة الدول المتقاربة في التوجهات".
ليس الدفاع وحده
ولا تقتصر هذه الائتلافات المرنة على المجال الدفاعي وحده. فقد دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون منذ وقت طويل إلى تعزيز ما يسميه "الاستقلالية الاستراتيجية" لأوروبا، ليس فقط في الإطار الأمني التقليدي، بل أيضاً في مجالات أمن الطاقة وسلاسل الإمداد والتكنولوجيات الجديدة. وفي ميونيخ، أوصى أوروبا بأن تعمل على "تقليل المخاطر" في علاقاتها مع جميع القوى الخارجية.
وشهد هذا الأسبوع إقراراً من رئيسة المفوضية الأوروبية بأنه إذا لم يتحرك الاتحاد الأوروبي بالسرعة الكافية لتعزيز قدرته التنافسية، فإن "مجموعة من دوله الأعضاء ستمضي قدماً بمفردها".
غير أن محاولات مجموعات أصغر من الدول الأوروبية للعمل معاً لتعزيز الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي لا تنجح دائماً. ويكفي النظر إلى الخلاف القائم حالياً بين فرنسا وألمانيا بشأن مشروعهما المشترك لتطوير الجيل المقبل من الطائرات المقاتلة ضمن برنامج "نظام القتال الجوي المستقبلي" (FCAS).
ويمكن القول أيضاً إنه، رغم كثرة الحديث عن بناء استقلالية أوروبية، شكل مؤتمر هذا الأسبوع تذكيراً بمدى اعتماد أوروبا المستمر على الدعم الأمني الأمريكي؛ من المظلة النووية إلى تبادل المعلومات الاستخباراتية وهياكل القيادة والسيطرة. كما أبرز المؤتمر الفجوة الكبيرة التي لا تزال تفصل أوروبا عن الولايات المتحدة في مجال الابتكار التكنولوجي المتقدم.
غير أن التحولات التي تشهدها أوروبا اليوم - بما في ذلك توثيق التحالفات خارج القارة - تبدو مرشحة لأن تكون أعمق وأطول أمداً من مجرد آليات قصيرة المدى صُممت "للنجاة" من دونالد ترامب. فالعالم بات، على ما يبدو، يتحرك بإيقاع سياسات القوى الكبرى، وحتى أوروبا، المعروفة ببطء حركتها، تجد نفسها مضطرة للتكيف.
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير





