السبت 14 فبراير 2026 11:16 مساءً صدر الصورة، Serenity Strull/ BBC
طاغٍ، مُقلق، ويستحوذ على كل شيء: هذا الشكل غير المعروف من الشوق الرومانسي يمكن أن يكون له تأثير مُدمّر.
كان عالم الأعصاب توم بيلامي، يعيش حياة زوجية سعيدة عندما بدأت المشاعر تنتابه تجاه زميلته في العمل. كان يحب زوجته، ولم يرغب في بدء علاقة عاطفية مع زميلته، ولم يُفصح لها حتى عن مشاعره. ومع ذلك، لم يستطع التوقف عن التفكير بها.
قد يبدو الأمر وكأنه إعجاب عابر، لكن بيلامي يستخدم مصطلحاً آخر: الهيام/الولع. وقد صِيغ مصطلح الهيام/الولع كمصطلح نفسي في سبعينيات القرن الماضي، وهو عبارة عن تعلق شديد، يستحوذ على كل شيء، وغالباً ما يكون هاجساً بشخص آخر، وهو يختلف عن المشاعر الرومانسية الأخرى، وفقاً لبيلامي وباحثين آخرين.
يقول بيلامي إنه "يمكن وصف الهيام بأنه حالة ذهنية متغيرة". ويضيف أنه يمنح المرء شعوراً رائعاً في البداية، واصفاً إياه بأنه نشوة طبيعية تمنحه طاقة وتفاؤلاً متزايدين. ويتابع: "لهذا السبب يُصبح إدماناً. تتسارع أفكارك، وتشعر عموماً بمزيد من التفاؤل والبهجة".
وبحسب مؤشرات جوجل ترند، ارتفع الاهتمام العالمي بالبحث عن الهوس العاطفي منذ عام 2020. كما لوحظت زيادة في المواد المنشورة على الإنترنت المتعلقة بالهوس العاطفي، مثل المواضيع والمدونات التي تتناول مسألة متى ولماذا قد يتحول الحب إلى هوس - وماذا يمكن للمتأثرين أن يفعلوا حيال ذلك.
قد تحدث تجربة أو "نوبة" الهيام مرة واحدة فقط، أو مرات عديدة طوال حياة الشخص.
تقول دوروثي تينوف، عالمة النفس التي صاغت مصطلح "Limerence-الولع" لأول مرة في كتابها عام 1979 بعنوان الحب والولع، إن "الولع شيء يحدث لنا"، بطريقة قد تكون خارجة عن إرادتنا.
وبعد أن أجرت أكثر من 300 مقابلة حول الحب الرومانسي، رصدت ظاهرة لم يكن لها اسم واضح آنذاك وهي الشوق اللا إرادي والعنيف الذي يتسلّل إلى التفكير، وطاغٍ تجاه شخصٍ آخر. وفي الأبحاث النفسية، يُعرف هذا الشخص، أو هذا الهوس، باسم "الولع".
ولا يعني الولع بالضرورة مطاردة الشخص الآخر، أو الشعور باستحقاق الاهتمام به. مع ذلك، تشير الأبحاث إلى أن الولع قد يتطور في بعض الحالات إلى سلوكٍ ضار، كالمطاردة.
كتبت تينوف أن تجربة أو "نوبة" الهيام/الولع، قد تحدث مرة واحدة فقط، أو مرات عديدة طوال حياة الشخص. ويُقال إن النوبة المتوسطة تستمر ما بين 18 شهراً وثلاث سنوات، على الرغم من أن بعضها قد يستمر لفترة أطول.
لكن الأهم من ذلك، بحسب تينوف، أن الهيام العاطفي إذا تُرك دون علاج، فقد يكون له أثر مدمر على الشخص الذي يعاني منه.
يصف بيلامي الأمر بأنه تجربة مؤلمة. يقول عن نوبة الولع العاطفي التي مرّ بها "كنت أرى بوضوح - من الناحية العقلية - أنه لا نهاية سعيدة لهذا الأمر، ولا أريد أن يحدث هذا. لكنني لم أستطع السيطرة على مشاعري". ويضيف أنه في هذه المرحلة، قد يبدأ الأمر بالشعور بالخوف لأنك "تشعر بالعجز" وفقدان السيطرة.
بريق الانجذاب
كيف تعرف ما إذا كنت تعاني من الولع، بدلاً من الانجذاب العابر أو الوقوع في الحب بطريقة أكثر تقليدية؟
يقول بيلامي، مؤلف كتاب "مفتون - Smitten" الذي يتناول موضوع الولع العاطفي وتجربته الشخصية، إن أحد الجوانب الأساسية للولع العاطفي هو أنه يتغذى على شعور عدم اليقين. لكن في العلاقات الرومانسية الأخرى، عادةً ما يتجاوز الشخص المُغرم مرحلة عدم اليقين الأولية، ويشعر بالراحة والسعادة والأمان عندما يكتشف أن مشاعره مُتبادلة، أو (يشعر بالحزن عندما لا تُقابل مشاعره بالمثل). أما الشخص المولع، فيميل إلى البقاء عالقاً في مرحلة عدم اليقين والشوق والأمل، كما يشير الباحثون.
صدر الصورة، Serenity Strull/ BBC
يقول بيلامي إن عدم اليقين هو "حقاً من القوى الدافعة الرئيسية لتطوّر هذا الشعور إلى ما أسمّيه الإدمان، حين تكون حرفياً في حالة من الرغبة المستمرة". ويصف هذا الإحساس بعدم اليقين بأنه "الوميض" - أي لمحة من الأمل في احتمال تبادل المشاعر أو الاتصال بالشخص المرغوب، رغم أنه ليس بالضرورة في شكل علاقة عاطفية.
ويقول إيان تيندال، عالم النفس السلوكي المعرفي في جامعة تشيتشستر في المملكة المتحدة إن "بعض هؤلاء الأشخاص لا يرغبون بالضرورة في علاقة جنسية أو عاطفية مع الشخص الآخر. كل ما يريدونه هو أن يبادلهم الطرف الآخر مشاعرهم". كلما زاد شعور الشخص المُغرم بالحب، زادت رغبته في تبادل المشاعر، مع خوفه في الوقت نفسه من الرفض.
ويضيف تيندال أن الهيام العاطفي معروف بتسببه في ضيق نفسي وتعطيل إنتاجية المصابين به، لدرجة أنهم قد يبدأون بإهمال أنفسهم. قد يشمل ذلك إهمال الأكل والنوم والنظافة الشخصية، وعدم القدرة على الاستمرار في العمل، وإهمال العلاقات الأخرى مع العائلة والأصدقاء والأشقاء.
ويتابع: "يميلون إلى الانغماس في الماضي، والتفكير في تفاعلاتهم السابقة مع الشخص، ومحاولة اجترار تلك التفاعلات والتفكير في معناها. تفكيرهم مُنصب كلياً على ذلك الشخص، ويسيطر على حياتهم لدرجة أنه لا يترك مجالاً لأي شيء آخر".
يشار إلى أن هذا ما يميز الهيام عن الإعجاب، وهو أحد مكونات الحب الرومانسي، ويتسم بطبيعته الجارفة وشدته في المراحل الأولى من العلاقة.
يقول تيندال إن الإعجاب يبدأ في بداية العديد من العلاقات الرومانسية، ويستمر عادة من ثلاثة إلى ستة أشهر، أو أحياناً حتى عام. لكنه يوضح "عادة لا تكون له عواقب سلبية تُذكر على الصحة الجسدية والنفسية للشخص"، بينما يكون الولع أشدّ وقعاً. "عندما تكون مُغرماً بشخص ما، لا تُفكّر بشكلٍ قهريّ في كلّ إشارة عاطفية، كالتواصل البصري أو رفع الحاجب... ولا تُحلّل لغة جسد الشخص بنفس مستوى الشخص المولع".
الهيام ليس مرضاً بحد ذاته، ولا يرتبط باضطراب الشخصية - إيما شورت
يقول الباحثون إنّ الهيام يختلف نوعاً ما عن الشغف الرومانسي. فالشغف الرومانسي ينطوي على شوقٍ إلى الحميمية والتقارب مع شخص آخر، ليس فقط الحميمية الجسدية، بل أيضاً التواصل العاطفي والحميمية العاطفية - "أن يعرف المرء ذلك الشخص معرفة متبادلة"، كما تقول كاثلين كارزويل، الأستاذة المساعدة في قسم علم النفس في جامعة دورهام في المملكة المتحدة.
لكنها تضيف أن "الشخص المولع لا يشعر فقط برغبةٍ شديدة في الحميمية مع ذلك الشخص، بل يُصبح مُستغرقاً في التفكير فيه بشكلٍ قهري".
ومع ذلك، تُشير إلى وجود بعض التداخل بين الشغف الرومانسي والولع، إذ قد يتضمن الشغف الرومانسي أيضاً جانباً قهرياً وتأملياً، ويُشبه الإدمان. وتقول: "وُجد أن الشغف الرومانسي يؤثر على نظام الدوبامين أو نظام المكافأة في الدماغ، وقد يُنظر إلى الشخص المُصاب بالهيام الشديد أو الذي لديه مستويات عالية من الجانب القهري على أنه مُدمن".
لكن لا يتفق الجميع مع هذا الرأي القائل بأن الولع يشترك في بعض الجوانب مع أشكال الحب والرومانسية الأخرى. يقول باحثان، اقترحا نموذجهما الخاص بالهيام/الولع في عام 2008، إن الهيام لا يمكن استبداله بالحب على الإطلاق - فهما موجودان بشكل مستقل. ويزعمان أن الولع "سلبي، وإشكالي، ومعيق".
هل الولع أمر نادر؟
لا يزال هناك الكثير مما نجهله عن الولع العاطفي. حتى أننا لا نستطيع الجزم بعدد الأشخاص الذين يعانون منه، نظراً لصغر حجم العينات في الدراسات. وهو ليس حالة نفسية معترف بها رسمياً ليتلقى الشخص علاجاً لها.
يفترض بعض الباحثين أنه قد يكون مرتبطاً باضطرابات التعلق، أو حالات صحية نفسية أخرى مثل الوسواس القهري، واضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط، أو اضطراب ما بعد الصدمة، ولكن الأبحاث حول هذه الروابط المحتملة قليلة.
ورغم ذلك يقول تيندال إن هذا الموضوع يكتسب أهمية متزايدة في مجال علم النفس. إذ عمل مع زملائه على تطوير استبيان حول الهيام العاطفي، أجاب عليه أكثر من 600 شخص ممن عانوا أو يعانون حالياً من الهيام العاطفي.
وأشارت الإجابات إلى أنه على الرغم من ارتباط الهيام العاطفي بنمط التعلق القلق، إلا أن هذا الارتباط لم يكن قوياً. ويؤكد تيندال أن الهيام العاطفي "حالة مُنهكة للغاية" من التعلق القلق.
يقول تيندال إن بعض المشاركين وجدوا أن الولع "ظهر فجأة ودون سابق إنذار"، إذ لم يُبلغوا عن تدني احترام الذات أو تقديرها مسبقاً. وبالمثل، تشير نتائج الدراسة إلى أن الأشخاص الذين يعانون من الولع لا يعانون عموماً من القلق الاجتماعي، لكنهم يشعرون بقلق شديد تجاه الشخص الذي يُفتنون به. فعلى سبيل المثال، على الرغم من هوسهم بكل تفاعل ورغبتهم في التفاعل مع الشخص الآخر مجدداً، إلا أن شدة هذا الشعور قد تصل إلى حد الهروب عند مواجهته.
صدر الصورة، Serenity Strull/ BBC
من بين الآثار السلبية المحتملة للولع العاطفي، كما أوضحت تينوف في كتاب المتابعة الصادر عام 2005، أنه قد يدفع الأفراد إلى الانخراط في سلوكيات قهرية ومعادية للمجتمع، كالمطاردة. لكن الولع ليس مرضاً بحد ذاته، ولا يرتبط باضطراب في الشخصية، كما تقول إيما شورت، أستاذة علم النفس السيبراني في جامعة لندن متروبوليتان.
وتضيف "يبدو أن الولع العاطفي ارتباط استثنائي، ويتعلق بشخص واحد وما يمثله لك عاطفياً. ويبدو أنه مرتبط بحالة هذا الشخص الذي أشعل هذا الشعور بداخلك بطريقة ما".
وتوضح شورت أن المطاردة تختلف، إذ يبدأ الشخص بإسقاط مشاعره على الشخص الآخر، ويتخيل أنه يستحقها، أو أنه يشعر بنفس مشاعره. وتشير إحدى الدراسات إلى أن ما يصل إلى 72 في المئة من المطارِدين يعانون من نوع من أنواع الاضطرابات النفسية. وتقول شورت "يحمي غالبية الناس مشاعر التعاطف مع الآخرين، بالإضافة إلى حدود واضحة تميز بين تجاربهم العاطفية والواقع. هناك نوع من النزاهة الشخصية في هذا الأمر [الولع]. إنه شعور مكبوت، وهناك إدراك تام بأنه ينبع من الداخل فقط".
خلصت شورت وزملاؤها في دراستها، إلى أنه بالرغم بأن من لديهم ولع قد يشتركون في سمات مع المطاردين، إلا أن الأفراد المولعين لم يصلوا بعد وربما لن يصلوا أبداً إلى مرحلة الانخراط في سلوكيات ضارة بشخص آخر.
الحب والولع
نظراً لطبيعته المقلقة والتي تصل لمرحلة الهوس أحياناً، هل يمكن أن يؤدي الولع يوماً إلى علاقة صحية متبادلة؟
في حالة بيلامي، نعم، أدى ذلك إلى علاقة مع زوجته. في الواقع، كانت زوجته تعاني من الهيام العاطفي أيضاً (تواصلت معها بي بي سي لإعداد هذا التقرير، وقد وافقت على رواية بيلامي ونشرها). يقول بيلامي: "نجحت تلك العلاقة. وقعنا في حب حقيقي، حب كلاسيكي، قائم على الاحترام المتبادل والمودة والرعاية والرغبة المتبادلة، وهذا هو الأهم".
لم يُفصح بيلامي لزميلته عن مشاعره تجاهها، لكنه باح لزوجته بذلك، وهو ما يعتبره نقطة تحول.
لكن كيف تخلص من الولع العاطفي تجاه زميلته؟ يقول "جعلته يذبل بتجويعه من الأساس". من واقع تجربته، فإن تجنب التواصل مع الشخص المعني يُساعد على التخفيف تدريجياً من حدة هذه الحالة الإدمانية.
تقول تينوف أيضاً في كتابها إنّ الولع قد يتلاشى إذا انقطعت جميع أشكال التواصل، أو إذا قوبل بالرفض التام. ففي نهاية المطاف، بدون بصيص أمل، لا يبقى للولع ما يتمسك به.
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير



