الجمعة 13 فبراير 2026 07:19 صباحاً صدر الصورة، Getty Images
ربما لو عاد الأنبياء إلى عالمنا في الوقت الراهن لعملوا كـ"مدرّبي حياة" (لايف كوتشز Life Coaches) بدوامٍ كامل.
عوضاَ عن الصعود إلى الجبال والتبشير في الطرقات بين الجموع، كان هؤلاء سيظهرون على الأرجح في قاعات المؤتمرات، وعلى منصّات التواصل الاجتماعي، وفي مقاطع فيديو قصيرة تعدنا بأن نصير "النسخة الأفضل من أنفسنا".
في أحيان كثيرة، يظهر مدرّبو الحياة في مقاطع مصوّرة كما لو أنهم يخاطبون شخصاً يجلس قبالتهم خارج إطار الكاميرا.
وفي أحيان أخرى، ينظرون بثبات إلى الكاميرا، يحملون قلماً بيدهم، كدليل مفترض على الجدّ أو العلمية.
تتراوح نبرتهم بين الهدوء الأبوي والحزم القيادي، يرفعون صوتهم عند الحاجة قبل أن يطلقوا نصيحة حاسمة عن العلاقات، أو عن "قيمة الذات"، أو عن الطريق إلى النجاح...
الكاميرا قريبة، الإضاءة مدروسة، الخلفية مرتّبة بعناية: مكتبة أنيقة، نبات أخضر، مكتب نظيف. كل شيء يوحي بالسيطرة والاتزان.
خلال العقدين الأخيرين، تحوّل "مدرّبو الحياة" من ظاهرة هامشية إلى صناعة عالمية مزدهرة.
لم تعد نصائح تحسين الذات تقتصر على رفوف المكتبات، بل صارت لغة يومية تتسلّل إلى الشركات، والعلاقات، وحتى إلى فهمنا لألمنا الشخصي.
ورغم أنّ بعض هؤلاء المدربين يقدمون دعماً فعلياً أو عزاءً لأشخاص يمرون بأزمات حقيقية، وخصوصاً من يبحثون عن نتائج سريعة وملموسة مقارنة بمسارات علاج نفسيّ قد تمتد لسنوات، فإن ذلك لا يعفي هذه الظاهرة الثقافية من المساءلة ضمن سياقها الأوسع.
فلماذا ازدهر قطاع "مدرّبي الحياة" في العقدين الأخيرين تحديداً؟ وما الذي يكشفه ذلك عن عالمنا اليوم؟
"خصخصة" المعاناة
صدر الصورة، Getty Images
في السنوات الماضية، تضاعفت أعداد مدرّبي الحياة وكتب "تطوير الذات"، وتغيّرت حتى اللغة التي نتحدث بها عن أمورٍ مثل الألم والفشل والقلق.
ما كان ينظر إليه في السابق، على سبيل المثال، كونه إرهاقاً ناتجاً عن شروط عمل غير مستقرة، أو بطالة ناتجة عن سوق عمل مختل، أو اكتئاباً ناجماً عن عوامل اجتماعية أو نفسية معيّنة، أصبح أعراضاً ناتجة في معظم الأحيان عن "خلل في إدارة الذات".
يرجع باحثون هذا التغيّر بشكل أساسي إلى تفكك دولة الرفاه، وتصاعد التنافسية ضمن ما يعرف بنظام الجدارة (meritocracy)، حيث أصبح الفرد مطالباً بإدارة حياته كما لو كانت مشروعاً استثمارياً.
أصبحنا مدعوين طيلة الوقت إلى إبدال السؤال من "ما هي المشكلة في البنى التي تشكّل المجتمع أو المجال العام" إلى "كيف تغيّر عقليتك؟ كيف تنظر إلى الأمور بشكل مختلف؟ كيف تطوّر مهاراتك الذاتية؟".
تشرح عالمة الاجتماع الفرنسية المغربية إيفا إيلوز هذا التحول ضمن ما تسميه بـ"الرأسمالية العاطفية"، حيث تتداخل لغة الاقتصاد مع لغة المشاعر.
لم تعد العواطف تفهم بوصفها تجارب إنسانية معقّدة، بل موارد يمكن تقييمها وفق منطق الكلفة والمنفعة. مشاعر كالخوف والغضب والحزن تصبح عوائق للإنتاجية و"سلبية" ينبغي تجاوزها. حتى الرضا يُحوَّل إلى وحدة قياس، كما في أدوات التدريب التي تطلب من الفرد تقييم حياته من 1 إلى 10.
بالنسبة لإيلوز في كتابها "السلع العاطفية" (2019)، ما يفعله خطاب التنمية الذاتية هو تحويل الشعور بالألم إلى "مشكلة إدارية".
وعوضاً عن النظر إلى القلق كانعكاس لانعدام الأمان البنيوي، أصبح يُنظَر إليه على أنه نقص في الثقة بالنفس.
كما أصبح الشعور بانعدام القيمة، ضعفاً في تقدير الذات، بدلاً من كون مسألة اعتراف اجتماعي.
أما الفشل المهني، فيحال في الأغلب على قصور في التخطيط لدى الفرد وفي عجزه عن "مغادرة منطقة الراحة".
في خطاب التنمية الذاتية و"تدريب الحياة"، كل شيء ينبع من الداخل، وأي انتظار أو توقّع من الخارج يصبح اضطراباً أو على الأقل قصوراً يجب معالجته.
تعترف خصخصة المعاناة بالألم لكنها تنزع البعد السياسي منه، وتعيد تأطيره كفشل ذاتي في الإدارة العاطفية.
هكذا يصبح الخطاب الذي يعد بالتمكين الشخصي أداة لإدامة الوضع القائم. إذ طالما أن الحل يكمن داخلياً، فلن يكون ثمة حاجة لتغيير الخارج.
هنا يتحول الفرد إلى مشروع دائم التصحيح، بينما تبقى البنى التي تنتج التعاسة خارج المساءلة.
عبادة "الإيجابية"
صدر الصورة، Getty Images
في ثمانينات القرن الماضي، برز شعار "لا بديل" (ويُختصر غالباً بـ - There is no alternative - TINA)، وهو هو شعار سياسي واقتصادي شهير ارتبط برئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغريت تاتشر .
وقد استخدم هذا الشعار للدفاع عن فكرة أن الرأسمالية القائمة على السوق الحر، وإلغاء القيود التنظيمية، وسياسات التقشّف، تمثّل الأنظمة الوحيدة الفعّالة والقابلة للتطبيق، ما يجعل معارضة هذه السياسات أمراً عديم الجدوى.
يكثّف هذا الشعار تفكيك دولة الرفاه و"انفلات" قوى السوق، حين أصبح سوق العمل أكثر مرونة بكثير، كما خضعت مجالات كانت تخضع سابقاً لتنظيم دولة الرفاه، مثل التعليم والصحة، لعمليات خصخصة متزايدة، ما زاد من الضغط الواقع على الأفراد.
ترى عالمة السياسة الألمانية جوليان ماري شريبر أن تطوّر النيوليبرالية منذ ثمانينيات القرن الماضي، شكّل محرّكاً قوّياً خلف التحوّل الذي شهدته صناعة "تطوير الذات" وانتشار مدرّبي الحياة.
في هذا الوقت، شهد ما يُعرف بـ"علم النفس الإيجابي" الذي نشأ في الولايات المتحدة في تسعينيات القرن الماضي ثم انتشر في أوروبا، صعوداً لافتاً.
تقول شريبر في كتابها "أفضل ألّا أفعل. تمرّدٌ ضد إرهاب الإيجابية" (2022)، إن مجتمعات "الحاضر السائل"، بحسب تسمية عالم الاجتماع البولندي زينغمونت باومن، انتقلت من ثقافة تقوم على المنع إلى "ثقافة الأمر".
فبدلاً من نهي "لا يجب عليك"، أصبحنا نسمع في كل مكان عبارة "يجب عليك".
في السابق، كان كثيرون يشعرون بالضيق لأنهم لم يُسمح لهم بالتعبير عن ذواتهم. أما اليوم، فيلجأ الناس إلى العلاج النفسي لأنهم مطالبون باستمرار بأن يريدوا شيئاً، بينما فقدوا الرغبة في كل شيء.
إنهم منهكون تحت وطأة سلسلة من الأوامر التي تفرض عليهم بلا توقف، بحسب شريبر، التي تكرّر هنا نظرية يتبناها مفكرون ومحللون نفسيون كثر، أبرزهم المحلل النفسي الفرنسي جاك لاكان، لوصف الانقلاب الذي شهده العالم على مستوى البنى النفسية في النصف الثاني من القرن العشرين.
كما ترى شريبر أن "عبادة الإيجابية" هذه لها تبعات سياسية "مدمّرة". إذ أنه من الصعب اجتماعياً إحداث أي تغيير إذا لم يعد الناس يرون أنفسهم كجماعة يعتمد أفرادها بعضهم على بعض، بل باتوا يعتقدون أنهم مسؤولون بالكامل عن نجاحاتهم كما عن إخفاقاتهم.
كثيرون يفضّلون الاستعانة بمدرّب حياة حتى الإنهاك، بدلاً من النضال ضمن نقابات من أجل شروط عمل أفضل، مثلاً.
وتضيف أن ما اعتبره الفيلسوف الألماني كارل ماركس شرطاً أساسياً لتشكّل الوعي الطبقي - أي إدراك أن الآخرين يعانون كما نعاني - أصبح أمراً نادراً على نحو متزايد. وحتى من دون الحديث عن ثورة، فإن الإصلاحات الاجتماعية تعجز عن تغيير الواقع حين يدّعي الجميع أن الأمور على ما يرام.
وتشير إلى أن أطروحتها الأساسية هي أنه "لا يمكننا التفكير في المشكلات الاجتماعية فرادى وبصورة فردية فقط. فالنهج النفسي الفرداني لا يفعل سوى تكريس الوضع القائم".
وتضيف شريبر "لقد أصبحت السعادة شكلاً من أشكال المكانة الاجتماعية، علينا أن نظهرها باستمرار للآخرين. وإذا غاب هذا المؤشر على الإيجابية، يُنظر إلى النقص بوصفه خللاً. تحوّلت السعادة إلى معيار، وكل ما هو دونها يُعدّ قصوراً. وهناك أسباب عدة لذلك".
من هذه الأسباب برأيها، تأتي "سردية النمو" التي لم تتوقف عند حدود الاقتصاد، بل امتدت إلى عوالمنا النفسية. حتى على مستوى المشاعر، أصبحنا نؤمن بأن كل شيء يجب أن يتقدم، أن يتحسّن، أن يتطوّر.
"أيديولوجيا الشفاء"
صدر الصورة، Getty Images
في سياق متصل، يشير الفيلسوف الألماني - الكوري الجنوبي، بيونغ تشول هان، إلى أن أدبيات تطوير الذات الأمريكية المعاصرة، تتضمّن كلمة سحرية وهي "الشفاء".
وهذه الكلمة تشير، بحسب هان، إلى تحسين الذات على نحوٍ يهدف، بطريقة علاجية، إلى القضاء على أي ضعف وظيفي أو عائق ذهني باسم الكفاءة والأداء.
غير أن التحسين الدائم للذات الذي يتطابق نقطةً بنقطة مع تحسين النظام نفسه، يتبيّن أنه مدمّر. فهو يقود إلى انهيار نفسي.
ويتضح في النهاية أن تحسين الذات ليس سوى شكل من أشكال "الاستغلال الذاتي" الكامل، برأي هان.
وفي كتابه "السياسات النفسية: النيوليبرالية والتقنيات الجديدة للسلطة" (2017)، يرى أن الأيديولوجيا النيوليبرالية لتحسين الذات "تكشف عن سمات دينيّة - بل تكاد تكون تعصّبية. إنها تنطوي على شكل جديد من "تذويت" الفرد (subjectivation).
حيث أن الانخراط المستمر في العمل على تحسين النفس يشبه فحص الذات ومراقبتها في البروتستانتية التي شكّلت بدورها تقنية لتشكيل الذات وللسيطرة عليها. لكن بدلاً من البحث عن الخطايا، يُصار اليوم إلى مطاردة الأفكار السلبية. تصبح الأنا في صراع مع نفسها بوصفها عدواً.
"حتى الوعّاظ الأصوليون اليوم يتصرفون كمديرين ومدرّبي تحفيز، يعلنون إنجيل الإنجاز غير المحدود والتحسين الدائم"، بحسب كلام هان.
تحريف للفلسفة الرواقية؟
صدر الصورة، Getty Images
لم يظهر خطاب تطوير الذات من فراغ، فهو في الأساس يستند إلى تراث فلسفي عريق، وعلى رأسه أخلاق المدرسة الرواقيّة التي تدعو إلى العمل على الذات، والتمييز بين "ما يعتمد علينا وما لا يعتمد علينا"، وتعديل تمثلاتنا وأفكارنا بغية الوصول إلى السكينة والصفاء الداخليين.
لكن السؤال الذي تطرحه عالمة الاجتماع إيفا إيلوز في هذا الإطار هو: هل نحن أمام استمرارية للرواقية، أم أمام إعادة توظيف لها في سياق مختلف جذرياً؟
تذكّرنا الرواقية بأن الحياة الطيّبة لا تقوم على النجاح الاجتماعي ولا على الاعتراف العام، بل على الفضيلة وضبط النفس والانسجام مع نظام كوني يتجاوزنا.
الهدف من هذه التعاليم كان تخفيف "قبضة الأنا" على النفس، والتدرّب يومياً على التخفف من التعلّق باللذة والألم، بل وحتى مواجهة فكرة الموت بوصفها تمريناً على التحرر من الوهم.
وهنا تكمن المفارقة: العمل على الذات، عند الرواقيين، لم يكن وسيلة للنجاح، بل طريقة للتقليل من اعتمادنا عليه. الفضيلة كانت غاية في ذاتها.
أما خطاب المساعدة الذاتية، فيستعير لغة العمل على الذات لكنه يقلب غايتها.
فبدلاً من تصغير الأنا، يسعى إلى تضخيمها. وبدلاً من التحرر من السعي إلى الاعتراف الاجتماعي، يعد بتحقيقه عبر "الأصالة" و"الثقة بالنفس" و"إطلاق الإمكانات الكامنة". تقنيات "إعادة صياغة التمثلات" لا تُستخدم هنا للقبول بحدود العالم، بل لتعزيز القدرة على الفوز داخله.
هكذا يصبح العمل على الذات استراتيجية للتموضع في سباق تنافسي.
وترى إيلوز أن هذا التحول يرتبط بما تسميه "العقلنة الاقتصادية للمشاعر". فخطاب تطوير الذات لا يكتفي بدعوة الفرد إلى التأمل في عواطفه، بل يدعوه إلى إدارتها وفق منطق الكلفة والمنفعة.
تُطرح العلاقة العاطفية مثلاً كسؤال استثماري: ما الذي تجلبه لي؟ ما أهدافها؟ ما الذي سأربحه أو أخسره؟ حتى الحزن والغضب والخوف مشاعر تُقيَّم وفق فائدتها أو ضررها في تحقيق أهداف محددة.
بهذه الطريقة تدخل المشاعر في فضاء الحساب، ويُعاد تشكيل الذات بوصفها مشروعاً ينبغي تحسينه باستمرار.
هذا الخطاب يزدهر تحديداً في عالم تنافسي مفتوح لا يملك فيه الأفراد معايير واضحة لقياس قيمتهم، بحسب إيلوز.
في مجتمعات نيوليبرالية تُفكَّك فيها الضمانات وتكون فيها قواعد اللعبة ضبابية، يشعر كثيرون بأنهم لا يعرفون "قيمتهم" في سوق العمل أو في سوق العلاقات.
وهنا تقدم التنمية الذاتية وعدها الأكبر: يمكنك أن تصنع قيمتك من داخلك. عبر تغيير تمثلاتك، وضبط عاداتك، وبناء صورة ذاتية أكثر ثقة، تستطيع أن ترتقي اجتماعياً.
لكن هذا الوعد، كما تقول إيلوز، يحمل مفارقة أساسية. فالقيمة ليست معطى نفسياً خالصاً، ولا تُنتج بتمارين ذهنية فقط. إنها تُمنح في فضاء اجتماعي، عبر اعتراف الآخرين، وعبر رؤوس أموال رمزية واقتصادية لا تخضع بالكامل لإرادة الفرد.
والادعاء بأن كل شخص يمكنه أن يصل إلى القمة بمجرد تبني "العقلية الصحيحة" ليس سوى تبسيط مفرط، إن لم يكن وهماً.
في هذا المعنى، يتحول الاقتراض من الرواقية إلى انحراف عنها. فبينما كانت الرواقية تدعو إلى التخلي عن السعي إلى القيمة الاجتماعية لصالح الفضيلة، يربط خطاب تطوير الذات العمل على النفس بهدف إنتاج قيمة اجتماعية أكبر. الأولى كانت أخلاقاً للانسحاب الجزئي من سباق الاعتراف؛ والثاني يصبح دليلاً لإدارة الذات داخل هذا السباق.
"العناية بالنفس": بديل ممكن؟
صدر الصورة، Getty Images
تجدر الإشارة إلى أن أثينا القديمة لم تكن موطناً للفلاسفة وحدهم، بل عرفت أيضاً السفسطائيين: أولئك المعلّمين الذين كانوا يدرّسون فنّ البلاغة والإقناع مقابل أجر، ويعدون تلامذتهم بالقدرة على التفوّق في ساحة المنافسة السياسية والاجتماعية. كان السؤال لديهم: كيف تربح الجدال؟ كيف تقنع الجمهور؟ كيف تصوغ ذاتك خطابياً بحيث تضمن الاعتراف؟
بهذا المعنى، قد يبدو أن مدرّبي الحياة اليوم ليسوا ظاهرة جديدة تماماً، بل امتداداً حديثاً لتقليد قديم يجعل من اللغة أداة للترقّي الاجتماعي وتعزيز قدرة الفرد على الفوز.
في المقابل، وقبل أن يتحوّل العمل على الذات إلى صناعة، بنحو 2500 سنة، كان الإغريق يسمّونه ἐπιμέλεια τῆς ψυχῆς: عناية بالنفس.
كانت هذه الممارسة انشغالاً أخلاقياً مستمراً بالذات: كيف نحيا حياة عادلة؟ كيف نرغب من دون أن تستعبدنا رغباتنا؟ كيف نخفّف من سطوة الأنا؟
في "دفاع سقراط" في محاورات أفلاطون، يذكّر سقراط الأثينيين بأنهم يهتمون بأموالهم وسمعتهم أكثر مما يهتمون بأنفسهم.
العناية بالنفس كانت دعوة إلى مساءلة الأنا، وسعياً لتحرير الذات من الحاجة المستمرة إلى ذلك الاعتراف.
كان العمل على الذات تمريناً على الحدّ، لا على التوسّع. على معرفة ما لا نتحكّم به، لا على إيهام أنفسنا بأن كل شيء رهن بإرادتنا. على تهذيب الرغبة، لا على إطلاقها بلا قيد.
غير أن هذا المعنى لم يبقَ ثابتاً عبر العصور. ففي أواخر القرن العشرين، عاد الاهتمام، لا سيما في محاضرات الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو عام 1984، بما عُرف في الفلسفة القديمة بـ"تقنيات الذات" - أي الممارسات التي يسعى الفرد من خلالها إلى تشكيل علاقته بنفسه.
غير أن هذا الإحياء جرى في سياق ثقافي مختلف تماماً، حيث يسود منطق التسويق والأداء والهوية القابلة لإعادة الصياغة باستمرار.
وسرعان ما جرى تأويل الدعوة إلى العمل على الذات بوصفها دعوة إلى "تصميم" الحياة، أو إلى تحويلها إلى مشروع جمالي فردي.
هذا التحوّل لم يمرّ من دون أن تلتقطه السوق. حيث أصبح كل ما يعد بالمساعدة على "تحقيق الذات" قابلاً للبيع: أنماط عيش، ملابس، رياضات، مكمّلات وأنظمة غذائية، ورش تدريب، وعلاجات نفسية...
هكذا انزلق الاهتمام بالذات من أفقه الأخلاقي إلى منطق استهلاكي، وصارت العناية بالنفس جزءاً من دورة الإنتاج ذاتها التي يُفترض أنها تمنحنا الخلاص منها.
ربما يكمن الفارق الحاسم بين المَعْنيين في سؤال بسيط: هل "العمل على الذات" يهدف إلى توسيع حدود الأنا، أم إلى تعلّم حدودها؟
فالعناية بالنفس، في معناها القديم، كانت أقرب إلى تمرين على إدراك الفناء، وعلى قبول أن الإنسان ليس سيد كل شيء، ولا صانع قيمته بمعزل عن العالم.
فوسط حمى "التدريب على الحياة" التي اجتاحت كوكبنا، ربما من المفيد العودة إلى ما كتبه ميشال دو مونتاني في القرن السادس عشر حول أن الفلسفة هي "تعلّم الموت".
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير



