الجمعة 6 فبراير 2026 04:40 صباحاً صدر الصورة، Getty Images
قبل 23 دقيقة
لم تدخل المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة من الباب الأمامي للدبلوماسية، بل شقت طريقها طويلاً عبر الممرات الخلفية.
فعلى مدى سنوات، اقتصر التواصل بين الخصمين على رسائل غير معلنة وقنوات وساطة إقليمية ودولية، في ظل قطيعة دبلوماسية رسمية تعود إلى عام 1980، حين أعادت الثورة الإسلامية بقيادة روح الله الخميني رسم ملامح النظام في طهران، ووضعت حداً لحقبة الشاه.
طوال العقود الماضية، ظل التواصل بين البلدين محصوراً في رسائل محدودة تُنقل عبر أطراف ثالثة، أبرزها سلطنة عُمان التي نقلت - على الدوام - الرسائل وحاولت تهيئة الأرضية السياسية، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة مع الطرفين.
ما قبل الألفية الجديدة؟
صدر الصورة، Getty Images
أطاحت الثورة الاسلامية عام 1979 بنظام حكم الشاه الذي فر إلى الخارج، وعاد آية الله الخميني من منفاه في فرنسا ليتولى منصب المرشد الأعلى للثورة.
وبعدها بفترة قصيرة، اقتحم عشرات الطلاب السفارة الأمريكية في طهران واحتجزوا 53 من الدبلوماسيين والموظفين لمدة 444 يوما، مطالبين بتسليم الشاه لمحاكمته.
وفشلت محاولة إنقاذ الرهائن الأمريكيين المحتجزين في طهران عندما اصطدمت مروحيتان أمريكيتان ببعضهما أثناء عملية إنزال في صحراء لوط وقتل 8 جنود أمريكيين في الحادث.
في سبتمبر/أيلول 1980، وضع الخميني أربعة شروط لتحرير الرهائن، هي إعادة ثروة الشاه والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمّدة في الولايات المتحدة وإلغاء المطالب الأمريكية بالحصول على تعويضات والتوقف عن التدخل في شؤون الجمهورية الإسلامية الداخلية.
وفي 19 يناير/كانون الثاني 1981 جرى التوصل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران بوساطة جزائرية على إخلاء سبيل الرهائن.
وبالفعل، حُرروا في اليوم التالي، تزامنًا مع تنصيب رونالد ريغان رئيسًا للولايات المتحدة.
قطعت الولايات العلاقات الدبلوماسية مع إيران عام 1980، وحجزت الأصول الإيرانية في الولايات المتحدة وقطعت العلاقات التجارية معها، وحظرت تصدير معظم السلع إليها.
سادت العلاقة بين إيران والولايات المتحدة في الثمانينيات حالة عداء معلن، إذ كان يصف الخميني واشنطن بـ"الشيطان الأكبر"، بينما اعتبرتها الولايات المتحدة نظاما معادياً لمصالحها.
وتعمق الخلاف خلال الحرب العراقية - الإيرانية مع دعم واشنطن للعراق، رغم فضيحة "إيران–كونترا" التي كشفت عن قنوات تواصل سرية محدودة لم تتحول إلى مسار حوار دائم.
مع انتخاب الرئيس الإيراني محمد خاتمي عام 1997، برز خطاب حوار الحضارات بدل التصادم، ودعا من على منصة الأمم المتحدة وفي مقابلاته الإعلامية إلى تعزيز التواصل الثقافي مع المجتمع الأمريكي، مؤكداً أن إيران لا تسعى إلى صراع مع الشعب الأمريكي حتى من دون تطبيع دبلوماسي.
في المقابل، رحبت الإدارة الأمريكية آنذاك على لسان وزيرة الخارجية مادلين أولبرايت بما وصفته بـ"نبرة أقل عدائية"، لكنها شددت في الوقت نفسه على أن "الأقوال يجب أن تُترجم إلى أفعال"، وفق تصريحات لمسؤولين أمريكيين في نهاية التسعينيات.
وبقي الموقف الرسمي الأمريكي قائماً على عدم الدخول في مفاوضات مباشرة، مع الإبقاء على قنوات اتصال غير معلنة لمعالجة ملفات محددة، ومنها رسالة شفهية قدمها الرئيس الأمريكي بيل كلينتون إلى خاتمي عبر وسيط عُماني.
ما الذي أعقب 11 سبتمبر؟
صدر الصورة، Getty Images
مع مطلع الألفية الجديدة، استمرت العلاقة بين إيران والولايات المتحدة في إطار غياب التفاوض المباشر، رغم وجود إشارات خجولة على تخفيف التوتر.
وشكلت هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 نقطة تحول، ففي أعقابها، حصل تعاون غير مباشر بين طهران وواشنطن في ملف أفغانستان، كما يقول تقرير صادر عن مجلس السياسات الخارجية الأمريكي، حيث شاركت إيران في دعم الجهود الدولية لإسقاط نظام طالبان والمساعدة في تشكيل الحكومة الأفغانية الجديدة.
وفي يناير/كانون الثاني 2002، أعلن الرئيس الأمريكي جورج بوش تصنيف إيران ضمن "محور الشر"، إلى جانب العراق وكوريا الشمالية وهو ما أعاد العلاقة إلى مربع العداء، وأوقف عملياً أي مسار كان يمكن أن يقود إلى حوار أوسع.
وفي أعقاب الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، نقلت إيران عبر وسطاء من بينهم سويسرا، ما سمته تقارير بـ" العرض الكبير".
وتضمن "العرض الكبير" وفق ما تقول دراسة لجامعة كولمبيا، استعداداً لمناقشة ملفات شائكة، من بينها البرنامج النووي والدور الإقليمي، لكن الإدارة الأمريكية في تلك المرحلة لم تفتح مسار تفاوض رسمي مع طهران، وبقي التواصل في إطار الرسائل غير المباشرة.
ومنذ عام 2004، أصبح البرنامج النووي الإيراني محور التوتر الأساسي، حيث دخلت إيران في مفاوضات مع الترويكا الأوروبية (بريطانيا، فرنسا، ألمانيا)، فيما بقيت الولايات المتحدة خارج غرفة التفاوض رسمياً، لكنها حاضرة في الخلفية عبر التنسيق مع الحلفاء الأوروبيين.
وتؤكد وثيقة صادر عن الكونغرس أن الولايات المتحدة أواخر مايو/أيار 2006 كانت ترفض الدخول في مفاوضات مباشرة مع إيران حول برنامجها النووي، وأن مشاركتها كانت عبر دعم الترويكا الأوروبية وليس بتمثيل مباشر في المحادثات.
ومع انتخاب الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد عام 2005، واصلت الولايات المتحدة سياسة العقوبات والضغط الدولي، فيما رفضت طهران أي تفاوض مباشر مع واشنطن، مؤكدة أن الحوار يجب أن يكون على أساس الندية وعدم الإملاءات.
ومع نهاية العقد الأول ووصول الرئيس باراك أوباما إلى البيت الأبيض عام 2009، أعلنت واشنطن تبني نهج "الانخراط الدبلوماسي".
ووجه أوباما رسائل علنية إلى القيادة الإيرانية، أبرزها تلك التي هنأ فيها الإيرانيين بعيد النيروز وتحدث فيها عن "بداية جديدة"، في محاولة لكسر الجمود السياسي.
القناة السرّية التي مهّدت للاتفاق النووي
بين عامي 2012 و2013، فُتحت في مسقط قناة محادثات ثنائية سرية بين مسؤولين أمريكيين وإيرانيين، هدفت إلى اختبار إمكانات التسوية حول الملف النووي، وهو ما وصفته رويترز بأنه مسار جرى التكتم عليه بعناية وساهم في تهيئة الطريق لتفاهمات لاحقة.
وبالتوازي، استضافت جنيف مساراً تفاوضياً علنياً تُوّج بتوقيع اتفاق مرحلي في 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2013، وخلال أحد هذه اللقاءات ظهر وزير الخارجية الأمريكي جون كيري في صورة بثتها وكالة رويترز، مصافحاً نظيره الإيراني محمد ظريف لأول مرة.
وقد فتح هذا الاتفاق الباب أمام مفاوضات أعمق انتهت في 14 يوليو/تموز 2015 بتوقيع خطة العمل الشاملة المشتركة "الاتفاق النووي" بين إيران والقوى الكبرى، بما فيها الولايات المتحدة، ثم حظي الاتفاق بغطاء دولي عبر قرار مجلس الأمن 2231.
صدر الصورة، Reuters
انسحاب من الاتفاق النووي وملفات خلافية جديدة
في عام 2018، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انسحاب بلاده من الاتفاق النووي، وأعاد فرض عقوبات واسعة على إيران.
أدى ذلك إلى انهيار المسار التفاوضي المباشر وعودة التواصل إلى مربعه الأول، حيث استعادت قنوات الوساطة دورها دون أن تقتصر على سلطنة عُمان، بل شملت أطرافاً أخرى مثل قطر، التي لعبت دوراً - وفق بيان لوزارة الخارجية القطرية -، في نقل الرسائل، خصوصاً في ملفات تبادل السجناء وخفض التوتر العسكري.
وطرحت إدارة ترامب فكرة التوصل إلى "اتفاق جديد" أوسع نطاقاً، وهو ما رفضته طهران، مشترطة رفع العقوبات أولاً.
وفي هذا السياق، تحولت العقوبات الاقتصادية وسياسة "الضغط الأقصى" إلى محور رئيسي في أي حديث عن الحوار، إذ ربطت واشنطن تخفيفها بتغيير السلوك الإيراني، فيما اعتبرتها طهران أداة ابتزاز سياسي.
كما برز الدور الإقليمي لطهران في العراق وسوريا ولبنان واليمن كقضية خلافية أساسية، أصرت الولايات المتحدة على إدراجها في أي تفاوض محتمل، بينما رفضت إيران بحثها باعتبارها شؤوناً داخلية لتلك الدول. وتصر إيران أيضاً على استبعاد برنامجها الصاروخي من التفاوض، متمسكة به كشأن سيادي.
وإلى جانب ذلك، طُرح أمن الملاحة في الخليج ومضيق هرمز كملف توتري بعد حوادث استهدفت ناقلات نفط عام 2019.
وبلغ التصعيد ذروته مع اغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني في قصف صاروخي أمريكي مطلع 2020، قبل أن يُحتوى التوتر عبر قنوات غير معلنة، تقول رويترزإن العراق وسويسرا ودول خليجية كانت من بين القنوات التي نُقلت عبرها الرسائل، دون إعلان رسمي.
جولات تفاوضية في فينا عن بعد
مع وصول إدارة أمريكية جديدة عام 2021، استؤنفت الجهود لإحياء الاتفاق النووي.
انعقدت جولات تفاوض في فينا، حيث جلس الوفدان الإيراني والأمريكي في فندقين منفصلين، بينما تولّى دبلوماسيون أوروبيون نقل المقترحات بين الجانبين.
وذكرت وكالة رويترز في تقرير لها أن إيران رفضت إجراء محادثات مباشرة مع الولايات المتحدة خلال المفاوضات، ما اضطر الوسطاء الأوروبيين إلى "التنقل" بين فندقين منفصلين لتمرير الرسائل بين الوفدين.
صدر الصورة، Getty Images
في عام 2025، شهد المسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران تطوراً ملحوظاً حيث أصبح الحوار شبه مباشر ومنتظم بين الوفدين في عواصم مثل مسقط وروما خلال 2025.
ورغم ذلك، لا يزال يستعصي الاعلان عن اللقاءات المباشرة بين الطرفين، وهذا ما أعلنته وكالة تنسيم مؤخراً حين قالت بأن لقاء مبعوث الرئيس الأمريكي ستيف ويتكوف مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي المرتقب "سيكون غير مباشر".
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير



