أخبار عاجلة
تركيا تكشف عن سبب تحطم طائرة رئيس الأركان الليبي -

بين القاهرة والرياض: اشتباك علنيّ على صدارة الترفيه، فمن يفوز؟

بين القاهرة والرياض: اشتباك علنيّ على صدارة الترفيه، فمن يفوز؟
بين القاهرة والرياض: اشتباك علنيّ على صدارة الترفيه، فمن يفوز؟
عمرو دياب وعمرو أديب وتركي آل شيخ وإسعاد يونس في حفلة

الأربعاء 4 فبراير 2026 01:04 مساءً صدر الصورة، amrdiab.net

التعليق على الصورة، عمرو دياب وعمرو أديب وتركي آل شيخ وإسعاد يونس في حفلة "الليالي السعودية المصرية" بدار الأوبرا المصرية في فبراير/ شباط 2024
Article Information
    • Author, هالة قنديل
    • Role, بي بي سي نيوز عربي
  • قبل 3 دقيقة

حفلات جماهيرية ضخمة، دعوات لأبرز نجوم الفن من مختلف أنحاء العالم، أمسيات تُستعاد فيها روائع الطرب العربي، مهرجانات سينمائية، جوائز، وإنتاجات فنية… خلال سنوات قليلة، سجّلت السعودية صعوداً متسارعاً في مجال الفن والترفيه، وبدأت ترسّخ موقعها كأحد المراكز الإنتاجية المؤثرة في المنطقة.

وفي سياق هذا التحول، كان الحضور المصري لافتاً، عبر عروض ومشاركات لنجوم من الصف الأول مثل عمرو دياب ومحمد رمضان، إلى جانب خطوات تكريمية رسمية شملت منح الجنسية السعودية لبعض العاملين في المجالين الفني والموسيقي المصري، من بينهم الممثل الكوميدي محمد هنيدي.

لكن، في أغسطس/آب الماضي، أعلن رئيس هيئة الترفيه السعودية تركي آل الشيخ أنّ المواسم المقبلة ستمنح أولوية أكبر للفنانين السعوديين والخليجيين، مع الإبقاء على مساحة لاستضافة عروض عربية وعالمية مختارة.

وتزامن ذلك مع انسحاب قنوات "أم بي سي" من رعاية الدورة الأخيرة لـ"مهرجان الجونة السينمائي"، مقابل تصاعد الزخم الإعلامي لأحداث ثقافية سعودية مثل "مهرجان البحر الأحمر السينمائي"، و"جوائز جوي أووردز" التي استضافتها الرياض أخيراً.

ويعيد هذا المسار طرح أسئلة أوسع حول موازين التأثير الثقافي في العالم العربي، وحدود التعاون والمنافسة بين العواصم الفنية التقليدية والمراكز الصاعدة، في مرحلة يتزايد فيها تداخل الفن مع الاقتصاد، ومع استراتيجيات القوة الناعمة.

فمع كل حدث فني مصري أو سعودي، تنشغل مواقع التواصل بسجالات باتت متكررة حول الأسبقية الفنية، وطبيعة المنافسة بين الجانبين. فهل نحن بالفعل أمام صراع ثقافي مصري - سعودي؟ وكيف يرى كل طرف موقعه ودوره في المشهد العربي المتحوّل؟

الراقصة المصرية فيفي عبده خلال مشاركتها في حفلة توزيع جوائز

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، الراقصة المصرية فيفي عبده خلال مشاركتها في حفلة توزيع جوائز "جوي أووردز" في السعودية

القاهرة كمركز ثقل

منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، كانت القاهرة أول مدينة عربية تبدأ فيها الجهات الرسمية بتقديم رعاية فعلية ومنظّمة للفنون، وهو ما تجلّى في افتتاح الأوبرا الخديوية عام 1869.

وبموازاة ذلك، بدأت تتبلور تجارب مسرحية محلية أسهمت في نقل المسرح تدريجياً من فضاءات النخبة إلى المجال الشعبي، ولا سيما مع يعقوب صنّوع في سبعينيات القرن ذاته، حين أسس فرقة مسرحية قدّمت عروضاً بالعربية، خاطبت الجمهور بلغته اليومية وتناولت قضاياه الاجتماعية والسياسية.

ومع ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين، تبلورت السينما العربية بوصفها صناعة متمركزة في القاهرة. ويشير مؤرخو السينما والمسرح العرب، وفي مقدمتهم سمير فريد ومحمد يوسف نجم، إلى أنّ نشأة هذه الصناعة قامت على كوادر فنية وفكرية جاءت من مصر ولبنان وسوريا وفلسطين، ما أضفى على التجربة السينمائية المصرية طابعاً عربياً متشابكاً، أكثر من كونها صناعة محلية خالصة.

وقد شكّل هذا التراكم التاريخي مرجعية ثقافية استندت إليها أجيال عربية متعاقبة. فعلى مدى عقود، لم تكن مصر مجرّد مركز للإنتاج الفني، بل مركز الثقل في تشكيل الذائقة العامة، ومصنع النجوم في الغناء والموسيقى والسينما والمسرح والدراما التلفزيونية.

ومن خلال السينما على وجه الخصوص، لعب الإنتاج المصري دوراً في تكوين مخزون مشترك لدى الجمهور العربي في مختلف البلدان، وباتت اللهجة المصرية مألوفة ومفهومة على نطاق واسع، بفعل الانتشار الكبير للأفلام والأغاني والمسلسلات.

وبهذا المعنى، لم يكن دور مصر مقتصراً على إنتاج أعمال فنية ناجحة، بل ساهمت أيضاً في تشكيل وعي وذاكرة جماعية على مدى أجيال.

دار الأوبرا الخديوية في القاهرة عام 1945 وقد أودى حريق بالمبنى عام 1971

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، دار الأوبرا الخديوية في القاهرة عام 1945 وقد أودى حريق بالمبنى عام 1971

التحوّلات السعودية

مع بداية سبعينيات القرن الماضي، دخلت منطقة الخليج مرحلة تحوّل اقتصادي واجتماعي واسعة، عقب الارتفاع الحاد في أسعار النفط عام 1973، وهو ما أتاح إمكانات مالية وبنى تحتية جديدة انعكست تدريجياً على مجالات الثقافة والإنتاج الفني وصناعة الترفيه.

في تلك المرحلة، كانت القاهرة تمثّل المركز الفني الأساسي في العالم العربي، ويقصدها طلاب خليجيون للدراسة والتكوين الثقافي، وهو ما وثّقه الأديب السعودي الراحل غازي القصيبي في روايته "شقة الحرية" (1971)، التي صوّرت جيلاً خليجياً يتشكّل وعيه الثقافي والسياسي في القاهرة.

ومع دخول الثمانينيات، بدأت تتبلور تدريجياً ملامح صناعة ترفيهية خليجية، عبر ظهور قنوات تلفزيونية محلية، وتأسيس شركات تسجيل وإنتاج، وانتظام تنظيم الحفلات الغنائية.

وفي عام 1987، تأسست شركة "روتانا"، التي تحولت لاحقاً إلى أحد أكبر الكيانات الموسيقية العربية، وأسهمت في إعادة توزيع مراكز النفوذ داخل سوق الموسيقى.

كما شكّل إطلاق شبكة "أم بي سي" عام 1991 محطة مفصلية في تاريخ الإعلام العربي، باعتبارها أول قناة فضائية عربية خاصة عابرة للحدود، ومهّدت لنمو نموذج إعلامي ترفيهي موجّه إلى جمهور عربي واسع.

وتزامن ذلك مع ظهور مهرجانات وفعاليات جماهيرية كبرى في عدد من المدن الخليجية، ما أسهم في نشوء فضاء إنتاجي جديد لم يعد يعتمد على القاهرة بوصفها مركز الثقل الوحيد، بل بات يشاركها تدريجياً في صناعة المحتوى وتوجيه السوق الترفيهية العربية.

الممثلة المصرية نيللي كريم تقف على السجادة الحمراء مرتدية فستاناً أسود اللون وتلتفت نحو عدسات المصورين خلال حفل ختام مهرجان الجونة السينمائي، مع خلفية تحمل شعار المهرجان وأضواء الكاميرات عام 2018

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، الممثلة المصرية نيللي كريم خلال حفل ختام مهرجان الجونة السينمائي 2018- الغردقة مصر.

رؤية 2030

مع دخول العقد الثاني من الألفية، شرعت السعودية بتنفيذ تحوّلات واسعة في سياساتها الاقتصادية والاجتماعية. وفي عام 2016، أطلقت رؤية "السعودية 2030" بوصفها إطاراً لإعادة هيكلة الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط، وكان قطاع الترفيه أحد المحاور الأساسية في هذا التحول.

وفي العام نفسه، أنشئت الهيئة العامة للترفيه كجهاز مؤسسي يتولى تنظيم القطاع وتطويره. وخلال فترة وجيزة، أعيد افتتاح دور السينما بعد توقف دام عقوداً، تبع ذلك إنشاء مسارح وقاعات عرض في الرياض وجدة والدمام، وبدأ تنظيم مواسم ترفيهية ممتدة تضم حفلات موسيقية وعروضاً مسرحية وفعاليات فنية متنوعة.

وفي عام 2019، أعلن عن إطلاق "موسم الرياض" بوصفه سلسلة فعاليات طويلة الأمد، لا مهرجاناً تقليدياً. ومعه تحوّلت مناطق واسعة من العاصمة إلى فضاءات مفتوحة للعروض، تستضيف فنانين عرباً ودوليين، وأصبح الظهور ضمن فعالياته محطة مؤثرة في مسار العديد من الفنانين.

وتزامن ذلك مع سياسات شملت توقيع عقود حصرية مع فنانين عرب، وتقديم تسهيلات وإقامات طويلة لبعض نجوم الصف الأول، إضافة إلى استضافة إنتاجات مسرحية عربية وعالمية. ولعبت هيئة الترفيه، برئاسة تركي آل الشيخ، دوراً محورياً في إدارة هذه المرحلة وتنفيذ برامجها، بما أسهم في ترسيخ السعودية لاعباً أساسياً في صناعة الترفيه العربية.

مرحلة من التوتر

مع كلّ حدث فني كبير في السعودية أو مصر، مثل "موسم الرياض" أو "مهرجان الجونة السينمائي"، تتجدّد موجات من السخرية والهجوم المتبادل بين مصريين وسعوديين على مواقع التواصل الاجتماعي، ويطفو إلى السطح جدل متكرر حول صدارة المشهد الفني والإنتاجي العربي.

ويرى محمد عبد الرحمن، رئيس تحرير موقع "إعلام دوت أورج" المصري أن هذا التوتر، رغم مظهره الثقافي، إلا أنه ليس اشتباكاً جمالياً أو فنياً بحتاً، بل "هو في جوهره تعبير عن انتقال الخلاف إلى مستوى السوق والإنتاج".

فبينما تستند مصر إلى تاريخ طويل من الريادة الثقافية والفنية، تنظر السعودية إلى نفسها اليوم بوصفها قوة صاعدة تمتلك إمكانات مالية وبنية تحتية تؤهلها لإعادة تشكيل الخريطة الفنية في المنطقة. فهل نحن أمام منافسة فعلية وصراع إنتاجي، أم أنّ ما يجري لا يتجاوز كونه سجالاً رقمياً على المنصات؟

بحسب عبد الرحمن، فإن السؤال الحقيقي لم يعد "من يمتلك الأسبقية الثقافية، بل من يملك أدوات الإنتاج والتوزيع والتأثير الجماهيري".

يقول إن "التحول الأكبر حدث خلال السنوات الست الأخيرة، مع انتقال السعودية من دور المستهلك إلى السعي لامتلاك منتج ترفيهي عابر للحدود"، مشيراً إلى أن الدراما التلفزيونية شكلت المدخل الأوسع لهذا التحول بحكم انتشارها وتأثيرها الجماهيري، إذ "أن الدراما لم تكن مجرد قطاع فني، بل كانت البوابة الأساسية لإعادة تشكيل الذائقة وبناء نفوذ ثقافي ممتد".

"المشهد انقلب تماماً"، يضيف عبد الرحمن. فلعقود، ارتكز الإنتاج الدرامي العربي على أعمال مصرية وسورية عابرة للحدود، مقابل إنتاج خليجي محلي محدود الانتشار.

يقول: "جاءت موجة الدراما التركية مطلع الألفية، في مرحلة تراجع نسبي للإنتاج المصري، فغطت على الدراما المصرية والسورية وفتحت سوقاً موازياً عبر الدبلجة، ولاحقاً عبر قنوات ومنصات سعودية، ما دفع "أم بي سي" أيضاً إلى إنتاج فورمات مسلسلات عربية عن الأعمال التركية".

ويشير إلى أن الأعمال التي كانت تُكتب وتصوَّر في مصر لتعرض في الخليج، باتت اليوم تنتج بالكامل خارج مصر وباشتراطات جديدة مدعومة بإنفاق ضخم أعاد رسم قواعد السوق، ما خلق للمرة الأولى إحساساً بالمنافسة المباشرة، "وكأن الأمر مباراة بين فريقين"، بحسب تعبير عبد الرحمن.

لكن، وفقاً له، لم يكن هذا التحول وحده كافياً لتفجير التوتر، بل أسهمت طريقة إدارة المشهد والحروب الإلكترونية بين الجمهورين في تعميقه، إلى جانب هجوم على فنانين مصريين حصلوا على الجنسية السعودية، رغم أن تعدد الجنسيات بين الفنانين العرب كان شائعاً لعقود.

ويحمّل عبد الرحمن جزءاً من مسؤولية التوتر،" لخطاب إعلامي متسرع ضاعف من حساسية الملف بدلاً من تهدئته".

تركي آل الشيخ يتوسط مجموعة من صُناع السينما والفن المصريين خلال حفل تسليم جوائز

صدر الصورة، @Turki_alalshikh

التعليق على الصورة، تركي آل الشيخ يتوسط مجموعة من صناع السينما والفن المصريين خلال حفل تسليم جوائز "جوي آووردز" 2026.

ويضيف عبد الرحمن أن المخاوف المصرية تمحورت حول انتقال فنانين ومخرجين للعمل في السعودية، لكنّ غير المتوقع، برأيه، كان أن تتخذ هيئة الترفيه نفسها قرارات بتقليص أو وقف التعاون مع فنانين مصريين، في رسالة فُهمت على أنها دعوة للعودة إلى الإنتاج داخل مصر.

ويلفت إلى تراجع شعبية بعض النجوم المصريين نتيجة تصريحات أو اختيارات فنية قُدّمت بدافع المجاملة، وأثارت غضب جمهور مصري يعتز بهويته الفنية، إضافة إلى ظهور أصوات سعودية رسمية أو شبه رسمية استخدمت خطاباً ينطوي على انتقاص من التاريخ الفني المصري، "وكأن الفنانين جاؤوا من أجل المال فقط".

هذا الخطاب، برأيه، أسهم في خسارة شعبية غير مقصودة لبعض النجوم، في ظل ضغوط مالية وإدارية لم تكن لديهم "خبرة سابقة في التعامل معها، خصوصاً في بيئة إنتاجية جديدة تتداخل فيها السياسة بالاقتصاد بالفن".

وبرأيه، فإن الجميع خاسر في هذا الاشتباك. فمصر، رغم خسارتها جزءاً من التمويل الخليجي، لا تزال تمتلك "العامل المنقذ"، أي القدرة المستمرة على إنتاج نجوم جدد.

أما السعودية، فرغم وفرة المواهب، فلم تنتج بعد أعمالاً قادرة على منافسة التجارب الراسخة، وهو مسار يحتاج إلى وقت. مؤكداً أن بناء التجارب الكبرى لا يتم بالتمويل وحده، بل بالتراكم الزمني.

ومن جهة أخرى، ينتقد عبد الرحمن غياب الاستعداد المصري للتحولات الإعلامية، إذ لم تنشئ مصر منذ التسعينيات شبكة إعلامية عربية تضاهي من حيث الانتشار والتأثير شبكات مثل "أم بي سي" أو "تلفزيون دبي" أو "الجزيرة"، ما جعلها تملك المحتوى من دون أن تملك الوسيلة لترويجه. برأيه، فإنّ "امتلاك المنصة لا يقل أهمية عن امتلاك الفن نفسه".

ورغم ذلك، يرى عبد الرحمن أن ما يحدث في السعودية يمكن أن يتحول إلى مكسب للعالم العربي إذا اعتبرت الرياض مركزاً إضافياً للإنتاج، لا منافساً يلغي ما قبله. ويضيف: "لا يستقر المشهد الفني العربي إلا بتنسيق ثقافي وسياسي بين مصر والسعودية… أكبر دولتين عربيتين من حيث عدد الجمهور".

من الترفيه إلى إنتاج المعنى

يرى الشاعر والأكاديمي أحمد قِرّان الزهراني، أستاذ الإعلام في جامعة الملك عبدالعزيز، أنّ الجدل المحتدم على وسائل التواصل الاجتماعي بين مصريين وسعوديين حول الريادة الفنية، هو "تجلٍّ رقمي لأسئلة أعمق تتجدد مع تغيّر موازين القوّة الرمزية".

فالسجال، برأيه، تضخّمه الطبيعة الانفعالية لمنصات التواصل، بينما يشهد الواقع الثقافي "تعاوناً فعلياً في السينما والموسيقى والإنتاج، وجيلاً جديداً في البلدين لا يتعامل مع الفن بوصفه ملكية وطنية، بل مساحة مشتركة للإبداع".

برأيه فقد "دخلت المنطقة مرحلة تعدد المراكز، حيث لم تعد الثقافة تنتج من مدينة واحدة، بل عبر شبكة تتقاطع فيها العواصم والتجارب".

ويضيف في هذا السياق أن ما جعل بعض العواصم تبدو تاريخياً وكأنها "المتن" لم يكن "تفوقها الثقافي بقدر ما كان امتلاكها المبكر لأدوات البث والمنابر الإعلامية، وهو ما رسّخ ثنائية المركز والهامش بصورة غير عادلة، بينما كان الإنتاج الثقافي في الواقع موزعاً عربياً".

ويرى الزهراني أن التحول الثقافي الذي تشهده السعودية منذ إطلاق "رؤية 2030" لا يمكن اختزاله في اتساع مساحة الترفيه أو وصفه انفتاحاً اجتماعياً عابراً، بل هو "إعادة صياغة شاملة لطريقة تمثّل المجتمع لذاته ولمكانة الثقافة في حياته اليومية".

ويصف هذا التحول بأنه "انتقال واعٍ من مرحلة كانت فيها الثقافة هامشاً أو خطاباً نظرياً، إلى لحظة تُعاد فيها هندسة الحضور الثقافي باعتباره أحد أعمدة التشكّل الوطني ومساراً لبناء الذات الجماعية بثقة ووعي أعمق، وانتقال من ثقافة استهلاك إلى ثقافة إنتاج المعنى".

ويؤكد أن السعودية لا "تزيح القديم لتضع مكانه الجديد" بصورة آلية، بل تخضع تراثها الرمزي والاجتماعي لمراجعة واعية، بهدف تحويله إلى طاقة فاعلة في الحاضر، لا إلى مادة احتفالية شكلية. فالتاريخ، في هذا السياق هو منبع الإلهام وتجديد الهوية.

مشدداً على أن التطور هذا لم يكن قراراً فوقياً منفرداً ولا نتيجة حراك اجتماعي معزول، بل حصيلة تفاعل ثلاث قوى متزامنة، بحس تعبيره: "الدولة للثقافة بوصفها مكوّناً من مكونات القوة الوطنية، وجيل شاب واسع التعليم والانفتاح لا يكتفي بالاستهلاك ولا يقبل أن تكون هويته الفنية مستوردة بالكامل".

ومن هنا، لا يحتل الترفيه مركز المشهد، بقدر ما يشكّل أحد مداخله. إذ يراه الزهراني جزءاً من منظومة أوسع تتكامل فيها الثقافة مع التعليم والاقتصاد والسياحة وصناعة الإعلام والإبداع، بما يعيد صياغة علاقة المجتمع بمصادر قوته وأدواته المعرفية ليس باعتبارها زينة اجتماعية، بل لغة تعريف للذات وأداة حضور نديّ في العالم.

ويرى الزهراني أن ريادة القاهرة في تشكيل المخيلة الفنية العربية الحديثة حقيقة راسخة، كنتاج تجربة إبداعية ممتدة لا ظرف سياسي عابر، لكنه يرى في المقابل أن افتراض وجود "مركز واحد" للإبداع العربي ينتج قراءة ضيقة للتاريخ، تتجاهل أن الجزيرة العربية كانت أصلاً نواة للغة العربية والشعر والإنشاد والفنون التعبيرية قبل تشكل الدول الحديثة.

ومن هذا المنظور، لا يصف الزهراني ما يجري في السعودية بأنه مشروع إحلال أو محاولة لنسخ نموذج القاهرة، بل تأسيس "مسار ثقافي موازٍ يستجيب لشروط زمن مختلف". مشيراً إلى أن الثقافة العربية لم تُبنَ تاريخياً في مدينة واحدة، بل عبر مسارات متوازية ومتقاطعة، وأن ما نشهده اليوم، بحسب وصفه، "هو تصحيح لمسار طويل من التمركز لا إلغاء لتجربة القاهرة".

أما فكرة "استقلال المشهد الفني السعودي"، فيفككها الزهراني بوصفها لحظة نضج لا انعزال، وتعني بناء قدرة ذاتية تمكّن الفنان السعودي من المشاركة في المشهد العربي والعالمي على قاعدة التكافؤ، لا التبعية.

وفي تعريفه لـ"الفن السعودي"، يرفض الزهراني اعتباره ظاهرة ناشئة، مؤكداً أنه امتداد لجذر عربي قديم تشكّل عبر الشعر والإيقاع والأسواق الثقافية، إلى جانب الفنون الأدائية الشعبية المتنوعة التي تختلف باختلاف الجغرافيا داخل السعودية، واستمرت بأشكال متعددة عبر القرون.

الجديد، في رأيه، ليس وجود الفن، بل تحوّله اليوم إلى "مشروع مؤسسي منظم، تتكامل فيه الرؤية الثقافية مع بنية تحتية حديثة وتعليم متخصص واقتصاد إبداعي وجمهور مشارك في صناعة الذائقة".

وعن تراجع المشاركة المصرية في موسم الرياض مقارنة بسنوات سابقة، فيراه الزهراني "إعادة ضبط واعية" تتسق مع نضج التجربة السعودية، وتحول المواسم من فعاليات عابرة إلى منظومة استراتيجية تهدف إلى توطين الإنتاج وبناء قاعدة إبداعية محلية قادرة على الإنتاج والتصدير، لا الاكتفاء بالعرض. بما يضع الفنان السعودي في موقع "الفاعل المنتج" لا "المشارك الرمزي".

الفنانة الأميركية كاتي بيري تحيي عرض افتتاح حفل توزيع جوائز

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، الفنانة الأميركية كاتي بيري تحيي عرض افتتاح حفل توزيع جوائز "جوي أووردز" 2026، ضمن فعاليات موسم الرياض يناير/كانون الثاني 2026.

"سقوط الصور النمطية"

تركي آل الشيخ يقبّل رأس وزير الثقافة المصري الأسبق فاروق حسني خلال حفل توزيع جوائز

صدر الصورة، @Turki_alalshikh

التعليق على الصورة، تركي آل الشيخ يقبّل رأس وزير الثقافة المصري الأسبق فاروق حسني خلال حفل توزيع جوائز "جوي أووردز"، يناير/كانون الثاني 2026.

ترى الصحافية والمحللة السياسية اللبنانية سوسن مهنا أن المشكلة لا تبدأ من الفن ذاته، بل من السرديات المتراكمة التي حوّلت النقاش الثقافي إلى مساحة شحن أيديولوجي وهوياتي.

وتقول إن أحد أهم التحولات التي يغفلها كثير من النقاش العربي اليوم هو انهيار "الصور النمطية المتبادلة" التي حكمت علاقة الشعوب ببعضها لعقود.

تقول: "اليوم يعمل المصريون في الخليج كصحافيين ومنتجين ومهندسين وأكاديميين، في تحولات تعكس واقعاً أكثر تعقيداً مما تسمح به الكليشيهات. والشاب السعودي اليوم، متعلّم، يتحدث أكثر من لغة، منفتح على العالم، ويمتلك أدوات معرفية لم تكن حاضرة في المخيال العربي القديم".

وفي نظرها، لا يُفهم النقاش الحالي حول "الريادة" وتحوّل مراكز الثقل عربياً بمعزل عن معادلة أساسية: حين تنسحب الدولة، يصبح استمرار الصناعة رهينة القدرة على التمويل والاستمرارية المؤسسية، وليس وفرة المواهب فقط.

تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير

السابق محادثات أمريكية- إيرانية في عُمان الجمعة وسط توتر عسكري يرفع أسعار النفط
التالى ترامب يؤكد تواصل طهران مع واشنطن، وإيران تتحدث عن "تقدّم تفاوضي"

 
c 1976-2025 Arab News 24 Int'l - Canada: كافة حقوق الموقع والتصميم محفوظة لـ أخبار العرب-كندا
الآراء المنشورة في هذا الموقع، لا تعبر بالضرورة علي آراء الناشرأو محرري الموقع ولكن تعبر عن رأي كاتبيها
Opinion in this site does not reflect the opinion of the Publisher/ or the Editors, but reflects the opinion of its authors.
This website is Educational and Not for Profit to inform & educate the Arab Community in Canada & USA
This Website conforms to all Canadian Laws
Copyrights infringements: The news published here are feeds from different media, if there is any concern,
please contact us: arabnews AT yahoo.com and we will remove, rectify or address the matter.