الجمعة 16 يناير 2026 02:40 صباحاً صدر الصورة، Getty Images
-
- Author, جوي سليم
- Role, بي بي سي عربي
-
قبل 10 دقيقة
من المرجح أنك لاحظتَ، خلال السنوات القليلة الماضية، أن استخدام فيسبوك ومنصات التواصل الاجتماعي عموماً لم يعد يشبه ما كان عليه في الماضي.
إن كنتَ من مستخدمي فيسبوك القدامى، فمن المؤكد أنك اختبرتَ بنفسك هذا التدهور: صفحة رئيسية مزدحمة، اقتراحات عشوائية، محتوى لا يهمك، ومنشورات أصدقائك تكاد تختفي.
وإن كنتَ من جيلي "زد" أو "ألفا"، فربما سمعتَ عن الرداءة التي وصلت إليها الحال على فيسبوك، بوصفه منصةً قديمة أو مخصصة "لكبار السن"، وغير مغرية لك بتاتاً.
ولا تقتصر التجربة المتدهورة على فيسبوك وحده، ولا يمكن تفسيرها بسوء تصميم عابر أو بخوارزميات خرجت عن السيطرة.
فالإحساس بأن المنصات أصبحت أكثر فوضوية، وأكثر استفزازاً، وأقل فائدة، هو إحساس مشترك لدى ملايين المستخدمين حول العالم، وعلى منصات مختلفة في الوقت نفسه.
قد يعتقد معظمنا أن هذا التدهور نتيجة جانبية غير مقصودة للتطور التقني، أو ثمناً لا مفر منه لـ"مجانية" هذه الخدمات.
لكن ماذا لو لم يكن الأمر كذلك؟ ماذا لو لم تكن هذه التجربة السيئة خللاً، بل نتيجة مسار قصدي وممنهج؟
هنا تبرز فكرة قد تبدو صادمة للوهلة الأولى: ما نعيشه اليوم على الإنترنت ليس انحرافاً عن الهدف الأصلي للمنصات، بل تحقيقاً متدرجاً له.
فالتدهور لم يحدث رغم نجاح هذه المنصات، بل بفضله. ومن هذه النقطة بالذات، يمكن فهم كيف ولماذا تحولت مساحات رقمية وعدنا بأنها "ستقربنا من بعضنا البعض"، إلى ما يشبه مزابل رقمية يصعب مغادرتها، رغم استيائنا منها.
ماذا حدث فعلياً؟
صدر الصورة، Getty Images
لتفسير سبب تدهور التجربة على الإنترنت يوماً بعد يوم، صاغ الكاتب وناقد التكنولوجيا الكندي-البريطاني كوري دكتورو مفهوماً يمكن ترجمته (بصعوبة) إلى "التغويط الرأسمالي للمنصات" (Enshittification)، أي الانحطاط المنهجي للخدمات الرقمية تحت ضغط الربح.
فالأمر لا يقتصر على سوء التصميم أو تراجع ذائقة المستخدمين، إذ إن تدهور فيسبوك، وجزءاً كبيراً من الإنترنت، هو في نظر دكتورو نتيجة منطق بنيوي واضح.
وقد طور دكتورو هذا المفهوم في سلسلة مقالات، قبل أن يجمعها لاحقاً في كتاب يحمل العنوان نفسه.
ورغم فجاجة المصطلح لغوياً، فإن دكتورو يستخدمه بوصفه أداة تحليلية دقيقة لفهم كيف ولماذا تتحول منصات نشأت لتسهيل التواصل والمعرفة إلى فضاءات طاردة، مرهقة، ومشبعة بالمحتوى الرديء.
فالتدهور، وفق هذا الإطار، ليس نتيجة صدفة أو سوء إدارة، بل نتاج منطق اقتصادي واضح يحكم عمل هذه المنصات.
ويفسر دكتورو هذا التدهور عبر ثلاث مراحل أساسية.
في المرحلة الأولى، تكون المنصة "جيدة" لمستخدميها، إذ تستثمر أموال المستثمرين في تحسين التجربة، وتقدم خدمات جذابة، مع حد أدنى من الإعلانات أو الاستغلال.
بعد أن تنجح في جذب عدد كبير من المستخدمين، وتبني بينهم علاقات اعتماد متبادل تنتقل إلى المرحلة الثانية، حيث تبدأ بخدمة المعلنين والناشرين على حساب المستخدمين، عبر تعديل الخوارزميات وزيادة المحتوى المدفوع.
أما في المرحلة الثالثة، فتتحول المنصة إلى أداة لاستخلاص القيمة من الجميع: المستخدمين والمعلنين على حد سواء، بعد أن تكون قد أحكمت احتجازهم داخل نظامها، مستفيدة من صعوبة المغادرة وغياب البدائل الحقيقية.
فيسبوك: الحالة النموذجية
صدر الصورة، Verso
عند انطلاقه في منتصف العقد الأول من الألفية، قدم موقع فيسبوك نفسه بوصفه منصة تهدف إلى تسهيل التواصل بين الأصدقاء، مع تجربة استخدام بسيطة، ومحتوى يأتي في معظمه من الدائرة الاجتماعية المباشرة للمستخدِم.
ويقول دكتورو في كتابه إن فيسبوك، عند انطلاقه للجمهور العريض عام 2006، قدم عرضاً مغرياً للناس، قائلاً: "نحن ندرك أن معظمكم يستخدم بالفعل خدمة تواصل اجتماعي يستمتع بها تدعى ماي سبيس. لكن هل خطر ببالكم أن ماي سبيس مملوكة لملياردير أسترالي شرير يدعى روبرت مردوخ، وأنه يتجسس عليكم في كل ساعة من ساعات النهار؟ تعالوا إلى فيسبوك، حيث لن نتجسس عليكم أبداً".
لكن هذا الوعد، الذي شكل أحد أعمدة الجاذبية الأولى لفيسبوك، سيتبين لاحقاً أنه كان وهماً كاملاً.
فقد كشفت فضيحة "كامبريدج أناليتيكا" عام 2018 عن استخدام بيانات عشرات ملايين المستخدمين من دون علمهم أو موافقتهم، لأغراض سياسية وانتخابية، ما وضع المنصة في قلب واحدة من أكبر فضائح انتهاك الخصوصية في تاريخ الإنترنت.
في المرحلة الأولى من حياة فيسبوك، كانت المنصة، "التي بدأت كمنصة داخلية تتيح تقييم الطلاب الجذابين جنسياً في هارفرد"، تستثمر فائضها المالي في جذب المستخدمين وتثبيتهم، من دون ضغط إعلاني كثيف أو تدخل واسع في ترتيب المحتوى.
لكن مع وصول الموقع إلى كتلة حرجة من المستخدمين، وازدياد اعتمادهم عليه بوصفه مساحة أساسية للتواصل، بدأ التحول التدريجي نحو المرحلة الثانية: إعطاء الأولوية للمعلنين والناشرين، عبر تعديل الخوارزميات بما يخدم المحتوى القادر على تحقيق أكبر قدر من التفاعل، بغض النظر عن جودته أو قيمته.
ومع مرور الوقت، دخل فيسبوك المرحلة الثالثة من هذا المسار، حيث لم يعد التدهور يطال المستخدمين وحدهم، بل شمل أيضاً المعلنين وصناع المحتوى.
فبات الوصول إلى الجمهور أكثر كلفة، وأكثر خضوعاً لقواعد متقلبة، بينما استمرت المنصة في تعظيم أرباحها عبر استخلاص أكبر قدر ممكن من الانتباه والبيانات.
والنتيجة هي تجربة استخدام يشعر فيها كثيرون بأن المنصة لم تعد تخدمهم فعلياً، لكنها في الوقت نفسه أصبح من الصعب مغادرتها، بسبب تشابكها مع العلاقات الاجتماعية، والعمل، والإعلام، ما يجعل فيسبوك مثالاً حياً عن كيف يمكن لمنصة متدهورة أن تستمر في الحياة، لا بفضل جودتها، بل بفعل قدرتها على الاحتجاز.
منطق رقمي عام
صدر الصورة، Getty Images
ولا يقتصر هذا المسار على فيسبوك بوصفه منصة تواصل اجتماعي، بل يتكرر، مع اختلاف الأدوات، في منصات رقمية أخرى.
ففي حالة "أمازون" مثلاً، لا يقوم الاحتجاز على الروابط الاجتماعية، بل على آليات اقتصادية وتقنية، مثل اشتراك "برايم"، وأنظمة إدارة الحقوق الرقمية، وتسعير إقصائي دمر البدائل، قبل أن تتحول المنصة إلى وسيط يفرض رسوماً متزايدة على الباعة ويُفرغ نتائج البحث من معناها.
والتسعير الإقصائي هو سياسة تعتمدها شركة كبيرة لبيع السلع أو الخدمات بأسعار منخفضة جداً، أحياناً أقل من كلفة الإنتاج، ليس بهدف تحقيق ربح فوري، بل بهدف إقصاء المنافسين من السوق أو منعهم من الظهور أساساً.
أما "آبل"، فيشير كتاب دكتورو إلى أنها قدمت الآيفون كنموذج لـ"الحديقة المسورة" الآمنة، حيث جرى توظيف الجودة والخصوصية في البداية لجذب المستخدمين، قبل أن يتحول هذا الإغلاق إلى أداة لفرض عمولات مرتفعة، وتقييد المطورين، واستخلاص القيمة من نظام باتت مغادرته شبه مستحيلة.
وفي "تويتر" ("إكس" حالياً)، يتخذ التدهور شكلاً أكثر تسارعاً، إذ بدأت المنصة كنظام مفتوح قائم على مشاركة القيمة مع المستخدمين والمطورين، قبل أن تدخل، تحت ضغط الدين والاستخلاص السريع، مرحلة تدهور حاد أضعف الثقة وجودة المحتوى، من دون أن يؤدي إلى انهيارها، بسبب كلفة المغادرة العالية وصعوبة تفكيك الشبكات الاجتماعية.
هكذا، تظهر هذه الأمثلة الثلاثة أن "الانحطاط المنهجي للمنصات" ليس خللاً خاصاً بمنصة بعينها، بل منطقاً عاماً يحكم تحول المنصات الرقمية إلى بنى احتكارية تستمر في الحياة حتى وهي تفقد قيمتها.
الأسباب: "ليس تراجع عطارد"
صدر الصورة، Getty Images
قد يكون من المغري البحث عن تفسير واحد وسريع للتدهور المتزامن الذي تشهده المنصات الرقمية: انتهاء عصر "المال الرخيص"، أو غياب المؤسسين ذوي الرؤية، أو حتى، كما يقول دوكتورو ساخراً، تراجع كوكب عطارد.
غير أن هذه التفسيرات، رغم رواجها، تفشل في شرح لماذا يحدث هذا التدهور على نطاق واسع وبالوتيرة نفسها تقريباً.
فحين تتغير عشرات المنصات الكبرى في الاتجاه ذاته، وفي فترة زمنية متقاربة، لا يكون الأمر مجرد سلسلة أخطاء إدارية أو تحولات ظرفية، بل مؤشراً على خلل أعمق في البيئة التي تعمل ضمنها هذه الشركات.
هنا يقترح كوري دوكتورو تغيير زاوية النظر: بدل سؤال لماذا تدهورت هذه المنصة؟ يجب أن نسأل: ما الذي كان يمنعها سابقاً من التدهور؟
فالشركات، بطبيعتها، تميل إلى خفض الكلفة وتعظيم الأرباح إلى أقصى حد ممكن. وإذا لم تفعل ذلك دائماً، فليس بسبب التزام أخلاقي مفترض، بل لأن هناك قوى كانت تعاقب الرداءة وتكافئ الجودة.
طوال فترة طويلة، كانت هذه القوى حاضرة: منافسة حقيقية تتيح للمستخدمين والعمال والزودين المغادرة، وتنظيمات قانونية تفرض كلفة على الغش والاستغلال، وقدرة تقنية لدى المستخدمين على الالتفاف على القيود وابتكار بدائل، إضافة إلى عمال تكنولوجيا امتلكوا، لسنوات، هامشاً واسعاً من القوة والاعتراض.
ما يحدث اليوم، بحسب دوكتورو، هو تآكل هذه الضوابط مجتمعة. حين تضعف المنافسة، وتتراخى القوانين، يفقد عمال التكنولوجيا قدرتهم على الرفض أو المغادرة، تصبح المنصات قادرة على التدهور بلا ثمن يذكر.
عندها، لا يعود سوء التجربة نتيجة خلل عارض، بل نتيجة منطقية لبيئة لم تعد تمنع التدهور، بل تسمح به وتكافئه.
لماذا لا تموت هذه المنصات؟
صدر الصورة، Getty Images
قد يبدو منطقياً أن تختفي المنصات الرقمية عندما تتدهور إلى هذا الحد، كما يحدث مع أي منتج يفشل في تلبية حاجات مستخدميه.
غير أن ما يميز هذه المنصات هو أنها لا تعمل كسلع عادية في سوق تنافسية مفتوحة، بل كبنى تحتية رقمية يصعب الاستغناء عنها.
فمع مرور الوقت، لا تحتجز المنصة المستخدمين عبر جودة الخدمة، بل عبر شبكة العلاقات والاعتمادات التي تنشأ داخلها: الأصدقاء، والعمل، والمتابعة الإعلامية، وحتى الذاكرة الرقمية الشخصية.
ومع تراجع البدائل الحقيقية، تصبح مغادرة المنصة مكلفة اجتماعياً ونفسياً، لا تقنياً فحسب.
إلى جانب ذلك، تستفيد هذه المنصات مما يعرف بتأثيرات الشبكة، حيث تزداد قيمتها كلما ازداد عدد مستخدميها، ما يمنحها قدرة شبه احتكارية ويصعّب ظهور منافسين جدد.
كما تسمح لها سيطرتها على البيانات والخوارزميات بتعديل القواعد باستمرار، بما يضمن استمرار التدفقات الإعلانية حتى في ظل تذمر عام من التجربة.
وبهذا المعنى، لا تموت المنصات المتدهورة، ليس لأنها "ناجحة"، بل لأنها أصبحت جزءاً من البنية الرقمية اليومية، ما يجعلها قادرة على الاستمرار رغم تآكل الثقة والرضا.
ضد حتمية "الانحطاط"
صدر الصورة، Getty Images
يؤكد دوكتورو في الخاتمة أن التدهور الممنهج للإنترنت ليس مجرد نتيجة حتمية للرأسمالية، بل نتيجة تفكك القيود التي كانت تكبح جموح شركات التكنولوجيا الكبرى.
المشكلة ليست أن قادة هذه الشركات أصبحوا فجأة "أسوأ"، بل أن المنافسة، والتنظيم القانوني، وقابلية فك الارتباط التقني، وقوة العاملين في قطاع التكنولوجيا تآكلت، ما جعل استغلال المستخدمين أسهل وأسرع وأوسع نطاقاً.
هذا التحول لم يؤدِّ فقط إلى تجربة رقمية رديئة، بل إلى فضاء رقمي معاد للعمل السياسي والتنظيم الجماعي. فالإنترنت الذي ساهم يوماً في نشوء حركات احتجاجية كبرى (مثل احتلوا وول ستريت وحياة السود مهمة) بات اليوم يعيق استمراريتها، بنظر الكاتب.
ورغم أن الإنترنت ليس القضية الأهم مقارنة بالكوارث الكبرى في العالم، كما يقول، إلا أنه يظل "الساحة التي ستخاض عليها هذه المعارك".
في المقابل، يرفض دوكتورو الحنين إلى الماضي، ويدعو إلى بناء إنترنت "جديد وأفضل": "يجمع بين روح الاستقلال والسيطرة التي ميزت الإنترنت القديم، وسهولة الاستخدام التي سمحت بمشاركة أوسع".
ويشدد على أن القوانين والضغط الجماعي، حتى إن لم تجبر الشركات على التعامل بأخلاق، يمكنها أن تجبرها على التصرف بعدالة على الأقل. فكما يقول: "التدهور ليس قدراً، ومقاومته ممكنة وضرورية"
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير

