
إطلاق قمر صناعي.jpg
الدوحة - قنا
في الوقت الذي يتغنى فيه العالم بمنجزات الثورة الصناعية الرابعة، والخوارزميات والذكاء الاصطناعي والتي باتت تشكل شرايين الحياة للاقتصادات الحديثة، بدأت تلوح في الأفق نذر أزمة من نوع فريد، فلم تعد المخاطر التكنولوجية محصورة في "اختراق بيانات" أو "فيروس حاسوبي" عابر، بل بات الحديث اليوم "وفق تقرير دولي"، يشير إلى احتمال وقوع "جائحة رقمية" قد تشل أركان الحضارة المعاصرة في لحظات، وذلك نتيجة هشاشة الأنظمة الرقمية المترابطة عالميا.
وقد حذر خبراء دوليون في التقرير الذي أصدره الاتحاد الدولي للاتصالات ومكتب الأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث ومعهد العلوم السياسية تحت عنوان:" عندما تفشل الأنظمة الرقمية: المخاطر الخفية لعالمنا الرقمي"، من أن القوة العظمى للتكنولوجيا الرقمية، وهي "الترابط العالمي الشامل"، هي نفسها مكمن الخطر الأكبر، حيث إن اعتماد العالم على بنية تحتية مركزية وحساسة، يجعل من تعطل جزء بسيط منها كارثة متسلسلة.
وقال الدكتور عارف التميمي مدير أول بمعهد قطر لبحوث الحوسبة التابع لجامعة حمد بن خليفة، في حديث لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، إن الجائحة الرقمية أو الوباء الرقمي هو سيناريو تتعطل فيه البنية التحتية الرقمية التي يقوم عليها عالمنا المترابط، فالحياة الحديثة تعتمد على منظومة مادية معقدة تشمل مراكز البيانات الضخمة، وشبكات الألياف الضوئية، التي تنقل المعلومات بسرعة فائقة خلال كابلات بحرية ممتدة عبر المحيطات، ولاسلكيا عبر الأقمار الاصطناعية في مداراتها، إضافة إلى أنظمة الطاقة التي تُبقي هذه الخدمات الحيوية قيد التشغيل، وهذه المنظومات لا تنقل البيانات فحسب، بل تدير الاتصالات والتحويلات المالية ووسائل النقل والرعاية الصحية، وكثيراً من تفاصيل حياتنا اليومية.
وفكرة تعطل هذه البنية التحتية تشبه "الجائحة” التقليدية من حيث الانتشار السريع والتأثير العابر للحدود، لكن العامل المسبب هنا يكون رقمياً، فهشاشة البنية التحتية بالرغم من شدة الترابط بين عناصرها تمكن أي كارثة طبيعية أو هجوم سيبراني من إحداث سلسلة من التأثيرات المتتابعة والتي قد تتجاوز موقع الخلل نفسه. وعلى خلاف الكوارث التقليدية كالأعاصير والزلازل، فإن الكوارث الرقمية لا تُرى بالعين المجردة ولا تسبقها صفارات إنذار، بل تظهر فجأة عبر توقف الأنظمة والخدمات بشكل متزامن ومربك.
ويرى الدكتور التميمي أننا اليوم أقرب لهذا السيناريو مقارنة بما كنا عليه قبل عقدين من الزمن، ليس لأن التكنولوجيا أصبحت أضعف، بل لأن العالم أصبح أكثر اعتماداً وترابطاً رقمياً، ففي السابق، كان تعطل نظام معين يؤثر على قطاع محدود نسبياً، أما اليوم فهناك اعتماد وترابط متبادل بين الخدمات السحابية، والأقمار الاصطناعية، ومراكز البيانات، وأنظمة الذكاء الاصطناعي، مما يجعل أي خلل قادراً على الانتشار بسرعة عبر قطاعات متعددة.
وعن أبرز نقاط الضعف الهيكلية في الأنظمة الرقمية المترابطة عالمياً ، أوضح الدكتور التميمي أن التقرير الدولي الصادر من الاتحاد الدولي للاتصالات وهو وكالة تابعة للأمم المتحدة ومتخصصة في مجال التقنيات الرقمية ، أشار إلى أن المجتمعات الحديثة أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على الأنظمة الرقمية في إدارة مختلف جوانب الحياة اليومية، دون الحفاظ على المهارات التقليدية أو تطوير بدائل تشغيل غير رقمية يمكن اللجوء إليها عند الطوارئ، الأمر الذي يزيد من هشاشة هذه الأنظمة في حال تعرضها لأي اضطراب واسع النطاق.
وأضاف أنه بالرغم من التقدم التقني الكبير، فإن البنية الرقمية العالمية لا تزال تعاني من نقاط ضعف هيكلية جوهرية، أبرزها الاعتماد الذي يكاد يكون كلياً على البنية التحتية الرقمية، بالرغم من محدودية مزودي الخدمات السحابية ومراكز البيانات الكبرى والكابلات البحرية وأنظمة إدارة النطاقات العالمية، وعدم وجود أنظمة احتياطية، فأي تعطيل قد يمتد تأثيره بسرعة إلى نطاق واسع، مما يؤدي إلى اضطراب أو توقف خدمات وأنشطة يعتمد عليها ملايين المستخدمين والمؤسسات حول العالم.
ونوه إلى أن الأنظمة الرقمية الحديثة تتسم أيضاً بدرجة عالية من الاعتماد المتبادل، إذ ترتبط القطاعات الحيوية ببعضها البعض بشكل عميق، فالبنوك تعتمد على الأقمار الاصطناعية وأنظمة التوقيت الدولية، والطيران يعتمد على أنظمة الملاحة ( جي بي اس)، بينما تعتمد المستشفيات والمصانع على الحوسبة السحابية وأنظمة التحكم المتصلة، ما يعني أن تعطل عنصر أساسي قد يؤدي إلى سلسلة من التأثيرات المتتابعة تشبه "تأثير الدومينو"، إلى جانب ذلك التعقيد التقني الهائل لهذه الأنظمة، حيث أصبحت الاتصالات الداخلية والترابط بين مكونات الشبكة وبرمجياتها معقدة إلى درجة قد تجعل خطأً بسيطاً، كتحديث برمجي خاطئ أو خلل في نظام مصادقة سيبرانية أو حتى خطأً بشري محدود، سبباً في اضطرابات واسعة النطاق تتجاوز الحدود الجغرافية.
وعن حجم الاضطراب المتوقع في الاتصالات والوقت الذي يستغرقه التعافي في حال سيناريو انقطاع الكابلات البحرية الرئيسية، أوضح الدكتور عارف التميمي، أن انقطاع الكابلات البحرية الرئيسية يعتبر أحد أخطر التهديدات المحتملة للبنية الرقمية العالمية، نظراً لأن هذه الكابلات والتي يبلغ طولها حوالي 1.2 مليون كيلومتر، تمثل شبكة المعلومات العالمية، والتي يبلغ عددها نحو 600 كابل مُخطط لها أو قيد التشغيل حاليًا في جميع أنحاء العالم، وهي تنقل ما يزيد على 95 من حركة البيانات الدولية، بما يشمل خدمات الإنترنت، والتحويلات المالية، والاتصالات العابرة للحدود، إضافة إلى خدمات الحوسبة السحابية التي تعتمد عليها المؤسسات والأفراد حول العالم، وعند تعطل عدد ولو بسيط من هذه الكابلات الرئيسية، فقد يؤدي ذلك إلى بطء شديد أو انقطاع جزئي في الاتصالات بين القارات، وارتفاع كبير في تكاليف الاتصال، فضلاً عن اضطراب الأسواق المالية والخدمات الرقمية الفورية، وقد يصل الأمر إلى توقف بعض الخدمات السحابية العالمية في المناطق التي تعتمد بشكل مباشر على شبكات الألياف البصرية.
وقال "إن مدة التعافي من مثل هذه الحوادث تختلف بحسب المواقع الجغرافية للكابلات وعمق المنطقة البحرية المتضررة وعدد الكابلات المتأثرة، إلى جانب الظروف الجيوسياسية المحيطة بعمليات الإصلاح، وبالرغم من إمكانية معالجة بعض الأعطال خلال أيام قليلة، فإن الأعطال الأكثر تعقيداً، هي التي تكون في أعماق البحار أو في المناطق التي تشهد توترات ونزاعات، فقد يستغرق الوضع أسابيع أو حتى أشهراً قبل استعادة الخدمة بشكل كامل".
أما تعطل الأقمار الاصطناعية، سواء نتيجة هجمات سيبرانية أو عسكرية أو بسبب ظواهر طبيعية مثل العواصف الشمسية، فقد يؤدي إلى سلسلة واسعة من التأثيرات المتتابعة على الخدمات الحيوية، فالأقمار الاصطناعية لا تقتصر وظيفتها على الاتصالات والبث، بل تشكل جزءاً أساسياً من البنية التحتية الرقمية العالمية، خاصة في مجالات الملاحة وتحديد المواقع وتوفر التوقيت الدقيق باعتمادها على ساعات ذرية دقيقة للغاية، مما يتيح مزامنة الوقت، كما تعتمد عليها أنظمة الملاحة الجوية والبحرية والبرية بشكل كبير في خدمات ال (جي بي اس)، ما يعني أن أي اضطراب فيها قد يؤثر مباشرة على حركة الملاحة والشحن والنقل، كما تعتمد شبكات الاتصالات والإنترنت في العديد من المناطق، خصوصاً النائية، على الأقمار الاصطناعية لتوفير الاتصال والإنترنت واستمرارية الخدمة، فأي خلل في هذه الأقمار قد يؤدي إلى انقطاع الاتصالات أو تراجع كفاءتها بشكل كبير .
أما في القطاع المالي، فتعتمد البنوك وأسواق المال على إشارات التوقيت الدقيقة القادمة من الأقمار الاصطناعية لتنفيذ العمليات والمعاملات المالية ومزامنة الشبكات، ما يجعل أي اضطراب في هذه الأنظمة قادراً على التسبب في تأخير التحويلات المالية، وتعطل في عمليات التداول، وظهور أخطاء تقنية تؤثر على استقرار الخدمات المالية، ولا تكمن خطورة هذه السيناريوهات فقط في العطل المباشر، بل في التأثيرات المتسلسلة التي قد تمتد إلى قطاعات الطاقة والنقل والخدمات الصحية وسلاسل الإمداد، مما قد يحول حادثاً تقنياً محدوداً إلى أزمة واسعة النطاق تمس مختلف جوانب الحياة اليومية.
وعن الأولويات الدولية المطلوبة خلال السنوات الخمس المقبلة لتجنّب سيناريو "الجائحة الرقمية"، قال الدكتور محمد سعيد السقطري خبير التكنولوجيا والأمن السيبراني في تصريح لوكالة الأنباء القطرية " قنا "، إن من الضروري وضع ضوابط ومعايير تتفق عليها جميع الدول من خلال هيئة الأمم المتحدة لضبط استخدام البنية التحتية الرقمية ومراكز البيانات وشبكة الاتصالات، سواء عن طريق الكابلات بمختلف أنواعها أو عن طريق الأقمار الاصطناعية للحفاظ على البيانات من الوصول لغير المصرح لهم وفي حجب البيانات والخدمات عن الجمهور أو في نزاهة البيانات، وهذا لن يتم إلا بالتعاون الدولي وحفظ حقوق الدول في حفظ وتأمين البيانات وتبادل المعلومات التي تساهم في حماية البنية الرقمية قبل وقوع الحوادث السيبرانية.
وعن مدى وجود إرادة سياسية حقيقية للتعاون العالمي في هذا المجال، أكد الدكتور السقطرى وجود الإرادة السياسية ، لكنها على أرض الواقع غير معتمدة، حيث لا يزال هناك احتكار للبنية التحتية الرقمية للذكاء الاصطناعي، وقال إن التعاون لا يزال ضعيفا، حيث يتم استهداف البنية الرقمية في الخلافات السياسية والحروب الدولية والتي تؤثر بدورها على البنية التحتية الرقمية.
وحول كيفية قيام الدول بحماية مصالحها الرقمية في ظل وجود الكابلات البحرية في مياه دولية أو مناطق نزاع، أوضح الدكتور السقطري أن كابلات الإنترنت الموجودة في أعماق البحر تشكل أساس الاتصالات بين جميع الدول ومراكز البيانات ، وتعد من الأدوات المستهدفة في حال وقوع الخلافات، فلذلك لا بد من توفير أكثر من قناة اتصال لضمان توفر الاتصالات عن طريق التعاون بين مراكز البيانات المختلفة محليا في الربط الداخلي لجميع المؤسسات والهيئات لضمان توفر الخدمات محليا، وأيضا التعاون بين دول المنطقة في الربط بين أكثر من كبل بحري، لضمان توفر الاتصال في حال وقوع انقطاع، بالإضافة إلى الاعتماد على الأقمار الاصطناعية لأهم القطاعات ومراكز البيانات لضمان الوصول للبنية التحتية الرقمية، وعمل اختبارات سنويا لتأكيد وضمان خطط الطوارئ في حال انقطاع الخدمات الإلكترونية.
وعن دور التوتر الجيوسياسي بين القوى العظمى في زيادة هشاشة الأنظمة الرقمية العالمية، أكد خبير التكنولوجيا والأمن السيبراني، أن الأنظمة الرقمية تعد ركيزة أساسية لتطوير الدول، ويتم استهدافها في الخلافات السياسية وأيضا يتم احتكار امتلاك التقنيات الجديدة والتسارع لكسب أفضل التقنيات بين الدول دون الاهتمام بمصلحة المجتمعات الأخرى، لذلك يجب بناء البنية الرقمية محليا وتطوير مهارات المهندسين بنفس المجال، لتوفير أنظمة رقمية معتمدة، تنافس الدول الأخرى، أي تعتبر سلاحاً يجب امتلاكه عن طريق اكتساب التقنية محلياً وعدم الاعتماد على الغير.
وحول الفرق بين "الأمن السيبراني" و "المرونة الرقمية"، يرى الدكتور السقطري أن الأمن السيبراني يعتمد على النزاهة في البيانات، من تخزين وحفظ وإرسال وتوفرها في كل وقت وسريتها، أي حماية البيانات والشبكات من الاختراق والهجوم، لكن المرونة الرقمية تعتمد على استمرار الخدمات وتوفرها في حال وقوع الهجوم أو الاختراق، أي لا يمكن منع الهجوم بشكل كامل، لكن يجب أن تكون هناك خطة لاسترجاع البنية الرقمية في وقت قصير لضمان استمرارية توفر البيانات والخدمات الإلكترونية المعتمدة على البنية التحتية الرقمية.
وحول فكرة وجود "حقيبة طوارئ رقمية" للمؤسسات الكبرى، وأهم العناصر الواجب توافرها فيها لمواجهة انقطاع عالمي مفاجئ، نصح الدكتور السقطري بضرورة وجود نسخ احتياطية في مختلف مراكز البيانات داخل وخارج الدولة، لدعم استرجاع البيانات بوقت محدد متفق عليه، لتمكين الوصول للبيانات والخدمات الإلكترونية، وتوفر عدة كابلات بحرية بين الدول ومراكز البيانات محلياً ودولياً، بالإضافة لتوفير الاتصالات بالأقمار الاصطناعية لضمان استمرارية الاتصال، كما نصح بوضع خطط استجابة وضمانة لاستمرار العمليات بدون توقف واختبارها وتدريب الموظفين عليها بشكل دوري سنوي.
اقرأ المزيد
مساحة إعلانية
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير







