اخبار العرب -كندا 24: الجمعة 12 يونيو 2026 03:51 صباحاً (CNN)-- على نتوءٍ صخري في شبه جزيرة إيزو اليابانية، يبعد مسبح "كورونويوا-بورو" مسافة قصيرة جدًا من المحيط الهادئ، لدرجة أنّ الأمواج المتلاطمة على الصخور المجاورة تبدو وكأنّها على بُعد خطوات فقط.
يقع النبع الحار في ميناء صيد صغير في "هوكاوا أونسن"، وهي من البلدات التي تُذكر كثيرًا في التقارير الإخبارية التي تتناول شيخوخة السكّان المتسارعة في اليابان، أي مكان يغادره الشباب بحثًا عن فرص عمل أفضل في مناطق أخرى.
هذا ليس مكانًا تتوقّع أن تصادف فيه سائحًا غربيًا خلال ظُهر يوم إثنين.

لذا فوجِئت ميكي ليندون، الخبيرة في الينابيع الساخنة اليابانية، عندما رأت امرأة أجنبية تدخل منطقة الاستحمام في المنشأة.
وبعدما ألقت نظرة سريعة حولها، توجهت المرأة مباشرة إلى مصدر المياه، حيث تتدفق من أحد الأنابيب بدرجات حرارة تتجاوز 50 درجة مئوية.
ومن دون تردد، بدأت تغرف المياه بيديها وتسكبها على جسدها.
وسرعان ما صرخت بينما كانت تقفز في حالة من الارتباك: "حار! إنّه حار جدًا!".
كانت المرأة الأجنبية تمارس ما يُعرف باسم "كاكييو"، أي شطف الجسد قبل الاستحمام، وهو أمر يفعله الجميع.
لكن يبدو أنّ لافتة مكتوبة باللغة الإنجليزية بصياغة غير موفقة عند مدخل الينبوع الحار أربكتها، إذ جاء فيها: "يرجى سكب الماء الساخن على نفسك قبل الاستحمام".
ومن الناحية التقنية، التزمت المرأة بتعليمات اللافتة، لكن ليس بالمقصود منها.
قد يهمك أيضاً
وأوضحت لها ليندون ما كان يُفترض بها القيام به، فقالت لها: "لا تستخدمي تلك المياه، ستحرقين نفسك! استخدمي الدلو وخذي الماء من الحوض، لا من المصدر".
توقفت المرأة للحظة، وقالت: "هذا ما كانت تعنيه اللافتة إذًا!".
شهدت ليندون مواقف كهذه باستمرار أثناء تنقلها في أنحاء اليابان.
تزخر الينابيع الحارة اليابانية الشهيرة، أو الـ"أونسن"، بالكثير من التفاصيل الخفية التي قد تربك الزوار، بدءًا من مسألة العري والوشوم، وصولًا إلى مجموعة من القواعد غير المكتوبة.
كان ذلك جزءًا ممّا جذب ليندون إلى هذا العالم، فرُغم أنّها وُلدت ونشأت في اليابان، إلا أنّها أمضت معظم سنوات حياتها البالغة في الولايات المتحدة.
وعندما عادت إلى وطنها وجدت نفسها تستكشف ثقافة الـ"أونسن" من جديد، وكأنّها زائرة للمرة الأولى.
ومع تعمّقها في هذا العالم، أرادت أن يتمكّن الزوّار الأجانب من الاستمتاع بالينابيع الحارة كما ينبغي.
ولهذا السبب أصبحت ليندون خبيرة معتمدة في الينابيع الحارة.
وقد قطعت أكثر من 3 آلاف كيلومتر، من هوكايدو إلى أوكيناوا، بحثًا عن أكثر الينابيع الحارة تميّزًا. ووصل الأمر لدرجة أنّها عملت في نُزلٍ تقليدي للينابيع الحارة، الأمر الذي يعكس شغفها الكبير.
لِمَ كل هذه الصرامة؟
قد تجد مرافق الينابيع الساخنة صعوبةً في التعامل مع الأجانب غير الملمّين بالتقاليد والعادات المحلية.
تستقبل بعض الأماكن على سبيل المثال أعدادًا متزايدة من الزوار الأجانب بوتيرةٍ أسرع بكثير من قدرتها على توظيف أشخاص يتحدثون اللغة الإنجليزية.

ورُغم سعادة الموظفين باستقبال الضيوف الأجانب، إلا أنّهم كثيرًا ما يواجهون صعوبةً في استيعابهم بشكلٍ مريح.
وتكمن المشكلة الرئيسية في أنّ الإقامة بنُزل تقليدي للينابيع الحارة تختلف تمامًا عن الإقامة في فندق غربي.
قد يهمك أيضاً
إذ بإمكانك بسهولة حجز غرفة عبر مواقع الإنترنت، لكن تلك المواقع لا تشرح عادةً القواعد والعادات غير المعلنة المتعلقة بتجربة الإقامة.
أولًا، تعمل نُزل الـ"أونسن" وفق جدولٍ زمني صارم يكاد يشبه الطابع العسكري.
هناك أوقات محددة لتسجيل الوصول، وتناول العشاء، والاستحمام، والإفطار، ومن ثمّ تسجيل المغادرة، وعليك الالتزام بهذه المواعيد بدقة.
وقد تتساءل: "إنّها عطلتي، فلماذا كل هذه الصرامة؟".
الإجابة تعود إلى مفهوم الضيافة الياباني، وشرحت ليندون: "ترغب النُزل بمعرفة موعد وصولك بدقة حتى يكون الموظفون مستعدين تمامًا لاستقبالك، ولكي يُقدَّم لك الشاي والحلويات طازجة. كما يُقدَّم العشاء في وقتٍ محدد لضمان تقديم الوجبة متعدّدة الأطباق في أفضل حالاتها وفي التوقيت المثالي".
أمّا أحواض الاستحمام، فيجب أيضًا الحفاظ عليها في حالة مثالية، مع توفير الكمية المناسبة من المياه وبدرجة الحرارة الملائمة عند وصول الضيف.
العري والوشوم
من أكثر الأسئلة التي يطرحها الأجانب: لماذا يدخل اليابانيون الينابيع الساخنة عراة بالكامل؟ أليس من الأنسب ارتداء ملابس السباحة، خصوصًا في الأحواض المختلطة؟
توضح ليندون، بأنّ هذا التقليد يعود إلى قرون طويلة، وترتبط جذوره بالصحة، والثقافة، والأعراف الاجتماعية.
كان العري الجماعي أمرًا طبيعيًا في السابق، وكانت الأحواض المختلطة شائعة، كما أنّ النُزل لم تكن تمتلك دائمًا الإمكانات اللازمة لتوفير مرافق منفصلة للرجال والنساء.
لكن خلال السبعينيات، أدت المفاهيم الغربية المتعلّقة بالأخلاقيات إلى فرض حظر على الاستحمام المختلط في مختلف أنحاء البلاد.
ومع ذلك، استمرت هذه الممارسة بهدوء في بعض الأحواض الواقعة على ضفاف الأنهر، لا سيما في المناطق الريفية البعيدة عن الرقابة الصارمة.
ومن القضايا الأخرى التي تثير اهتمام الأجانب مسألة الوشوم، إذ تضع العديد من مرافق "أونسن" لافتات تفيد بعدم السماح بدخول أصحاب الوشوم.
الأمر ليس عشوائيًا، وشرحت ليندون: "الوشوم في اليابان تتمتّع بتاريخٍ طويل ومعقّد، فقد ارتبطت في السابق بعصابات ياكوزا، وكانت تُعد علامة على الانتماء إلى الجرائم المنظمة. لهذا السبب كانت الكثير من مرافق الينابيع الحارة ترفض استقبال أصحاب الوشوم لتجنّب أي مشاكل محتملة".
لكن أصبحت الوشوم شائعة جدًا في مختلف أنحاء العالم، ما جعل القواعد القديمة أكثر صعوبة في التطبيق بالنسبة للنُزل الحديثة.
وقد أصبحت بعض المرافق أكثر تقبّلًا لأصحاب الوشوم مع تغير الزمن، بينما تواصل أخرى منعها ببساطة لأنّ ذلك أسهل بالنسبة لها.
راقب الأجواءفي اليابان، نادرًا ما يخبرك الأشخاص مباشرةً إذا كنت ترتكب خطأً ما.
على سبيل المثال، إذا لامست منشفتك مياه الحوض أو تدلى شعرك الطويل داخل الماء (والأمران يعتبران خطأ)، فلن يوبخك أحد، بل قد يبتعدون بهدوء.
كما أنّ غسل الجسم وشطفه جيدًا في منطقة الاستحمام قبل دخول الحوض أمر أساسي للحفاظ على نظافة المياه.
وتُعد السلوكيات العامة من المسائل الحساسة أيضًا.
وقالت ليندون في هذا الشأن: "أحيانًا أرى سُيّاحًا أجانب يصلون إلى أونسن بحماس مفرط، وكأنّهم على وشك القفز في الماء وجعله يتطاير في كل اتجاه".
في الحقيقة، يشاركهم الكثير من اليابانيين هذا الشعور، لكن قد يزور آخرون هذه الأماكن بهدف الاسترخاء والاستمتاع بلحظات من السكينة والتأمل.
وغالبًا ما يقول اليابانيون: "راقب الأجواء"، أي انتبه إلى الحالة العامة حولك.
وإذا كان الجميع يسترخون بصمت، فاقتدِ بهم، أمّا إذا كانت الأجواء غنية بالأحاديث والضحكات، فلا تتردد في المشاركة.
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير






