اخبار العرب -كندا 24: الجمعة 5 يونيو 2026 04:27 صباحاً (CNN) -- كثيراً ما تعتذر النساء حتى عندما لا يكون هناك ما يستدعي الاعتذار. على سبيل المثال يقلن "أنا آسفة إذا كان هذا سؤالًا غبيًا"، "أنا آسفة على إزعاجك"، "أنا آسفة، لم أفهم"، "أنا آسفة، لكنني لا أبادلك الاهتمام".
لكن، لماذا تعتذر النساء كثيرًا، ولماذا لا يفعل الرجال الشيء ذاته؟ وهل ينبغي لهم ذلك؟
أشار عالم النفس ستيفن هينشو إلى أن السبب الجذري للإفراط في الاعتذار لدى النساء يعود إلى "مجموعة مستحيلة من التوقعات" المفروضة على الفتيات.
أجرى هينشو، وهو أستاذ متميز في علم النفس بجامعة كاليفورنيا في مدينة بيركيلي الأمريكية، حلقات نقاش لدراسة هذه الظاهرة، واكتشف ما أسماه "القيد الثلاثي" المفروض على الفتيات، حيث وجد أنهن يُتوقع منهن أن يكنّ:
- عطوفات ومهتمات بالآخرين.
- تنافسيات وطموحات.
- جذابات ومحبوبات.
وفي الوقت ذاته، يُفترض أن يحققن كل هذه التوقعات بسهولة ومن دون جهد يُذكر.
وقال هينشو، الذي يعمل أيضًا أستاذًا للطب النفسي والعلوم السلوكية بجامعة كاليفورنيا في مدينة سان فرانسيسكو الأمريكية: "كيف يمكنك أن تكوني تنافسية، ومتفانية تمامًا للآخرين، ومتعاطفة، وجذابة جنسيًا بلا عناء؟ لا يمكنك ذلك. إنه أمر مستحيل. لكن إذا كانت هذه هي توقعات الثقافة من حولك، فسوف تستبطنين شعور الفشل".
وأوضح هينشو أن توقعات "القيد الثلاثي" قد تتجلى كانعكاس لتصورات الآخرين. فآراء الآخرين وتوقعاتهم يمكن أن تزرع الشك في جوانب مختلفة من شخصيتك.
ورأى أن هذا الأمر أصبح واضحًا اليوم أكثر من أي وقت مضى.
فعندما شارك في تأليف كتاب "The Triple Bind: Saving Our Teenage Girls From Today's Pressures and Conflicting Expectations" (القيد الثلاثي: إنقاذ فتياتنا المراهقات من ضغوط اليوم وتوقعاته المتضاربة) عام 2009، كانت معدلات الإصابة بالاكتئاب، والقلق، واضطرابات الأكل، وإيذاء الذات بين الفتيات المراهقات في تزايد. لكن مع مرور الوقت، أظهرت الإحصاءات أن هذه الاتجاهات "تتفاقم باستمرار".
وأضاف في رسالة إلكترونية أن انتشار وسائل التواصل الاجتماعي القائمة على المقارنة، حيث يشاهد المراهقون ما يبدو أنه الكمال لدى أقرانهم، فيقارنون أنفسهم بهم بصورة سلبية، إلى جانب آثار الجائحة والشعور المتزايد باليأس عمومًا، كلها عوامل دفعت هذه الإحصاءات المأساوية إلى مستويات أعلى".
عندما لا يكون هناك ما يستدعي الاعتذارولفتت ألي هول، وهي مساعدة تنفيذية تبلغ من العمر 26 عامًا في جورجيا، إلى أنها تميل إلى الاعتذار حتى عندما تطلب المساعدة من شخص ما، رغم أن ذلك قد يكون جزءًا من عمله.
وقالت إنها تشعر بالذنب لأنها "تضيف إلى ضغوطهم".
وأضافت: "أنا فقط أولي اهتمامًا كبيرًا للآخرين، ولا أريد أن أكون مصدر إزعاج لهم. لذلك أعتذر في كل الأحوال تقريبًا".
حتى في المواقف التي لا تستدعي الاعتذار، تجد بعض النساء أنفسهن يرددن هذه الكلمات. ورأى الخبراء أن التوقّع الاجتماعي بأن تكون المرأة متعاطفة يجعلها تعتذر أحيانًا حتى عن مشاعر شخص آخر.
وقال هينشو: "لا عجب أن تشعر النساء بأنهن إذا كنّ حازمات للغاية، فربما لم يكنّ متعاطفات بما يكفي. لذلك يتعاملن بحذر شديد حتى مع الحزم المناسب، لأن ذلك قد يهدد توازن هذه الصور النمطية الجندرية".
قد يهمك أيضاً
قالت كارينا شومان، الأستاذة المشاركة في علم النفس الاجتماعي بجامعة بيتسبرغ، إنه ليس صحيحًا بالضرورة أن الرجال لا يعتذرون.
وتتخصص شومان في دراسة سيكولوجية الاعتذار، وقد شاركت في دراسة عام 2010 أظهرت ما تسميه "فرضية العتبة"، والتي تفيد بأن الرجال يضعون عتبة أعلى لتحديد ما إذا كان سلوك ما مسيئًا ويستحق الاعتذار.
وأوضحت شومان: "يبدو أن هناك عددًا أكبر من المواقف التي تتجاوز عتبة الاستحقاق للاعتذار بالنسبة للنساء. لكن عندما يرى الرجال أن سلوكًا ما مسيء فعلًا، فإنهم يكونون مستعدين للاعتذار بالقدر ذاته".
وأضافت أن الصورة النمطية التي تقول إن الرجال لا يعتذرون أبدًا قد تعود إلى اختلاف إدراكي أو معرفي بين الجنسين.
في الدراسة، طُلب من المشاركين الإبلاغ عن المواقف التي تعرضوا لها، وما إذا كانوا قد اعتذروا أم لا. وأظهرت النتائج أن النساء أبلغن عن عدد أكبر من المواقف والاعتذارات عمومًا، لكن نسبة الاعتذار مقارنة بعدد المواقف كانت متساوية تقريبًا بين الرجال والنساء.
كما طُلب من المشاركين تقييم مواقف افتراضية وأخرى حقيقية متشابهة. وعند النظر إلى الموقف نفسه، كانت النساء أكثر ميلًا لاعتباره أكثر خطورة وأكثر استحقاقًا للاعتذار مقارنة بالرجال.
قد يهمك أيضاً
أشارت شومان إلى أن الأشخاص الذين يعتذرون أكثر يُنظر إليهم عادة على أنهم يراعون مشاعر الآخرين، ويتحلون بالدفء، والتعاون، والحب، بصرف النظر عن جنسهم.
في دراسة أجرتها عام 2023، وجدت أن هذا ينطبق سواء كان الاعتذار مستحقًا بالفعل أو حتى في المواقف الغامضة التي قد لا تتطلب اعتذارًا.
لكن هؤلاء الأشخاص يُنظر إليهم أيضًا على أنهم أقل حزمًا ونفوذًا بدرجة بسيطة. فكثيرًا ما يُفسر الإفراط في الاعتذار على أنه علامة على عدم الكفاءة، أو الضعف، أو حتى سلوك مزعج.
رأت شومان أن هذا قد يؤثر على النساء بصورة أكبر، خاصة أنه يُنظر إليهن أصلًا في بعض الأحيان على أنهن أقل كفاءة، أو سُلطة، أو حزمًا، خاصة في بيئات العمل.
أشار هينشو إلى فجوة القوة والتمثيل القيادي، إذ أنه في عام 2025، لم تتجاوز نسبة النساء في المناصب التنفيذية العليا 29%، وهي النسبة ذاتها تقريبًا مقارنة بالعام السابق.
رغم أن حركة حقوق المرأة والتقدّم نحو المساواة بين الجنسين جعلا النساء أكثر راحة في التعبير عن أنفسهن بحزم مناسب، إلا أن الطريق ما زال طويلًا.
وقال هينشو: "لا يزال هناك معيار اجتماعي يرى أن المرأة يجب أن تكون خاضعة للرجل، وأن تعتذر عن أمور يعتبرها معظم الناس مجرد تعبير طبيعي ومشروع عن الذات ولا تستدعي الاعتذار".
ما هو الاعتذار الحقيقي؟رأى كل من شومان وهينشو أن الاعتذار يمكن النظر إليه بطريقة أخرى، باعتباره فعلًا من أفعال التواضع والتعاطف. فالاعتذار قد يكون وسيلة قيّمة للتواصل مع الآخرين، وتوضيح النوايا، وجعل الناس يشعرون بأن هناك من يسمعهم، ويفهمهم، ويقدَّرهم.
لكن كلمات "أنا آسف أو أنا آسفة" قد لا تكون كافية دائمًا. وعندما يُفرط الناس في استخدام الاعتذار في مواقف لا تستدعيه، فإنهم يقللون من قيمته عندما يكون الاعتذار مطلوبًا حقًا.
رأت هول أن الاعتذارات تبدو أقل صدقًا عندما تُستخدم باستمرار. وبالنسبة لها، فإن الاعتذار الحقيقي لا يقتصر على الكلمات، بل يتجسد في تغيير السلوك بعد ذلك، وهو أمر لا ينطبق عندما تعتذر لمجرد طرح سؤال أو طلب مساعدة.
وقالت شومان: "كونوا أكثر وعيًا بموعد الاعتذار. حاولوا ألا يكون الاعتذار مجرد رد فعل تلقائي، بل اسألوا أنفسكم: هل فعلت شيئًا في هذا الموقف يستحق الاعتذار فعلًا؟"
أما هينشو فيشجع الجميع، بصرف النظر عن الجنس، على التعامل مع المواقف بمزيد من التواضع.
وقال: "قد يمنعنا التواضع من الإفراط في الاعتذار، والمبالغة في ردود الأفعال، أو الترويج لأنفسنا. لو كنا جميعًا أكثر تواضعًا بشأن ما نحتاج إلى تعلمه وما يمكن أن نتعلمه من الآخرين، فقد يكون ذلك حلًا يتجاوز مجرد الاعتذار أو الإفراط في الحزم".
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير







