اخبار العرب -كندا 24: السبت 23 مايو 2026 09:15 صباحاً (CNN) -- في صباح مشرق من شهر أبريل/نيسان الماضي، زار راسل وغايل لي "جزيرة نول" لأول مرة في حياتهما.
كان الزوجان على متن رحلة "فايكينغ" البحرية العالمية للعام 2023-2024، على بعد نحو 612 كيلومترًا من ساحل غرب إفريقيا، يقتربان من الإحداثيات 0 درجة خط عرض و0 درجة خط طول، حيث يلتقي خط الاستواء مع خط غرينتش الرئيسي.
وقف راسل على جسر القيادة مع القبطان، بينما تجمعت غايل ومجموعة كبيرة من الركاب في مقدمة السفينة.
وتقول غايل لي لـCNN: "كان الجميع يخرجون هواتفهم وأجهزة تحديد المواقع الخاصة بهم، يعدّون تنازلياً: 0.01، 0.005، 0.0001.
كنا جميعاً نقارن بين الهواتف. ومن يلتقط صورة سيلفي أقرب إلى الإحداثيات 0،0 يحصل على حق التفاخر".

وعندما عَلم الزوجان أن السفينة سيكون لها "محطة توقّف" عند "جزيرة نول"، عرضا، وهما يعملان كمحاضرين ثقافيين على السفن السياحية، تقديم شرح وتعليق للمشهد.
لكن المشكلة الوحيدة كانت أنه لم يكن هناك أي شيء يُرى سوى المحيط المفتوح في كل اتجاه، ذلك أنّ "جزيرة نول" ليست مكاناً حقيقياً على الإطلاق.
ويحصل الركاب عادة على شهادة تذكارية لإحياء ذكرى زيارتهم لـ"جزيرة نول"، وهي مزحة قديمة داخل مجتمع المتخصصين في الخرائط والبيانات الجغرافية، أي الأشخاص الذين يعملون في برامج الخرائط وأنظمة تحديد المواقع.
وتراكمت في هذه الإحداثيات بيانات متنوعة، بدءًا من مسارات الجري على تطبيق Strava وقوائم أماكن الإقامة على منصة Airbnb، وصولًا إلى الفنادق وتقارير الجرائم المرتبطة ببيانات مواقع مفقودة أو مشفرة بشكل خاطئ، ما أدى إلى ظهور وجهة وهمية تحظى بشعبية كبيرة بشكلٍ مفاجئ.
ورغم أنّ الأمر لا يزال نادراً، بدأت بعض الرحلات البحرية بالفعل بالمرور عبر هذه النقطة، ما زاد من شهرتها.
وقبل أسابيع قليلة فقط، أعلنت شركة عن خطط لإدراج جزيرة نول كمحطة ضمن رحلتها البحرية حول العالم التي تستمر 129 يوماً في العام 2028، بعد توقّف سابق هناك خلال رحلة 2024. أما شركة "فايكينغ"، فرغم أنها لا تدرج الجزيرة ضمن برامجها المستقبلية، فإن سفنها مرت بالإحداثيات نفسها خلال عامي 2024 و2025.
ويقول راسل لي، الذي زار "جزيرة نول" مع فايكينغ في عامي 2024 و2025: "لا يوجد هناك أي شيء فعلياً. لا شيء سوى البحر المفتوح. لكنك تصبح واحداً من قلة قليلة جداً من البشر الذين زاروا هذا المكان، وهذا بحد ذاته أمر مميز للغاية".
جزيرة غير موجودةلطالما انجذب البشر إلى العلامات الجغرافية غير المرئية، مثل خط الاستواء والدائرة القطبية الشمالية والفواصل القارية، وربما تمثل "جزيرة نول" النسخة الأكثر غرابة من هذه الظاهرة في عصر الإنترنت.
ولكن ما هي بالتحديد؟ بدأ اسمها يظهر داخل مجتمع نظم المعلومات الجغرافية حوالي العام 2008.
ومع انتشار استخدام البيانات الجغرافية عبر الإنترنت، مدفوعاً بمنصات مبكرة مثل تويتر (حالياً X)، تحولت النقطة الوهمية عند الإحداثيات 0،0 إلى مشكلة تقنية متكررة.
ويقول مايك ميغورسكي، الاختصاصي في البيانات الجغرافية، لـCNN: "أحد أكثر الأخطاء شيوعاً في بيانات المواقع هو أن ينسى الشخص إدخال الموقع أساساً".
في ذلك الوقت، كان ميغورسكي يعمل في استوديو متخصص [تصميم الخرائط وتصور البيانات، ولاحظ وجود الكثير من البيانات "تطفو" في خليج بنين، رغم أنه لا ينبغي أن تكون هناك أي بيانات.
ويشرح أن البيانات غير المكتملة أو المفقودة تُسجَّل افتراضياً على أنها "Null" أو صفر. وهذان الصفران، أي 0 درجة خط عرض و0 درجة خط طول، يشيران إلى نقطة نائية في خليج غينيا بالمحيط الأطلسي.
ونتيجة لذلك، كانت جميع البيانات غير المحددة تتجمع هناك. وهكذا وُلدت "جزيرة نول".
"مكان لا يشبه أي مكان على الأرض"
ما بدأ كنقطة تتجمع فيها أخطاء الخرائط، تحول لاحقاً إلى عالم خيالي طريف ابتكره المتخصصون.
وفي العام 2010، ساعد ميغورسكي أثناء عمله على تصميم خرائط جديدة لمنصة "GeoIQ" في منح الجزيرة هوية بصرية.
واستلهم الفكرة من لعبة الفيديو الشهيرة "Myst"، حيث أضاف شكلاً صغيراً لجزيرة عند النقطة 0،0 كنوع من "الرسائل السرية" التي يكتشفها المطلعون.
ويقول: "ساعد ذلك الناس على تخيلها بشكل أوضح".

وسرعان ما انتشرت الصورة في عالم الخرائط، وظهرت على قمصان الشركات والهدايا التذكارية الخاصة بالمؤتمرات، قبل أن تجد طريقها إلى "Natural Earth"، أحد أشهر قواعد بيانات الخرائط مفتوحة المصدر، في العام 2011.
وفي الفترة نفسها تقريباً، قرر مطور يُدعى ستيف بيليغرين المضي بالمزحة إلى أبعد مدى، فأنشأ موقعاً ساخراً يتخيل "جزيرة نول" كوجهة سياحية حقيقية لها علمها وتاريخها واقتصادها الخاص.
ووفقاً للموقع، بلغ عدد سكان الجزيرة 4000 نسمة، كما تحدث سكانها لغة محلية تُعرف باسم "Nullish".
وكان الموقع يشجّع المسافرين الفضوليين على الاتصال بوكلاء السفر وحجز رحلة إلى وجهة وُصفت بأنها "لا تشبه أي مكان على الأرض".
المفقودات الرقمية على الإنترنت
ورغم الطابع الفكاهي والأسطوري للقصة، فإن خلفها مشكلة حقيقية جداً.
وفي الوقت الذي كانت فيه "جزيرة نول" تتحول إلى ظاهرة على الإنترنت، بدأ ليفينتي يوهاز، أستاذ مساعد في التحليلات الجغرافية بجامعة فلوريدا، بدراستها بجدية.
ويقول: "عندما رأيت كل هذه النقاشات، أدركت أن الأمر ليس مضحكاً فقط، بل يتعلق أيضاً بمشكلة أساسية في جودة البيانات".
وخلال أبحاثه، اكتشف هو وزميله بيتر موني كل شيء، من صور موضوعة في المكان الخطأ إلى شركات وهمية مرتبطة بالإحداثيات نفسها، وكأنها "قسم للمفقودات الرقمية".
ورغم أن كثيراً من الأخطاء كان غير ضار، فإن العواقب لم تكن دائماً بسيطة، خاصة في عالم يعتمد بشكل كبير على الخرائط الرقمية.
ويقول: "تخيل خدمات الطوارئ. ماذا سيحدث لو حاول مركز الإرسال توجيه سيارة إطفاء إلى وسط المحيط؟ سنفقد وقتاً ثميناً".
كما تذكّرنا "جزيرة نول" بأن الخرائط ليست معصومة من الخطأ.
ويضيف يوهاز: "الناس يثقون بالخرائط بطبيعتهم. بمجرد وضع مكان على الخريطة، يصبح حقيقياً في نظر الكثيرين".
سحر الأماكن غير المرئية
بالنسبة لراسل وغايل لي، لم تكن جاذبية "جزيرة نول" مرتبطة بالخلفية التقنية، بل بالأسطورة والندرة المحيطة بها.
وتقول غايل: "زيارة النقطة 0،0 وجزيرة نول أمر كبير، يشبه عبور الدائرة القطبية أو خط الاستواء أو خط التاريخ الدولي. إنه مكان خيالي آخر يمكنك القول إنك زرته".
ويرى راسل، الذي قضى سنوات في تقديم التفسيرات التاريخية والثقافية على متن السفن السياحية، أن هذه الأماكن تقع ضمن سلسلة تمزج بين الجغرافيا والأساطير والحكايات.
وعندما واجه ركاب السفينة مساحة شاسعة من البحر بلا أي شيء يُرى سوى الأمواج البطيئة، ملأ الفراغ بقصص عن أماكن خيالية أخرى، مثل مدينة أتلانتس المفقودة.
ويقول إن هذه المواقع لا تزال تأسر خيال البشر، ولهذا السبب تحديداً حققت "جزيرة نول" هذا الانتشار الواسع خارج عالم الخرائط وتحليل البيانات.
أما بالنسبة للزوجين لي، وهما من المسافرين المخضرمين الذين يقضون معظم حياتهم في البحر، فقد كان هذا المزيج من الغموض والفضول الجغرافي جزءاً كبيراً من سحر التجربة.
ويضيف راسل: "كنا متحمسين للغاية للإبحار قرب النقطة 0،0 و’زيارة‘ جزيرة نول. لم نتخيل يوماً أننا سنفعل ذلك. وبالنسبة للكثير منا، كانت واحدة من أبرز لحظات الرحلة".
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير





