اخبار العرب -كندا 24: الجمعة 24 أبريل 2026 08:19 صباحاً دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN) -- طوال مراحل طفولته، كانت والدة كورت إيفانز تطلب كل مساء جمعة، وجبات صينية جاهزة، تأتي في علب كرتونية مليئة بأطباق كلاسيكية مثل نودلز الروبيان، وإيغ فو يونغ، ودجاج الجنرال تسو، ولحم البقر مع البروكلي.
وبعد كل وجبة، كان الشاب من فيلادلفيا، الذي أصبح اليوم في أواخر الثلاثينات من عمره، يفتح بسكويت الحظ ليقرأ الورقة الصغيرة التي تحمل كلمات حكمة من جهة، وأرقام حظ من الجهة الأخرى.
ويقول إيفانز متذكرًا أولى تجاربه مع الطعام الصيني: "كما تعلم، اليانصيب مهم جدًا في الثقافة السوداء".
اليوم، يقف إيفانز على الجهة الأخرى من المنضدة بصفته الشيف والمالك لمطعم "بلاك دراغون" للوجبات الصينية الجاهزة في شارع رودمان جنوب غرب فيلادلفيا.
وخلف واجهته المطليّة بالأسود، وشعاره الجريء باللونين الأحمر والذهبي المستوحى من فيلم "ذا لاست دراغون" الصادر عام 1985، لا يبدو أن أي شيء في الداخل كما يُتوقّع.
فلفائف البيض محشوة بأوراق الكرنب، ونودلز اللو مين مغطاة بصلصة الغومبو، وطبق "جنرال روسكو تشيكن" عبارة عن دجاج حلو وحار، أطلق عليه الاسم تيمنًا بروسكو روبنسون جونيور، أول جنرال أميركي أسود من فئة الأربعة نجوم.
ويقول إيفانز، الذي يمزج منذ سنوات بين الطبخ والنشاط الاجتماعي، ما أكسبه جائزة "بطل التغيير" على قائمة "أفضل 50 مطعمًا في العالم" عام 2021: "شعارنا هو الطعام الصيني الأمريكي الأسود. أفعل ذلك عمدًا، لفتح نقاش".

يمتد هذا الالتزام إلى الرسائل الموجودة داخل بسكويت الحظ، إذ يكتب إيفانز العديد منها بنفسه.
وكحال العديد من أحياء المدن الأمريكية، كانت منطقة إيفانز تعجّ سابقًا بمحال الوجبات الصينية الجاهزة المستقلة، لكنها انحسرت تدريجيًا على مرّ العقود مع انتقال الأجيال الشابة في العائلات المالكة إلى أعمال أخرى.
وفي العام 2024، استأجر إيفانز أحد هذه المحال المغلقة وافتتح مطعمه للوجبات الجاهزة، مقدّمًا المطبخ الصيني الأمريكي بنكهة مستوحاة من جذوره.
ومن بين أكثر عناصر "بلاك دراغون" شعبية في فتح النقاشات، بسكويت الحظ الذي يحمل عبارات من الذكاء والحكمة المستمدة من الثقافة السوداء.

أراد إيفانز أن يكون الطعام والناس الذين يتناولونه "مرتبطين بالثقافة التي أنتمي إليها". وكتب نحو 40 عبارة بنفسه، وجمع عبارات أخرى من متابعيه على إنستغرام.
ومن عباراته المفضلة جملة ورثها عن والدته: "أنا من جلبتك إلى هذا العالم، ويمكنني أن أخرجك منه". ويضحك: "كانت أمي تقول ذلك كثيرًا. كل من أعرفهم نشأوا وهم يسمعون نسخة من هذه العبارة".
لكن من اخترع بسكويت الحظ؟يحتفي بسكويت الحظ في مطعم "بلاك دراغون" بمزيج من الثقافات، لكن هذه الحلوى المقرمشة تحمل تاريخًا أعمق مما يدركه معظم الزبائن. فهي لم تأتِ من الصين، وربما لم تنشأ حتى في مطاعم صينية أمريكية. إذ تشير أغلب الأبحاث إلى أنّ جذورها تعود إلى اليابان، وفقًا لياسوكو ناكاماتشي، كاتبة يابانية انشغلت ببسكويت الحظ منذ العام 1990، عندما كانت طالبة تزور نيويورك، وفتحت إحداها بعد وجبة في مطعم صيني محلي.

وصفت الرسالة حالتها بدقة: "أنت شخص يجد الجمال في الأشياء الصغيرة التي لا يلاحظها الآخرون".
وكان ذلك ذكرى عادت إليها لاحقًا عندما عثرت بالصدفة على كتاب حول تاريخ الحلويات اليابانية، ورأت فيه شيئًا مألوفًا: حلويات تُحضَّر من عجين الأرز في رأس السنة وتوضع داخلها رسائل حظ. وتُعرف هذه باسم "تسوجيورا غاشي"، أي حلويات التنبؤ بالحظ، وقد نشأت في مدينة كانازاوا بمحافظة إيشيكاوا اليابانية.
كما عثرت على رسم من فترة إيدو في اليابان، بين العامين 1603 و1868، يُظهر بائعًا يصنع بسكويت "سينبي" المطوي، المماثل إلى حد كبير لبسكويت الحظ الحديث.
أكدت هذه الاكتشافات شكوكها: اليابان كانت تصنع بسكويت الحظ منذ مئات السنين.
ولا تزال أشكال مختلفة من حلويات التنبؤ بالحظ موجودة في اليابان إلى اليوم. لكن قبل قرون، كانت هذه الحلويات مخصّصة على الأرجح للطبقات العليا، لأن قلة من الناس كانوا يجيدون القراءة، وكانت تُقدَّم في بيوت الغيشا أو في الشوارع المزدحمة في مدن كبرى من طوكيو إلى كيوتو.
وتقول ناكاماتشي، التي نشرت نتائج أبحاثها في كتاب بعنوان "تسوجيورا نو بونكاشي" أي "التاريخ الثقافي للتنبؤ بالحظ" عام 2015: "في الماضي، كانت تحتوي على عبارات قصيرة، وأمثال، وجمل فكاهية، وحتى مقتطفات من كلمات الأغاني الشعبية في فترة إيدو".

وقالت: "أحيانًا كانت تحدث تبادلات فيها شيء من الغزل الخفيف، ما يعكس ثقافة أحياء الترفيه في ذلك الوقت".
كانت هذه الحلويات، كما هي الحال اليوم، تقدّم ترفيهًا خفيفًا، وتمنح الزبائن فرصة للتفاعل الاجتماعي وتبادل تفسيرات رسائل الحظ.
لكن كيف عبرت هذه الحلوى البسيطة المحيط الهادئ لتصبح جزءًا من مطاعم الوجبات الصينية في الولايات المتحدة؟ تقول بعض الشركات إنها كانت من أوائل من قدّمها، من بينها مخبز "فويغتسو-دو" الياباني وشركة "هونغ كونغ نودل" في لوس أنجلوس.
غير أن معظم الخبراء، ومن بينهم ناكاماتشي، ينسبون الفضل إلى "الحديقة اليابانية للشاي" في سان فرانسيسكو، حيث جرى لاحقًا إنتاج بسكويت الحظ بكميات كبيرة على يد شركة "بينكيو-دو"، شركة حلويات لم تعد موجودة اليوم.
وقد شارك غاري أونو، أحد أحفاد مالك "بينكيو-دو"، قالبًا حديديًا لصناعة البسكويت مع ناكاماتشي، مشيرًا إلى أن جده كان قد صنع أول آلة لإنتاج بسكويت الحظ في الولايات المتحدة.
وتشير أبحاث ناكاماتشي الممتدة لـ20 عامًا إلى أنّ البسكويت الذي نعرفه اليوم على الأرجح مستوحى من هذه النسخ اليابانية الأصلية.
صناعةٌ تتراجع
بحلول مطلع القرن العشرين، أصبحت بسكويتات الحظ شائعة في أنحاء الولايات المتحدة وكندا، ومقدمة في مطاعم صينية ويابانية أميركية، ضمنًا مطاعم "تشوب سوّي" الكلاسيكية التي كان يديرها أميركيون من أصول صينية ويابانية.
وتوقف الإنتاج في المصانع التي يديرها يابانيون خلال الحرب العالمية الثانية، بعدما أُدخل العديد من الأمريكيين اليابانيين معسكرات الاعتقال. فتولّت المصانع المملوكة لأمريكيين من أصول صينية سدّ هذا الفراغ، ما ساهم في انتشار بسكويت الحظ في العقود اللاحقة.
لكن صانعي بسكويت الحظ التقليديين يختفون تدريجيًا. وتُعد شركة "وانتون فود" في نيويورك اليوم، أكبر مصنّع لهذه الحلوى. أما "مصنع غولدن غيت لبسكويت الحظ"، الذي تأسّس عام 1962، فهو الوحيد المتبقي في سان فرانسيسكو. وفي كندا، أغلقت شركة "وينغ نودلز" في مونتريال، أقدم مصنع في البلاد، أبوابها عام 2025 بعد ثمانية عقود.
في المقابل، نجح "مصنع أوكلاند لبسكويت الحظ" في إعادة إحياء الاهتمام بهذه الحلوى. وقد تأسس عام 1957، ويُعد أقدم مصنع لا يزال يعمل في منطقة خليج سان فرانسيسكو.
وفي العام 2016، مرّت المهاجرة الصينية من الجيل الأول جيامين وونغ أمام المصنع الذي لم يتغير كثيرًا منذ خمسينيات القرن الماضي، ولاحظت أنه معروض للبيع، فاشترته.
وفي العام 2018، تولّت ابنتها أليسيا وزوجها أليكس إيسفوران إدارة المصنع، وأدخلا عليه بعض التحديثات.
ومع ذلك، لا يزال جزء كبير من خط الإنتاج كما هو؛ إذ تخرج البسكويتات الطازجة من ست آلات ضخمة كما في خمسينيات القرن الماضي، ثم تُطوى يدويًا على شكلها الهلالي المألوف وهي لا تزال ساخنة وطرية.
لكن النسخ التقليدية المغلفة بالبلاستيك اختفت منذ فترة طويلة.

تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير






