اخبار العرب -كندا 24: الأربعاء 22 أبريل 2026 04:03 صباحاً دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN)-- يستطيع آرون ساندل تحديد اللحظة التي بدأ فيها كل شيء.
في 24 يونيو/حزيران من العام 2015، كان ساندل، المدير المشارك في مشروع "Ngogo Chimpanzee Project"، يراقب مجموعة من القردة في متنزه كيبالي الوطني بأوغندا، حين لاحظ فجأة أنّ قردة الشمبانزي لاذت بالصمت.
بدأت علامات توتر تظهر على بعض القردة، فيما شرعت أخرى في ملامسة بعضها طلبًا للطمأنينة.
عن بعد، كان يمكن سماع المزيد من أصوات الشمبانزي، لكن لم يكن ذلك أمرًا غير معتاد، فعلى مدى عقدين، بالحد الأدنى، شكّلت قردة "نغوغو" مجتمعًا كبيرًا نسبيًا ضمّ أكثر من مئتي قرد عاشت معًا في تناغم.
لكن عندما لاحظ ساندل اقتراب المزيد من الأفراد، لم تتجمع القردة على طريقتها المعتادة التي تتّسم بالصراخ الصاخب والتربيت على الظهور والتشابك بالأيدي.
عوض ذلك، ركض الكثير منها مبتعدًا عن الموقع، تاركة ساندل وزميله الباحث جون ميتاني في حيرة.
بدأت المجموعة، التي كانت يومًا ما مترابطة جدًا، تتعامل مع بعضها كالغرباء.
وقال ساندل متذكرًا الموقف: "أتذكر أنّني سألت جون: ما الذي يحدث؟ فأجاب: ’لا أعلم‘".
وأضاف: "بقي ذلك عالقًا في ذهني، لأنّه يُعتبر من أبرز خبراء الشمبانزي في العالم. لقد أمضى عقدين في دراسة هذه القردة، ومع ذلك كنّا نشهد حدثًا جديدًا تمامًا".
يرى ساندل أنّ ذلك اليوم مثّل بداية الانقسام، حين بدأت المجموعة الكبيرة تنفصل لمجموعتين: قردة الشمبانزي الغربية والقردة المركزية.
قال ساندل، الأستاذ المساعد بعلم الإنسان في جامعة تكساس بأوستن: "أعتقد أنّ ذلك الحدث زرع بذور الاستقطاب، التي أدّت في نهاية المطاف إلى انهيار المجموعة".
منذ ذلك اليوم، تصاعد العنف بين المجموعتين، وأصبحت الهجمات المميتة على البالغين والصغار تتكرر مرات عدة في السنة.
الآن، توثّق دراسة جديدة ما يصفه الباحثون بـ"الحرب الأهلية" بين الشمبانزي، وهو حدث نادر يُقدَّر وقوعه مرة كل 500 عام، ولم يُرصد إلا مرة واحدة من قبل.
توفر هذه النتائج، التي نُشرت بمجلة "Science" العلمية في 9 أبريل/نيسان، لمحة فريدة عن تغيّرات الروابط الاجتماعية، وكيف يمكنها أن تؤدي إلى نشوب صراعات بين مجموعات الحيوانات غير البشرية.
هذا أمر يصعب رصده في البرية، لكنه قد يسلّط الضوء على دور العلاقات بين الأفراد في النزاعات البشرية، بحسب الباحثين.
"حرب أهلية" بين الرئيسياتالشمبانزي بطبيعته من الكائنات التي تدافع عن حدودها، وغالبًا ما يجتمع عدد من الأفراد، من الذكور عادةً، لتنظيم دوريات لتفقد الحدود بحثًا عن أفراد من مجموعات منافِسة.
وفي حال عثروا على أي دخيل، فسيهاجموه، وقد يصل الأمر إلى قتله.
تأسّس مشروع "Ngogo Chimpanzee" عام 1995 على يد جون ميتاني، الذي يشغل الآن منصب أستاذ فخري بعلم الإنسان في جامعة ميشيغان.
منذ البداية، دار جدل بين الخبراء حول ما إذا كانت هذه المجموعة الكبيرة بشكلٍ غير اعتيادي ستنقسم.
في الأساس رأى الباحثون أنّ الأمر غير مرجَّح، إذ لم تكن هناك أي مؤشرات على حدوث انقسام.
كما كانت الغابة مهيأة جيدًا لدعم هذه المجموعة الكبيرة، نظرًا لغنى المنطقة المحمية التي كانت تعيش فيها بالغذاء والأشجار، بحسب ساندل.
لكن بعد ذلك اليوم من العام 2015، انقسمت قردة الشمبانزي سريعًا إلى مجموعتين سُمّيتا نسبةً إلى المساحات التي قامت بتقسيمها داخل المنطقة.
وأصبحت كل مجموعة تقوم بدوريات لمنع الأخرى من الاقتراب.
تتسم قردة الشمبانزي الغربية بقدر أكبر من العدوانية مقارنةً بالمجموعة المركزية، إذ نظّمت، بين عامي 2018 و2024، نحو 15 دورية كل أربعة أشهر، وقتلت في المتوسط فردًا بالغًا وصغيرين سنويًا من المجموعة المركزية، وفقًا للدراسة.
ويبدو أنّ القردة الغربية تمتلك أفضلية على نظيرتها المركزية، ويرجِّح ساندل الأمر إلى ترابطها المبكر.
قبل الانقسام، كانت القردة تتحرك بحرية في المنطقة بأكملها، أمّا الآن فقد انقسمت أراضيها إلى قسمين، مع وجود حدود قريبة من الوسط.
أوضح ساندل أنّ هذه الحدود تتغير باستمرار، ويبدو أنّ القردة الغربية تنجح حاليًا في دفعها شرقًا.
حتى الآن، بلغ عدد القتلى سبعة من البالغين و17 من الصغار من المجموعة المركزية، إضافةً إلى 14 فردًا مفقودًا يُحتمل أنّهم لقوا المصير نفسه، وفقًا للدراسة.
أكّد ساندل: "من المحزن بالتأكيد رؤية قردة الشمبانزي هذه تقتل بعضها، خصوصًا حين ترى أفرادًا تعرفهم جيدًا يُقتلون. أحيانًا أشعر وكأنّي مراسل حربي".
وأضاف أنّه إلى جانب دراسة أعمال العنف، أُتيحت للباحثين فرصة رصد مشاعر أخرى لدى الشمبانزي مثل التعاطف، فضلًا عن مواقف بطولية وصداقات.
ماذا تُعلمنا قردة الشمبانزي عن الحروب؟كانت عالمة الرئيسيات الراحلة جين غودال قد رصدت أول "حرب أهلية" معروفة بين الشمبانزي في السبعينيات، خلال أبحاثها في منتزه غومبي الوطني بتنزانيا.
فجأةً، بدأت قردة شمبانزي نشأت معًا في الانقسام وقتل بعضها البعض، في حدثٍ أَطلقت عليه غودال وزملاؤها اسم "حرب السنوات الأربع".
ورُغم أنّ الباحثين من مشروع "نغوغو" لا يستطيعون تأكيد سبب اندلاع هذه الحرب، فإنّ لديهم فرضيات عدة.
وعلى غرار ما حدث في مجموعة غودال، شهد مجتمع الشمبانزي تغيّرًا في تنظيم السيادة الهرمية، بشكلٍ يبدو أنّه أثّر مباشرةً على كيفية تفاعل الأفراد مع بعضهم، وفق ساندل.
يفترض الباحثون أنّ عوامل مثل وفاة عدد من الأفراد لأسباب غير معروفة في العام 2014، وتغير الذكر المهيمن في العام 2015، إضافة إلى انتشار وباء تنفسي في العام 2017، قد أدت إلى إضعاف الروابط الاجتماعية وتفكك المجموعة.
وقالت أستاذة علم النفس المقارِن في جامعة يورك بالمملكة المتحدة كاتي سلوكومب، غير المشاركة في الدراسة: "التوثيق الدقيق لهذا الحدث النادر عبر سنوات من البيانات طويلة الأمد يوفر رؤية قيّمة للغاية حول الصراعات بين المجموعات".
وأضافت في حديثها إلى CNN أنّ كون هذه المجموعة أكبر تجمّع معروف للشمبانزي "ربما جعل الحفاظ على علاقات فعالة بين هذا العدد الكبير من الأفراد أمرًا صعبًا للأفراد"، مشيرةً إلى أنّ هذه المعلومات قد تعزز فهمنا لكيفية مساهمة العلاقات الاجتماعية والعوامل البيئية في نشوب النزاعات البشرية.
وأشار ساندل إلى احتمالين رئيسيين لنهاية هذه الحرب، الأول أن تعيد المجموعة المركزية تنظيم صفوفها بطريقةٍ تمكّنها من الدفاع عن حدودها بشكلٍ أفضل، ما يؤدي إلى تراجع وتيرة الهجمات القاتلة.
أمّا الاحتمال الثاني، فهو مشابه لما رصدته غودال في منتزه غومبي، حيث قامت المجموعة الأقوى بالقضاء على جميع أفراد المجموعة الأضعف.
وأضاف ساندل: "هناك احتمال ثالث يبدو مستبعدًا جدًا، وهو أن يحدث نوع من إعادة التوحّد بين المجموعتين".
وتابع: "بناءً على كل ما أعرفه عن سلوك الشمبانزي، لا أرى كيف يمكن أن يحدث ذلك، لكنني في الوقت عينه أعرف ما يكفي عن هذه الكائنات كي لا أستبعد قدرتها على مفاجأتنا".
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير






