اخبار العرب -كندا 24: الأحد 29 مارس 2026 04:51 صباحاً دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN)-- شعر الكثير من الأشخاص بالدهشة من السحر الخالد لمدينة باريس الفرنسية ومعالمها عند زيارتها قبل عقد تقريبًا.
لكن رُغم احتضانها أحد أكثر أنظمة المترو ازدحامًا في أوروبا، إلا أنّ المدينة آنذاك كانت لا تزال خاضعة إلى حدٍّ كبير لهيمنة السيارات.
كانت شبكات الطرق المركزية في العاصمة الفرنسية مكتظّة بالمركبات، وحُشِر المشاة في أرصفة ضيقة، بينما استنشق رواد المقاهي أبخرة العوادم.
اليوم، تغيّرت باريس، إذ يتجول السياح بحريةٍ أكبر في شوارع مخصّصة للمشاة، مستنشقين هواءً أنقى.

أمّا الراغبون في التنقل بالدراجات، فأصبحت أمامهم مئات الكيلومترات من المسارات الآمنة التي تنقلهم عبر المدينة.
يعود الفضل في جانب كبير من هذا التحوّل إلى امرأة تُدعى آن هيدالغو، المهاجرة الإسبانية التي أصبحت أول امرأة تتولى منصب عمدة في باريس.

أصبحت هيدالغو من أبرز وجوه المدينة عالميًا، لا سيما بعد سباحتها الرمزية في نهر السين خلال أولمبياد 2024، في إشارةً إلى حملتها التي استمرت سنوات لتنظيف هذا النهر الذي كان ملوثًا.
لكن في حين قد يجد السياح أسبابًا لشكر هيدالغو مع مغادرتها منصبها هذا الشهر بعد 12 عامًا، إلا أنّ الكثير من الباريسيين غير راضين عن الحالة التي تركت عليها مدينتهم.
استعادة الشوارع
يبدو أنّ الضجيج المعتاد لأبواق السيارات الغاضبة لم يختفِ، بل ربما ازداد حدّة، إضافةً لتذمّر ركاب الحافلات العالقة في الاختناقات المرورية اللانهائية.
قالت كاثرين البالغة من العمر 73 عامًا، التي عاشت في الدائرة التاسعة في باريس لعقود: "شارع بولفار دي باتينيول مزدحم دائمًا.. أحيانًا تتكدّس سبع حافلات الواحدة تلو الأخرى!".
كانت معالجة الاختناقات المرورية وتشجيع السكان على المشي من أولويات هيدالغو، المنتمية إلى الحزب الاشتراكي، منذ انتخابها عام 2014.
أزالت إدارتها مواقف السيارات، ومنعت المركبات من دخول شوارع وساحات بأكملها، ما أدى إلى انخفاض كبير في عدد السيارات داخل المدينة.
وقد لاقى هذا التوجّه استحسانًا لدى الكثير من السياح الذين يزورون باريس سنويًا، فقال ليون كروفورد البالغ من العمر 23 عامًا، الذي يزور المدينة من ولاية فيرجينيا الأمريكية: "جعلها مدينة قابلة للمشي هو الأمر الأهم بالنسبة لي".
كما حظيت جهودها بدعم بعض الآباء والأمهات، خصوصًا من خلال حملة "شوارع من أجل المدارس"، التي أغلقت بشكلٍ دائم حركة المرور في 100 شارع محيط بالمدارس العامة.
نالت باريس إشادة دولية بسبب جهودها في الحد من استخدام السيارات، حيث اعتبرها معهد "Urban Institute" في واشنطن نموذجًا في التخطيط الحضري وتخصيص المدن للمشاة.
خطوة مبالغ فيها؟
مع ذلك، لا يشعر الجميع بالحماس ذاته تجاه هذه المبادرات، فبالنسبة للبعض، تدهورت جودة الحياة في باريس خلال ولاية هيدالغو.
ورُغم فوزها بولاية ثانية عام 2019، يرى كثيرون أنّ مغادرتها منصبها أمر طال انتظاره.
يعود جانب كبير من عدم شعبيتها إلى سياسات إدارة المرور ضمن حملة "باريس تتنفس"، إذ يرى منتقدون أنّ إبعاد السيارات من المركز أدى لزيادة الازدحام في مناطق أخرى.
وبالفعل، ارتفع الازدحام المروري بنسبة 4% منذ عام 2015، كما تضرّر النقل العام، إذ انخفض استخدام الحافلات بنسبة 31% بين 2018 و2024.
يرى نائب رئيس هيئة "Île-de-France Mobilités" الحكومية المشرفة على النقل العام في باريس، غريغوار دو لاستيري: "ببساطة، لم تكن شبكة الحافلات أولوية لدى إدارة هيدالغو".
ومع أنّ باريس أصبحت نموذجًا يُحتذى به في دمج شبكات الدراجات ضمن البنية التحتية، يرى الكثير من السكان أنّ هذا التقدّم تجاوز الحد.
ومع تحوّل الطفرة في ركوب الدراجات إلى نقطة جدل في انتخابات عطلة نهاية هذا الأسبوع لاختيار خليفة هيدالغو، سارع خصومها إلى استغلال هذه القضية.
قد يهمك أيضاً
وقالت المرشحة لمنصب عمدة الدائرة الـ17 راشيل-فلور باردو: "لم نُفسح المجال للجميع في المدينة، كما أنّ الزيادة في استخدام الدراجات وضع المشاة في خطر".
في عام 2020، أعلنت هيدالغو خطتها لجعل باريس "العاصمة العالمية للدراجات".
وبعد أن كانت تحتل سابقًا مرتبة أدنى من مدينة لندن البريطانية ومدينة مدريد الإسبانية، إلا أنّها تفوقت عليهما الآن فيما يتعلق بجودة الهواء، بحسب تقرير صادر عن مؤسسة "IQair" عام 2024.
وبالنسبة لمستخدمي الدراجات، ومعظمهم من الموظفين، شكلت المبادرة نجاحًا بارزًا، إذ بدأ نحو ثلث الباريسيين باستخدام الدراجات بشكلٍ أكبر، وأصبح 9% منهم يتنقلون بها.
وفي عام 2025، صُنّفت باريس كأفضل مدينة أوروبية لركوب الدراجات. لكن في المقابل، شهدت إعادة تصميم الطرق زيادة في حالات دخول المستشفى بين ركاب الدراجات والمشاة.
" تغير كل شيء"
رُغم تحسن جودة الهواء والتنقّل، لا يزال كثير من السكان غير راضين، إذ تُظهر استطلاعات الرأي أنّ 59% من الأشخاص يرون أنّ المدينة لا تسير في الاتجاه الصحيح، مقارنة بـ36% فحسب قبل تولّي هيدالغو منصبها، وفقًا لاستطلاع أجراه معهد "IFOP" عام 2023.
وقال ليونيل برادال، وهو صاحب مطعم صغير في باريس: "إنّها تتعرض لانتقادات مستمرة، ومع ذلك يُعاد انتخابها… لم أفهم ذلك قط".
وفي الدائرة التاسعة، تتحسّر كاثرين على التغيّرات التي طرأت على ملامح المدينة، خصوصًا في ميدان دبلن القريب من منزلها.

وأوضحت: "لقد تغير كل شيء… كان الميدان رائعًا"، مشيرةً إلى أنّ حجارتها المرصوفة، التي خُلّدت في لوحة "شارع باريسي في يوم ماطر" عام 1877 للفنان غوستاف كاييبوت، غُمِرت بالإسفلت ضمن مشروع التحول الحضري.
ورُغم إعجاب تيوفيل شامار، وهو من سكان باريس، بالشوارع الخالية من السيارات، إلا أنّه حذّر من التغيير السريع في المدينة.
وقال: "باريس مدينة عمرها 1،500 عام، لا حاجة للاستعجال في تغييرها بالكامل. يجب أن تتكيف تدريجيًا مع احتياجات سكانها. أحيانًا، عندما تُرمّم قصرًا قديمًا، قد ينهار كل شيء".
قد يهمك أيضاً
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير




