اخبار العرب -كندا 24: الخميس 12 فبراير 2026 07:03 صباحاً دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN) -- ما أن تتجاوز طوابير التفتيش الأمني حتى تتلاشى آثار القرن الـ21، وتحلّ مكانها أعمدة كريمية اللون وأرصفة من الرخام تمتد إلى الأفق، وخلفها تلال خضراء، كأنّك عدت بالزمن 2000 عام.
في بلد يزخر بالكنوز الأثرية، تعد مدينة أفسس القديمة، الواقعة في محافظة إزمير غرب تركيا، جوهرة التاج. وقد زار أطلال هذه المدينة الإغريقية-الرومانية نحو 2.5 مليون شخص في العام 2025.

وقد تأسس هذا الموقع المدرج ضمن قائمة اليونسكو للتراث العالمي في القرن العاشر قبل الميلاد، وتبلغ مساحته نحو 4047 متر²، أي ما يعادل 10 أضعاف مساحة "ديزني لاند" تقريبًا، ويكتظ بالعديد من العجائب التاريخية.
وتقول المرشدة السياحية فاطمة غونالتاي، وهي تسير مع الزوّار على الطريق المقدس الذي كان يربط المدينة بمعبد أرتميس من القرن السادس قبل الميلاد، أحد عجائب الدنيا السبع في العالم القديم: "في موسم الصيف، كانت 70 ألف سفينة ترسو في أفسس. كانت هذه المدينة غنية جدًا".
بُنيت أفسس عند مصب ما كان يُعرف بنهر كايستروس، بالقرب من ساحل بحر إيجه، وازدهرت كمركز تجاري يربط الشرق بالغرب. وقد ترك قادة مثل الإسكندر الأكبر وأنطونيوس وكليوباترا بصمتهم هنا.
أما أطلالها التي لا تزال تُستكشف حتى اليوم فتعود في معظمها إلى فترة ازدهار المدينة كحاضرة رومانية كبرى، ولا تزال بين أفضل الأمثلة المحفوظة من تلك الحقبة.
أناقة عتيقة
ولا يزال Curetes، أحد الشوارع الرئيسية الثلاثة في المدينة، مرصوفًا بالرخام الذي قد يصبح زلِقًا عند هطول الأمطار. وتصطف على جانبيه تماثيل لمواطنين بارزين، كثير منها بلا رؤوس أو أطراف، بينما تظهر المباني الدينية والمدنية، التي كانت مطلية يومًا بألوان زاهية، بلون أصفر.
وتشرح غونالتاي أن متاجر الحرير والبخور كانت تصطف على جانبي الشارع، وأن الأشجار المزهرة كانت تظلّل المارة من شمس الصيف الحارقة. وكانت ثقوب بيضاوية في الجدران تحمل مصابيح لإنارة الطريق ليلًا. وقد أُدخلت حديثًا جولات ليلية صيفية لمساعدة الزوار على تخيّل أجواء المدينة بعد غروب الشمس.
يُعد معبد هادريان، وهو مبنى متواضع الحجم على الطراز الكورنثي، اتميز بكونه الأكثر زخرفة بين الأنماط الكلاسيكية للعمارة اليونانية القديمة والرومانية، من أكثر مباني أفسس أناقة.
وقد اكتمل بناؤه عام 138 ميلادية بسقف خشبي، ولا تزال أقواسه المزخرفة التي يبلغ ارتفاعها 8 أمتار قائمة بعد قرابة ألفي عام. ويضم القوس الداخلي نقشًا لميدوسا، الشخصية الأسطورية ذات رأس الأفاعي في الميثولوجيا الإغريقية-الرومانية، وقد استُخدمت هنا لطرد الأرواح الشريرة.

في أسفل التل يقف أبرز معالم المدينة وأكثرها شهرة، أي مكتبة سيلسوس. هذا الصرح الروماني الذي يبلغ ارتفاعه 17 مترًا نجا منه واجهته فقط. وتكشف النوافذ الفارغة على مربعات زرقة السماء، بينما تخلق الأعمدة الرخامية المدببة خداعًا بصريًا يجعل المبنى المؤلف من طبقتين يبدو أكثر فخامة.
كانت أكثر من 12 ألف لفافة مخطوطة محفوظة داخل هذا المركز العلمي من القرن الثاني، قبل أن يدمرها حريق عام 262 ميلادية. وكان المبنى أيضًا قبرًا تذكاريًا ضخمًا، شيّده القنصل غايوس يوليوس أكويلا تكريمًا لوالده غايوس يوليوس سيلسوس بوليمايانوس المدفون هنا.
إعلان لبيت دعارة
يظهر الجانب الأقل وقارًا من الحياة على الجانب الآخر من الشارع. فبقايا بيت دعارة تقع مقابل المكتبة، ويُعتقد أن نقشًا قريبًا على حجر الرصف في شارع Curetes يعد من أقدم الإعلانات في العالم. إذ يُظهر شكل قدم، وكيس نقود، وامرأة، في إشارة إلى أن الزوار ذوي الأقدام بحجم البالغين والمال الكافي يمكنهم شراء الخدمات المعروضة هناك.
وقد شُيد بيت الدعارة قرابة القرن الأول الميلادي، وتضم في الطبقة الأرضية منطقة استقبال وحوض استحمام، مع طبقة علوية لاستقبال الزبائن. وقد عُثر خلال أعمال التنقيب على تمثال للإله بريابوس، إله الخصوبة في الميثولوجيا الإغريقية-الرومانية، ويعرض الآن في متحف أفسس بمدينة سلجوق القريبة.
وقد اشتهر الرومان بمهاراتهم الهندسية، حتى في التعامل مع الصرف الصحي. ففي المراحيض العامة بالمدينة، تصطف 36 فتحة كان الناس يقضون حاجتهم فوقها، فوق نظام تصريف. ويُعتقد أن المستخدمين كانوا ينظفون أنفسهم بعدها باستخدام إسفنجة مثبتة على عصا تُغمس في الخل.

كانت هذه المراحيض جزءًا من حمامات سكولاستيكا، وهي أكبر مجمع استحمام في المدينة، القادر على استيعاب ما يصل إلى ألف شخص، وكان مركزًا اجتماعيًا مهمًا.
وتقول غونالتاي إن الرجال كانوا يستخدمون الحمامات الرومانية مثل المقهى، حيث كانوا يلتقون فيها للحديث وأحيانًا لمناقشة مباريات المصارعين والانتخابات في الإمبراطورية الرومانية، أي أبرز القضايا التي كانت تشغلهم.

يمكن للزوار استكشاف بيوت التراس القريبة، وهي عبارة عن 7 منازل رومانية أرستقراطية محفوظة جيدًا، مقابل رسوم إضافية قدرها 15 يورو، فوق رسم الدخول البالغ 40 يورو للموقع الأثري.
وفي الداخل توجد حمامات خاصة مزودة بمياه ساخنة وباردة عبر أنابيب فخارية، إلى جانب جداريات مرسومة، وفسيفساء ملونة، وكتابات جدارية بخط اليد.
إبقاء الشعلة متقدةتقول غونالتاي مشيرة إلى الأعمدة المقوسة المتبقية: "البريتانيون يعد ثاني أهم مبنى في أفسس بعد معبد أرتميس". وكانت الكاهنات يُبقين شعلة مقدسة متّقدة هناك ليلًا ونهارًا، ويُعتقد أنها تمثل قوة حياة المدينة.
وتضيف: "إذا كانت النار المقدسة حية، فالمدينة حية". أما انطفاء الشعلة فكان يعني، بحسب اعتقادهم، "أن نهاية الإمبراطورية الرومانية آتية".
وكان معبد أرتميس، الذي تعود أصوله إلى القرن السابع قبل الميلاد، واحدًا من أكبر المعابد الإغريقية التي شُيدت على الإطلاق. وقد أُعدمت أرسينوي الرابعة، الشقيقة الصغرى لكليوباترا، على درجاته عام 41 ميلادية بأمر من مارك أنطونيوس وكليوباترا.
وكان المعبد قد أُحرق عام 356 قبل الميلاد على يد مُشعل حرائق يدعى هيروسطراطس. وقد أُعدم بسبب فعلته، وتعد القضية من أقدم الأعمال الإرهابية الموثّقة في التاريخ. واليوم، لم يبقَ في موقع المعبد الأصلي، الواقع خارج المنتزه الأثري الرئيسي، سوى عمود واحد أُعيد بناؤه.
مركز مسيحي مبكر
وقد أصبحت أفسس لاحقًا مركزًا دينيًا مهمًا في بدايات المسيحية. فمن العام 52 إلى 55 ميلادية، أمضى الرسول بولس ثلاث سنوات هنا يبشر بالإنجيل، ويُقال إنه جلب مريم، والدة المسيح، إلى هنا لتقضي أيامها الأخيرة. ويعد بيت السيدة العذراء موقع حج مسيحي شهي على منحدرات جبل كوريسوس.

ومن أبرز معالم المدينة مسرحها العظيم الذي يتسع لـ25 ألف مقعد، وكان يُستخدم للعروض المسرحية، والتجمعات العامة، والطقوس الدينية، وفي العصر الروماني لمعارك المصارعين.
تشرح غونالتاي: "كانت المقاعد مقسّمة بحسب المهنة"، في إشارة إلى التسلسل الاجتماعي الصارم، حيث كان الناس يُصنفون بحسب الطبقة والمكانة والجنس.
كان شارع الميناء طريقًا معتمدًا صاخبًا يؤدي إلى ميناء المدينة الذي جف الآن، حيث كان التجار يبيعون سلعًا فاخرة مستوردة. وعلى مدى قرون، دفع الطمي الساحل بعيدًا تدريجيًا، ما أسهم في هجر أفسس بحلول العصر العثماني في القرن الخامس عشر.
وأمام المشهد القاحل اليوم، مع ابتعاد البحر نحو 6 كيلومترات، يصعب تخيل الميناء كما كان، لكن ذلك قد يتغير، إذ تقول غونالتاي إن هناك خططًا حكومية لإعادة ملء القناة وربط الميناء بالبحر مجددًا، "تمامًا كما في العصور القديمة".
وقد أُعلن المشروع لأول مرة عام 2017، ويُقال إنه سيشمل إنشاء قناة جديدة ومرسى لقوارب الرحلات. ولم يُعلن بعد جدول زمني للتنفيذ. وإذا تحقق المشروع، فقد يتمكن الزوار من الوصول إلى أفسس عبر البحر مجددًا بعد مرور أكثر من ألفي عام على ذلك.
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير





