السبت 7 فبراير 2026 05:16 مساءً ليس الفوز أن تُعلق درعاً مذهباً على جدار صامت، بل الفوز الحقيقي هو أن تسير في ردهات مرفق حديث أو فناء ممتد، فتشعر أن المدينة تعرفك، تحتضنك، وتعتني بتفاصيل يومك. حينما أُعلنت نتائج جوائز منظمة المدن العربية في دورتها الخامسة عشرة، لم تكن الأرقام والنسب المئوية هي التي تتحدث، بل كان «جوهر الأمكنة» في قطر هو الذي يبعث برسالة للعالم العربي مفادها أننا هنا لا نشيد مجرد مبان، بل نصنع نماذج للاستقرار والرفاه. لقد رأينا «الدوحة» وهي تتسامى بحداثتها، و«الريان» وهي تبتكر في معمارها، و«الوكرة» وهي تنبض بالاستدامة، و«الشمال» وهي تقف حارسة أمينة على إرثنا الجماعي.
وخلف منصات التتويج، وميض الكاميرات، واحتفاء الحاضرين، هناك منظومة عمل متكاملة لا تهدأ في أروقة وزارة البلدية. إن هذا «الاكتساح» القطري لم يكن نتاج مصادفة، بل هو ثمرة استراتيجية عمل رصينة وضعت معالمها الوزارة.
جنود الخفاء
ولا يخفى على المُلاحِظ أن هذا الرداء النقي الذي ترتديه عاصمتنا، يقف خلفه «جنود الجمال» الذين يعملون بصمت من خلف الكواليس لتظل الدوحة في أبهى حللها. إن فوز مدينة الدوحة بالمركز الثالث (مناصفة) في «جائزة صحة وسلامة البيئة» عن مشروع منظومة إدارة النظافة العامة هو استحقاق يترجم الجهود الميدانية الاستثنائية التي تضطلع بها هذه الإدارة؛ تلك الإدارة التي تشكل «القلب النابض» لكل هذا النجاح البيئي، والتي يقودها مدير إدارة النظافة العامة برؤية ميدانية تجعل منه حاضراً خلف كل التفاصيل والجزئيات التي جعلت من نظافة وصحة مدينتنا واقعاً ملموساً يُبهر الزائر قبل القاطن. إنهم الرجال الذين لا يظهرون في الصورة غالباً، لكن بصمتهم هي التي منحت الدوحة هذا الاعتراف العربي المستحق، وبرهنت أن الصدارة تُصنع بالعمل الدؤوب في الميدان قبل أن تُصاغ في الأوراق.
أيقونات تحكي قصة وطن
تأملوا مشروع «ذو المنارتين» في مدينة الريان، الذي نال المركز الأول في جائزة المشروع المعماري، فهو صرح يدمج ببراعة بين الوظيفة الروحية والمعايير البيئية الصارمة، ممثلاً «قيمة حضارية» تجمع بين الأصالة والابتكار.
وعلى الضفة الأخرى، تأتي مدينة الشمال لتعزز مكانة «قلعة الزبارة» التاريخية، بانتزاعها المركز الأول في جائزة إحياء التراث المعماري عن مشروع ترميم وتطوير القلعة، بدعم لا يتوقف من قيادات الوزارة التي جعلت من صون التاريخ ركيزة للانطلاق نحو الغد. كما برزت مدينة الوكرة بحصولها على المركز الثالث عن مشروع «تطوير سوق الوكرة القديم»، مؤكدة قدرة المدن القطرية على إحياء روح الماضي بقوالب عصرية.
الكوادر الوطنية
إن هذه الإنجازات العربية لم تكن لتجد طريقها إلى منصات التتويج لولا وجود عقول قطرية آمنت بأن التميز هو الخيار الوحيد. إن الرهان على الكوادر الوطنية هو الرهان الرابح الذي تضعه وزارة البلدية كأولوية قصوى؛ فنحن لا نبني مدناً بالأسمنت والحديد فحسب، بل نبنيها بفكر وسواعد أبناء الوطن الذين استوعبوا فلسفة العمارة الحديثة دون أن يفقدوا بوصلة الهوية. ويبرز هنا فوز المهندس المعماري القطري إبراهيم محمد الجيدة بالمركز الأول كشهادة استحقاق للمدرسة المعمارية القطرية، التي نجحت في تقديم بصمة بصرية فريدة تجمع بين أصالة الجذور وطموح السحاب. إن تكريم الكفاءات القطرية هو احتفاء بكل مهندس ومخطط ومبدع مواطن يعمل تحت مظلة الوزارة، ويضع خلاصة فكره لتصميم فضاءات تعزز ريادة قطر وتؤكد أن الاستثمار الأغلى هو الاستثمار في «الإنسان المبدع».
الريادة البيئية
وفي منافسات الاستدامة، قدمت مدينة الوكرة نموذجاً مبهراً بحصولها على المركز الثاني (مناصفة) في جائزة صحة وسلامة البيئة عبر مشروع «مدينة صديقة للبيئة». أما العاصمة الدوحة، فقد أكدت شمولية نهضتها بجمعها بين جوائز العمارة والبيئة؛ حيث نالت المركز الثاني (مناصفة) في جائزة المشروع المعماري، وحصدت المركز الثالث (مناصفة) في جائزة صحة وسلامة البيئة عن مشروعين نوعيين هما: «منظومة إدارة النظافة العامة» ومشروع «إعادة تدوير المياه بمعسكر لخويا». كما حلت الدوحة في المركز الثالث في جائزة «المدينة العربية الخضراء»، لتبرهن أن النمو العمراني في قطر يسير جنباً إلى جنب مع الحماية البيئية الشاملة.
وإننا إذ نقف اليوم على هذه القمة العربية، فإننا نتطلع إلى مستقبل لا تكون فيه المدن مجرد مراكز سكنية، بل بيئات ذكية تتفاعل مع تطلعات الإنسان. أتنبأ بأننا سنشهد في المدى القريب تحولاً جذرياً؛ حيث ستعتمد أحياؤنا على أنظمة ذكية تُدير مواردها بكفاءة ذاتية، وتتحول المساحات الحضرية إلى واحات خضراء تسهم في تحسين المناخ المحلي وتوفير بيئة صحية مثالية. إننا نتجه بثبات، نحو مدن «استباقية» في خدماتها، حيث تُسخر التكنولوجيا لخدمة الرفاه الاجتماعي وتعزيز جودة العيش.
قطر.. وفاء للأرض
وبناء للمستقبل
في نهاية المطاف، نحن لا نبني مدناً لمجرد حصد الجوائز، بل نشيدها لتكون بيئة حاضنة للإبداع والحياة الكريمة. إن كل معلم وُضع بدقة، وكل مساحة خضراء نُفذت بعناية، هي رسالة وفاء من قطر إلى إنسانها. إن هذا الفوز هو انطلاقة جديدة، وتأكيد على أننا في وزارة البلدية نعمل برؤية تستلهم من الماضي لتبني للمستقبل. شكراً لكل الجهود المخلصة، ولجنود الجمال في إدارة النظافة العامة بقيادتها وكوادرها، ولكل كفاءة وطنية سهرت على تميز مدننا، وشكراً لقيادتنا التي جعلت الصدارة هدفاً دائماً. ستبقى مدن قطر هي الحكاية التي نرويها بكل فخر: أننا وطن يبني للأجيال، ويصنع من الرؤية واقعاً نعيشه ونعتز به.
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير





