اخبار العرب -كندا 24: الجمعة 23 يناير 2026 11:15 صباحاً (CNN)-- أدرك أسامة غانم الرقابة الخانقة التي كانت تخيم على الأماكن العامة في مصر في وقت مبكر من حياته، ولا يزال يتذكر انتقاده للنظام "الغبي" في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك خلال المدرسة الابتدائية. وعلى الفور قام معلمه بإسكاته.
وقال غانم، وهو الآن طالب يبلغ من العمر 22 عاما ويدرس في لندن، لشبكة CNN في ديسمبر/كانون الأول: "لم يكن يسمح لأحد أن يقول أي شيء. عندما تُعارض النظام، الجميع يشعرك بأنك شخص مجنون".
ونشأ غانم، وهو من جيل "الربيع العربي"، في ظل الاستبداد في القاهرة. يتذكر أنه شهد بنفسه مجزرة رابعة "المروعة" عام 2013، ويقول إنه تعرّض للاضطهاد السياسي من قِبل السلطات المصرية قبل أن ينتقل إلى المملكة المتحدة في عام 2022 للدراسة. والآن، يواجه ما يصفه بـ"مصر..جولة ثانية" في مؤسسة أكاديمية مرموقة في بريطانيا بعد مشاركته في احتجاجات مؤيدة للفلسطينيين، مما أدى إلى اتخاذ إجراءات تأديبية ضده قد تؤدي إلى ترحيله خلال أيام.
وفي مايو/أيار، أوقفت الإدارة العليا في كلية كينجز كوليدج لندن (KCL) غانم عن العمل لأجل غير مسمى، وشرعت في إلغاء كفالة تأشيرته، وذلك عقب 3 مراجعات لمشاركته في احتجاجات قادها طلاب، والتي تدعو لتحرير الشعب الفلسطيني من القصف والحصار الإسرائيليين في غزة. ووجهت كلية KCLاتهامات لغانم بسوء السلوك غير الأكاديمي، موضحة "المخالفات التنظيمية" و"الإجرائية"، و"المخاوف المتعلقة بالصحة والسلامة"، و"السلوك الهجومي أو المسيء" و"عرقلة النشاط"، بحسب رسالة أرسلتها القيادة العليا.
وأصدر مسؤولو الجامعة تعليمات لغانم "بالعودة إلى وطنك الأم" إلى أن تتم مراجعة قرار إيقافه في أغسطس/آب من هذا العام، وذلك في رسالة اطلعت عليها شبكة CNN. ودخل قرارهم حيز التنفيذ في 28 نوفمبر/تشرين الثاني، عندما أرسلت وزارة الداخلية البريطانية إشعارا رسميا بإلغاء تأشيرته، في مراسلات بريد إلكتروني اطلعت عليها شبكة CNN. وجاء في الإشعار: "ننصحك بالاستعداد للمغادرة خلال 60 يوما من اليوم"، أي في 27 يناير/كانون الثاني. ولم يتم توجيه أي تهم جنائية ضد غانم، وفق فريقه القانوني في بريطانيا.
وعند سؤال وزارة الداخلية البريطانية عن إلغاء تأشيرة غانم، قالت لشبكة CNN: "إن سياستنا الراسخة هي عدم التعليق على الحالات الفردية".
ولا يتمتع غانم بوضع قانوني للهجرة في دولة ثالثة، مما يرجح أن يتم ترحيله خلال أيام إلى مصر. ويخشى أن يُسجن عند عودته إلى مصر، حيث يزعم أن قوات الأمن اعتقلته عام 2020، وكان عمره آنذاك 16 سنة، مع شقيقه ووالدهما المتوفى، بسبب معارضتهم السياسية. ويزعم غانم أنه تعرض للضرب والصعق بالكهرباء والتجويع أثناء احتجازه، بحسب الدعوى القضائية التي رفعها ضد الجامعة.
وبحسب توجيهات لوزارة الداخلية البريطانية، فإن من ينتقدون الحكومة المصرية علنا من المرجح أن يتعرضوا لخطر "الاضطهاد أو الأذى الجسيم"، بما في ذلك "الاعتقالات والاحتجاز التعسفي".
وتشير الدعوى القضائية التي رفعها غانم إلى أن إدارة جامعة KCLعلى علم بالانتهاكات المزعومة التي تعرض لها في مصر، وتشخيص إصابته باضطراب ما بعد الصدمة. وتزعم الدعوى وقوع انتهاكات لحقوق الإنسان، واعتداءات، وإصابات شخصية، والتمييز، والمضايقات من جانب جامعةKCL.
وفي بيان صدر في 13 يناير/كانون الثاني، قال متحدث باسم الجامعة لشبكة CNN بأن طلاب KCL "لا يتم معاقبتهم على انتماءاتهم المشروعة، بما في ذلك دعم الآراء المؤيدة للفلسطينيين، ولا على مشاركتهم في الاحتجاجات السلمية". وأضاف المتحدث: "من غير الصحيح القول أنه تتم معاملة الطلاب ذوي وجهات النظر المختلفة بشكل تمييزي".
ويقول محامو غانم إن المئات من الموظفين والطلاب احتشدوا خلفه في قضيته، محذرين من أن مسؤولي الجامعة يعرضون حياته للخطر، وطالبوهم بالتراجع عن موقفهم. ومن بين مؤيديه أكثر من 40 أكاديميًا من شبكة أبحاث العرق في جامعة كينغز (KRRN)، وهي شبكة داخلية تضم 80 باحثا ومقرها الجامعة، والذين وجهوا رسالة رسمية إلى الإدارة العليا اتهموها فيها بـ"العنصرية المؤسسية" في ممارساتها، وذلك في رسالة بتاريخ نوفمبر/تشرين الثاني اطلعت عليها CNN.
وقال غانم لشبكة CNN إن عائلته واجهت "معاناة مستمرة" في الأسابيع الأخيرة، وأوضح أن احتمال ترحيله إلى مصر "محبط ومروع بشكل لا يصدق"، لكنه مصمم على مواصلة الضغط في قضيته.
وقال: "لقد رأيت ما يحدث عندما لا يتحدى الناس السلطة. لقد تركت نظامًا استبداديًا في مصر لأجد نظام مماثلا في جامعة كينغز كوليدج لندن. وأنا أؤمن بضرورة تحدي الديكتاتوريين والاستبداد، وليس قبولهم".
سعيًا وراء "التثقيف السياسي"
عندما كان في سن المراهقة، وضع غانم نصب عينيه الدراسة في الخارج لتعزيز وعيه السياسي بعد أن شاهد والده، أستاذ علم الأحياء الدقيقة في جامعة عين شمس بالقاهرة، يستخدم الأوساط الأكاديمية لحشد الرأي العام.
وتزايدت هذه الطموحات في مارس/آذار 2020، عندما قال غانم إن السلطات المصرية شنت مداهمة "مروعة" فجرا على منزل عائلته في القاهرة.
وقال غانم لشبكة CNN: "كان جميع أفراد القوات ملثمين، يحملون أسلحة نارية والمسدسات في أيديهم... تخيل شخصا ملثما يأمرك بالاستلقاء على الأرض وأنت في السادسة عشرة من عمرك". وأضاف: "لم أرغب قط أن تُروى قصتي من منظور الناجي من التعذيب".
وذكرت منظمة "هيومن رايتس ووتش" الحقوقية الدولية، في تقرير عام 2018، أن الشرطة وقوات الأمن لديها سجل حافل في اعتقال منتقدي الرئيس عبدالفتاح السيسي بتهم تبدو "أنها قائمة فقط على منشوراتهم على وسائل التواصل الاجتماعي ونشاطهم السلمي".
وزعم غانم أن السلطات قامت في وقت لاحق بسجنه وتعذيبه هو وشقيقه ووالده لمعارضتهم النظام. وقد تواصلت CNN مع وزارة الخارجية المصرية ومركز الصحافة الأجنبية التابع للحكومة المصرية من أجل التعليق.
وبعد إطلاق سراحهم، تفرق أفراد عائلته من القاهرة بحثا عن الأمان، بحسب ما أفاد غانم. حيث قادت تلك الرحلة غانم إلى جامعة كينجز كوليدج لندن، وبدأ دراسة البكالوريوس في العلاقات الدولية عام 2022، على أمل، كما قال لشبكة CNN، العودة إلى المنطقة العربية للعمل على بناء أطر مستدامة لحقوق الإنسان وحرية التجمع.
وقال: "منطقة الشرق الأوسط في حاجة ماسة إلى هذا النوع من التثقيف السياسي".
النشاط الجامعي
لكن كل شيء تغير بعد ٧ أكتوبر/تشرين الأول عام 2023، كما قال غانم، عندما شنت إسرائيل حملتها في غزة عقب هجمات حماس.
ومع تزايد عدد الفلسطينيين الذين قتلتهم القوات الإسرائيلية في القطاع، شعر غانم ومئات الطلاب الآخرين في جامعة كينجز كوليدج لندن بضرورة التحرك. فقاموا بتوزيع التماسات، وأقاموا اعتصاما داخل الحرم الجامعي في مايو/أيار 2024، ونظموا اعتصامات، ودعوا الجامعة إلى سحب التمويل من العديد من شركات تصنيع الأسلحة وشركات التكنولوجيا المرتبطة بإسرائيل، على غرار النشاط الجامعي على نطاق واسع في أنحاء العالم.
وفي الأشهر التالية، أطلقت جامعة كينجز كوليدج لندن تحقيقات تأديبية ضد غانم بسبب مشاركته في 3 احتجاجات منفصلة: "تعطيل متعمد" لعشاء للخريجين في يونيو 2024؛ والتظاهر ضد فعالية استضافها متحدث إيراني مؤيد لإسرائيل في فبراير 2025؛ ثم، في مايو، مطالبة الجامعة بسحب استثماراتها من الشركات المنتفعة من العمليات العسكرية الإسرائيلية، وذلك خلال مؤتمر لندن للدفاع.
كما زعم رئيس الأمن في جامعة كينجز كوليدج لندن أن غانم كان "أحد المنظمين الرئيسيين للاعتصام" في الحرم الجامعي، وهو ما نفاه.
وقال محامو غانم لشبكة CNNإن إدارة جامعة كينجز كوليدج لندن (KCL) اتخذت إجراءات تأديبية ضد 28 طالبا في المجمل، بسبب نشاطهم المؤيد للفلسطينيين. وقد تواصلت CNN مع الجامعة للتعليق.
وقال متحدث باسم الجامعة لشبكة CNNالأسبوع الماضي إن الإجراءات التأديبية لا يتم اتخاذها إلا في حال "انتهاك السلوك لسياساتنا وأنظمتنا". وأضاف المتحدث أن ذلك يشمل في هذه الحالة "الدخول القسري إلى الفعاليات الخاصة، وإصابة أفراد الأمن، وحرمان الطلاب الآخرين من حقهم في حرية التعبير". وأكد أن "القرارات الخاصة بوضع التأشيرة في المملكة المتحدة من اختصاص وزارة الداخلية البريطانية فقط". وتواصلت شبكة CNN مع محامي غانم للتعليق على هذه الادعاءات.
وتختص الجامعات البريطانية بالولاية القضائية على إصدار تأشيرات رعاية الطلاب الدوليين. يجب على الطلاب "الحضور والمشاركة بنشاط" في دراستهم لتلبية شروط إقامتهم، وفقا لتوجيهات جامعة KCL.
وفي حال تم إيقاف طالب عن الدراسة، تبلغ الجامعة وزارة الداخلية البريطانية، ما يُحدد له مهلة نهائية "لمغادرة" المملكة المتحدة، أو التقدم بطلب للحصول على تأشيرة جديدة ضمن فئة هجرة مختلفة، وفقا للإرشادات.
مخاوف الأكاديميين من "القمع"
يقول المحاضر البريطاني لويس تيرنر، نائب الرئيس المشارك للجمعية البريطانية لدراسات الشرق الأوسط (BRISMES)، إن هذه القضية تبرز ما وصفه بحملة قمع "استبدادية" من قِبل الجامعات الأمريكية والبريطانية، والتي يقول إنها استهدفت بشكل غير متناسب الطلاب المسلمين وطلاب الأقليات العرقية بسبب تعبيرهم المشروع عن التضامن مع الفلسطينين. في الولايات المتحدة، استخدمت إدارة ترامب صلاحياتها لتلغي تأشيرات الطلاب والتحريض على ترحيل وحتى اعتقال الباحثين الأجانب الذين أدانوا العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، ومن بينهم محمود خليل، وروميسا أوزتورك، ومومودو تال.
وفي المملكة المتحدة، تتصاعد قضية غانم على خلفية مناخ سياسي متوتر، حيث واجه حزب العمال الحاكم انتقادات شديدة من منظمات حقوق الإنسان بسبب سياساته المتششد بشأن الهجرة ردا على تصاعد الخطاب المناهض للمهاجرين.
وبحسب تيرنر، فإنه على مدى العامين الماضيين، عاقبت الجامعات بشكل متزايد باحثين بسبب تعبيرهم عن آراء مشروعة حول فلسطين وإسرائيل، وهو ما يتناسب مع "نمط أكبر بكثير من قمع النشاط الطلابي والاحتجاج في الحرم الجامعي".
وكان تيرنر، الذي يرأس لجنة الحرية الأكاديمية التابعة لـBRISMES، أحد الموقعين على رسالة أرسلتها اللجنة إلى قيادة جامعة كينجز كوليدج لندن في نوفمبر/تشرين الثاني بشأن قضية غانم. وأضاف أنه تم إعادة صياغة الشكاوى المتعلقة بالاختلاف السياسي بشأن السلامة أو التحرش، مما قد يؤدي إلى تقييد حرية التعبير.
وعلى خلفية الحرب في الشرق الأوسط، زادت حالات معاداة السامية والكراهية ضد المسلمين في جميع أنحاء العالم بشكل حاد، وفقا لجماعات المناصرة، بما في ذلك الهجمات المميتة.
وتقول بعض الجماعات الطلابية اليهودية إن الاحتجاجات في الجامعات قد غذّت الترهيب ومعاداة السامية. بينما يقول آخرون إن الاتهامات بمعاداة السامية تم استخدامها لقمع الانتقادات المشروعة للحكومة الإسرائيلية. وأثارت قضية غانم بعض الإدانات على الإنترنت من قِبل معلقين مؤيدين لإسرائيل.
وقال تيرنر: "وجود الجامعات كمساحات مفتوحة للحوار والنقد والنقاش أساس المجتمع الديمقراطي. وهذا أهم بكثير من الاتفاق أو الاختلاف مع طرف ما".
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير






