الثلاثاء 13 يناير 2026 05:16 مساءً «الإصابة أعاقت حياتي بالكامل، وصادرت أحلامًا كنت أطمح لتحقيقها.. اليوم أعيش في كابوس».. بأسى ثقيل أطلَّ من عينيه، تحدث الشاب الفلسطيني داود عيد (19 عاما) للأناضول عن إصابته خلال حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، ما أفقده ساقيه.
داود أصيب بانفجار لغم تركه الجيش الإسرائيلي مدفونًا بين ركام منازل مدمرة شمالي قطاع غزة، ضمن الحرب التي بدأها في 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 واستمرت عامين. ويواجه الفلسطينيون في قطاع غزة، حيث يعيش نحو 2.4 مليون نسمة، خطر الموت جراء مخلفات إسرائيلية من قنابل وصواريخ وألغام وذخائر لم تنفجر.
وبدعم أميركي قتلت إسرائيل في حرب الإبادة أكثر من 71 ألف فلسطيني، وأصابت ما يزيد عن 171 ألفا، معظمهم أطفال ونساء، ودمرت 90 بالمائة من البنى التحتية المدنية.
مخلفات قاتلة
في 13 أغسطس/ آب 2025، حاول داود تفقد منزل عائلته في منطقة القرم بمخيم جباليا شمالي قطاع غزة، بعدما شاع أن الجيش الإسرائيلي فجرّ منازل وأحياء سكنية كاملة في المنطقة.
وقال داود للأناضول إنه حين وصل أدرك أن منزلهم لم يعد كما تركه قبل نزوح عائلته قسرًا، إثر عمليات الجيش الإسرائيلي في المنطقة، إذ لم يجد منه إلا أسقفًا منهارة وحجارة وأعمدة خرسانية متناثرة.
وأضاف أنه كان يسير برفقة ابن عمه عيد عيد (20 عامًا) عبر الطريق الذي جاءا منه في منطقة جباليا البلد شمالي قطاع غزة، وفجأة حدث دوي انفجار عنيف.
كان ذلك ناتجا عن انفجار لغم من مخلفات الجيش الإسرائيلي، ما تسبب بإلقاء داود على بعد أمتار، بعدما اخترقت شظاياه كل شبر من جسده النحيف.
وبينما كانت الدماء تنزف منه بغزارة، كان داود ينظر إلى ابن عمه الذي قُتل على الفور.
رحلة علاج مريرة
بعد ساعة ونصف من الانفجار، استطاع مواطنون انتشال داود وهو غائب عن الوعي تمامًا، وضعوا جسده في «بطانية» ونقلوه إلى شارع الجلاء شمال مدينة غزة، حيث كانت تنتظرهم سيارة إسعاف، نقلته إلى مجمع الشفاء غربًا.
في المجمع لم ينتظر الأطباء كثيرًا، أدخلوه غرفة العمليات في محاولة لوقف النزيف، وعوضوا جسده بثلاثين وحدة دم لإنقاذ حياته، وقرروا بتر ساقه اليمنى.
بعد يوم واحد من وصوله المجمع، قرر الأطباء نقله إلى مستشفى القدس في حي تل الهوى جنوبي مدينة غزة.
ورغم محاولات إنقاذ ساقه اليسرى، إلا أن الأطباء قرروا بترها بعد خمسة أيام؛ جراء تهتكات شديدة تسببت بها الشظايا التي انطلقت من اللغم الحربي واخترقت جسده.
قبل إصابته كان داود، وهو بِكر والديه ويصغره 3 أشقاء، طالبًا مجتهدًا في الثانوية العامة وشابًا طموحًا واجتماعيًا، يعتمد عليه والداه في مهام عائلية كثيرة.
لكنه لم يعد كذلك بعد أن فقد ساقيه وصار جسده على كرسٍ متحرك، لا يقدر على الحركة وتلبية احتياجاته الشخصية إلا بمساعدة والديه. يمضي داود وقتًا طويلا وهو يقلب عبر شاشة هاتفه صورا التقطها مع أصدقائه وأقاربه قبل الإصابة، فيما يجلس أشقاؤه الصغار بجواره وينصتون إلى حديثه عن ذكريات فقدها ولن تعود. ولم تقتصر مأساته على بتر الساقين فحسب، بل إن الشظايا تملأ جسده، ويعاني من آلام شديدة تحرمه النوم.
أحلام مدمرة
بعد إصابة داود انتقلت عائلته إلى مخيم البريج وسط قطاع غزة، حيث يعيش 6 أشخاص داخل غرفة ضيقة، تتسرب إليها مياه الأمطار وتلسعها برودة الشتاء.
أما الابن الذي كان يومًا أكثر أفراد الأسرة حركةَ، فقد صار أكثرهم اعتمادًا على الآخرين.
فبينما يساعده والداه في الجلوس، يتولى أشقاؤه مهمة تحريكه بين الفراش والكرسي المتحرك الذي حصل عليه مؤخرًا، وصار جسده مقيدًا به.
«كنت أتمنى أن أبني حياة كريمة وسعيدة، أن أنهي دراسة الثانوية العامة والسفر لإكمال دراستي خارج غزة، لكن أحلامي دُمرت بسبب الإصابة والحرب.. فقدت القدرة على السباحة وممارسة الرياضة»، يقول داود. حاليا أقصى أمنيات داود هي أن يحظى بفرصة سفر لإكمال علاجه وليس إكمال تعليمه، كما كان يطمح سابقًا. ويضيف: «فقط أريد السفر للعلاج، الكابوس الذي أعيشه لن ينتهي إلا بتركيب أطراف صناعية، لا أريد أكثر من ذلك».
أطراف صناعية
بالقرب من داود تجلس والدته إيمان عيد (35 عامًا) تارة تمسك بيديه وتتأمله بألم كبير، وتارة أخرى تحدق في الأفق البعيد كأنها تبحث عن أمل مفقود، ثم تمسح على رأسه محاولة التخفيف عنه. تقول الأم للأناضول إن حياة ابنها «انقلبت رأسًا على عقب منذ إصابته، كان شابًا طموحًا يحب الدراسة ويريد أن يكمل تعليمه، اليوم صار حلمه أن ينال حقه في العلاج ويركب أطراف صناعية».
ووفقًا لتقديرات متحدث جهاز الدفاع المدني محمود بصل فإن قطاع غزة يحتوي على نحو 71 ألف طن من متفجرات ومخلفات عسكرية إسرائيلية لم تنفجر.
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير




