الأحد 11 يناير 2026 05:28 مساءً في زمن تقصف فيه المكتبات بالمقاتلات الحربية الإسرائيلية كما تقصف البيوت، وتحرق فيه الأحلام كما تحرق الأوراق، ينهض الحاج جميل مقداد من بين الركام لكي يقول: «ما فقدت مكتبتي فحسب.. بل أيضاً فقدت عمري»، هذه ليست قصة رجل سبعيني فقط، بل هي أيضاً قصة وطن يكتب بالحبر ويحفظ في الذاكرة، على الرغم من كل محاولات الطمس والمحو.
لم يكن الحاج جميل يملك ثروة ولا بيتاً عظيماً، لكن كنزه الحقيقي كان مكتبته ومطبعته المملوءة برائحة الكتب والحبر والورق؛ هي مطبعته التي بناها بجهده، ورقةً ورقة، لمدة تفوق 30 عاماً.
إن الحاج جميل محمد مقداد، رجل تجاوز السبعين، من سكان معسكر الشاطئ،في قطاع غزة، كل مَن يراه يعلم أن قلبه معلّق بين رفوف الكتب وماكينات الطباعة. فكل زاوية في مكتبته كانت تحمل أثر زمن، وكل مجلد يحمل قصة، وفي كل ورقة توقيع من روحه مختوم بنهاية الغلاف: دار المقداد للطباعة والنشر.
لكن عندما أتى القصف الإسرائيلي، لم يهدم جدران مكتبته فقط، بل أيضاً طوى حياة من القراءة والتدوين والتأمل. فتحولت مكتبته في لمح البصر إلى رماد وأحلامه إلى ركام. قال وهو ينظر إلى ما تبقّى بصوت متحشرج بالحزن: «ما فقدت مكتبتي فحسب.. بل أيضاً فقدت عمري.»
لم يكن ذلك مجرد فقْد مادي، بل هو أيضاً رحيل صامت لذاكرة وطن وصفحات كانت تنبض بالحياة والحكمة.
بداية الحلم
على الرغم من صعوبة الأوضاع ووجود الاحتلال الإسرائيلي في القطاع سنة 1980، فقد أُسست مطبعة دار المقداد ومكتبتها في مخيم الشاطئ حينها؛ إذ إن حلم المكتبة والطباعة كان يراوده منذ شبابه، لكن الاحتلال منعه من إنشاء مشروعه الخاص بعد اعتقاله سنة 1981 لمدة 6 أعوام. ومع قدوم السلطة الوطنية الفلسطينية سنة 1994، كانت باكورة إنتاج المطبعة. يستذكر الحاج أبو محمد تلك اللحظات بلوعة واشتياق، وكأن شريطاً سينمائياً يمر من أمام عينيه، ليروي كيف بدأ مشروعه بماكينة تصوير عادية وماكينة سحب من النوع القديم. واستأجر حينها حانوتاً قريباً من مكان إقامته كما يقول، وبدأ العمل على الطباعة، وجلب الأحبار والورق وكل ما يلزم من مستلزمات الطباعة والكتابة. وشيئاً فشيئاً، بدأ إنتاج الكتب والدفاتر والملازم الدراسية لطلبة المدارس والجامعات، ومع مرور الوقت تطورت المكتبة نحو الطباعة العامة بدلاً من التصوير اليدوي.
ذاكرة العمل والعائلة
يتابع الحاج مقداد بصوت صارم، وهو يستعيد أجمل الذكريات: «كنت أعمل بالمكتبة والطباعة، وكانت زوجتي شريكة الحياة تساعدني بالعمل، من ترتيب الكتب وقص الورق، لأن أبنائي السبعة كانوا صغاراً. لكن بعد أن كبروا، أصبحوا يتناوبون على العمل بالمكتبة من دون كلل أو ملل.»
كانت مكتبة دار مقداد علامة فارقة في غزة؛ إذ شاركت في إنتاج ورق الانتخابات للسلطة الوطنية سنة 1996 كجزء من الدعاية الإعلامية لتلك المرحلة، لتصبح منذ ذلك الوقت أكثر شهرة ومعرفة بين الناس. يقول أبو محمد: «كنت موظفاً في جامعتي الأزهر والإسلامية، وكنت محبوباً ومراعياً لأوضاع الطلبة، لذلك كنت أنتج الكتب وأطبعها بسعر يناسبهم. كان طموحي أن أتعلم كيفية الطباعة بسرعة، وقد أنجزت ذلك على آلة الطباعة باللغة العربية والإنكليزية والعبرية، فقد كانت المطبعة تمثل لي الحياة والأمل، وكنت أتمنى أن تتطور للأفضل.»
يجلس اليوم على كرسيه المتواضع، ويستذكر المراحل الصعبة التي مرت بها المطبعة، فيقول: «مرت المكتبة بعدة عقبات، كتعطل ماكينات الطباعة، وعدم توفر الورق، فصيانتها مكلفة جداً، والإمكانات قليلة جداً. والماكينات التي تدخل غزة من جانب الاحتلال تكون مستخدمة وفيها أعطال كبيرة، وأسعارها باهظة، فضلاً عن احتكار بعض التجار للأسعار.» وعلى الرغم من كل الصعوبات، فقد كان يختم كل غلاف كتاب بعبارة «دار المقداد»، علامةً للهوية والإصرار.
بين الرماد والذاكرة
بصوت متحشرج، يقول الحاج جميل: «عدت من منطقة نزوح قريبة من مكان مكتبتي، بعد أن داهم الخطر المنطقة، فوجدتها محروقة. وذلك في تاريخ 15 تشرين الثاني/نوفمبر 2023. كانت تحتوي على 20 لوح طاقة شمسية، وبطاريات انفيرتر، لا أثر لها. ولا أثر للورق، والكتب محروقة، والمخزن الذي كان مملوءاً بالأحبار والأقلام والدفاتر اختفى تماماً. فقدت ماكينتين للطباعة، قيمتهما 11,000 دولار. كانت صدمة وقهراً أن أرى 'شقى العمر، قد أمسى ركاماً، بعد أكثر من 30 سنة من العمل لتطويرها.»
جلس يومها على كرسي في الشارع، وبجانبه كوب ماء، يراقب أولاده، وهم يحاولون جمع بقايا المكان من تحت الرماد، بينما لم يستطع هو الوقوف أو لملمة شتات عمره وتعبه، يقول: «مكثت عاماً كاملاً بلا عمل بسبب انقطاع الكهرباء، فقد كانت عماد عملي.» وحين عاد الجنوب إلى الشمال، قرر أن يبدأ من جديد، فقام بترميم المكتبة وشراء ماكينة طباعة مستخدمة على الرغم من ارتفاع سعرها، كما اشترى ورقاً مقصوصاً يدوياً بمقص عادي بدلاً من المقص الآلي، بسعر باهظ.
الأمل لا يُقصف
على الرغم من كل ما جرى، لا يزال الحاج جميل مؤمناً بأن الحروف لا تموت، ويقول بعزم وهدوء يشبه الحبر على الورق: «سنعود، وستعود المكاتب والمطابع، وسيكتب الحبر من جديد، طالما لا يُستنكر علينا الكتابة، على الرغم من غطرسة الاحتلال ومحاولته طمس هويتنا وثقافتنا وعلمنا.»
هكذا تحولت مكتبة دار المقداد من صرح ثقافي نابض بالحياة إلى ركام يتناثر بين الأزقة، لكنها لم تفقد روحها، إنما بقيت شاهدة على ذاكرة رجل جعل من الحبر حياة، ومن الورق وطناً. فالاحتلال، لا يكتفي بقصف الحجر، بل يوجه نيرانه نحو الذاكرة أيضاً، ونحو كل ما يُعيد تشكيل الوعي ويحصن الهوية، في خضم محاولاته تفريغ الأرض من معالمها ورموزها الثقافية.
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير




