اخبار العرب -كندا 24: الجمعة 2 يناير 2026 08:08 صباحاً هذا المقال بقلم بارعة الأحمر، صحافية وكاتبة سياسية لبنانية، والآراء الواردة أدناه تعبر عن رأيها ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة CNN.
بين الاعتبارات الإنسانية المشروعة والحسابات السيادية المعقّدة، يبقى مخيم النازحين في الهرمل اختبارًا إضافيًا لقدرة الدولة اللبنانية على إدارة ملفات حدودها، قبل أن تفرض التطورات الإقليمية إيقاعها الخاص على كاهلها. ومن هنا يمكن مقاربة ملف المجمع السكني الذي شيّده حزب الله عند المدخل الشرقي للمدينة. إذ أنه يحمل بعدًا إنسانيًا واضحًا، لكنه في الوقت نفسه يطرح أسئلة سياسية وأمنية دقيقة.
البعد الإنساني يتعلق بنازحين سوريين ولبنانيين فرّوا من مناطقهم خوفًا على حياتهم بعد سقوط نظام الأسد والتحولات التي شهدتها سوريا. غير أن طبيعة المخيم الدائمة والجهة التي تشرف عليه وخصوصًا موقعه في منطقة حدودية لطالما شكّلت عقدة حساسة في العلاقات اللبنانية السورية تحوله إلى ملف سيادي وأمني شائك.
تشير المعطيات إلى نزوح نحو 150 ألف سوري إلى لبنان وما يقارب 30 ألف لبناني من قرى لبنانية تقع داخل الأراضي السورية. ويتوزع هؤلاء بشكل أساسي بين منطقتي الهرمل في البقاع الشمالي وجبل محسن في طرابلس. وتعكس هذه الأرقام حجم الضغط الاجتماعي والاقتصادي على المجتمع اللبناني، لكنها تكتسب حساسية إضافية عندما تأخذ شكل مجمّع سكني دائم في مبادرة تُدار خارج الأطر الرسمية اللبنانية أو إشراف المنظمات الدولية.
يضم المشروع السكني الذي شُيّد قرب المستشفى الحكومي في مدينة الهرمل 228 وحدة سكنية ومحال تجارية وورش ومرافق خدماتية، وجرى تزويده بالكهرباء والمياه والصرف الصحي. ويقيم فيه حاليًا نحو 210 من العائلات النازحة، غالبيتهم من الطائفة العلوية السورية، هربوا من حمص ومن مناطق الساحل السوري. ويؤكدون أنهم غادروا مناطقهم خشية أعمال انتقامية، وأن العودة إلى بيوتهم تشكّل خطرًا على حياتهم، ما يمنح وجودهم بعدًا إنسانيًا لا يمكن تجاهله، ويضع الملف في إطار دقيق بين حماية البشر الهاربين من العنف ومتطلبات السيادة والأمن.
غير أن الخشية تكمن في نظرة دمشق إلى هذا المخيم. فالتجمع السكني يقع على الحدود السورية، في منطقة نفوذ واضح لحزب الله، ويُدار خارج إشراف الدولة اللبنانية أو المنظمات الدولية. وفي هذه المرحلة التي تسعى فيها دمشق إلى إعادة تثبيت سلطتها وضبط حدودها وملفاتها الأمنية، قد يُنظر إلى المخيم كملف أمني مفتوح يتجاوز كونه استجابة إنسانية أو كمنطقة تحتاج إلى تنسيق خاص أو "معالجة" سياسية وأمنية.
قد لا تبدو المسألة مرتبطة بنيات عدوانية معلنة، لكنها من دون شك تتعلق بهواجس محتملة ومنها أن ترى السلطة السورية في المخيم تجمعًا لجهات كانت محسوبة على النظام السابق وأن تعتبر وجودها قرب الحدود عنصر قلق أمني يستدعي ضغطًا سياسيًا، وتدخلًا عسكريًا ربما، إذا بقي خارج الغطاء الرسمي اللبناني.
لا توجد حتى الآن مواقف سورية رسمية معلنة حيال مخيم حزب الله. إلا أن غياب التصريحات لا يلغي احتمال إدراج هذا الملف ضمن حسابات أمنية مستقبلية، أو تحوّله إلى ورقة ضغط سياسية في غياب الإطار التنسيقي الواضح بين الدولتين.
إذ يطرح غياب الموقف اللبناني المعلن علامات استفهام إضافية. فحتى اللحظة، لم يصدر أي بيان رسمي يوضح طبيعة المخيم أو مرجعيته. لكن ذلك لا يعني بالضرورة غياب النقاش. فقد تحدثت مصادر محلية، بينها بلدية الهرمل، عن مقاربات هادئة وغير معلنة، وعن ضرورة معالجة الملف بطريقة إنسانية، بالتوازي مع معالجة أوضاع اللبنانيين النازحين من قرى لبنانية تقع داخل الأراضي السورية مثل حوش السيد علي وحاويك ومطربة وغيرها، ضمن مقاربة شاملة لا انتقائية.
خطورة هذا الملف تكمن في غض الطرف عنه وتركه في منطقة رمادية. وفي بلد هشّ ومعقد مثل لبنان، وعلى حدود مثقلة بالتاريخ الدموي، قد تتدحرج الملفات غير المحسومة إلى نقاط توتر. وقد يتحول المخيم إلى نقطة التباس بين الدولتين تُدار في الظل ولا تُحسم في العلن. وبين ضرورة حماية البشر الهاربين من الخوف، وضرورة حماية السيادة اللبنانية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يُترك هذا الملف معلقًا، أم يُنقل إلى كنف الدولة قبل أن تفرض التطورات الإقليمية أجوبتها الحاسمة ويتم إدراجه من ضمن ملفات مكافحة الإرهاب؟
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير




