اخبار العرب -كندا 24: الأربعاء 17 يونيو 2026 10:15 صباحاً كواليس خطة برّاك لـ«فصل العراق» عن مفاوضات إيران
يحاول رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي إنقاذ بلاده الغنية بالنفط من «الإفلاس» خلال زيارته إلى الولايات المتحدة الشهر المقبل، في حين يعمل المبعوث الأميركي توم برّاك، الذي زار بغداد يومي الاثنين والثلاثاء، على التأكد أن بغداد «تقوم بما يلزم» لنزع سلاح الفصائل قبل الحصول على المساعدة المنتظرة من واشنطن أو من حلفائها الإقليميين، وفق مصادر موثوقة ومسؤولين عراقيين.
وقالت المصادر إن الزيدي، ومن خلفه تحالف «الإطار التنسيقي»، الذي يتألف من أحزاب شيعية متنفذة، يأمل أن يساعده الرئيس الأميركي دونالد ترمب، حين يلتقيه في واشنطن منتصف يوليو (تموز) المقبل، لا سيما في تأمين قروض من الولايات المتحدة «قد تسهم فيها دول خليجية»، كما قال مسؤولان في التحالف الشيعي.
وأكدت مصادر عراقية، أن عشرات رجال الأعمال العراقيين سيرافقون الزيدي إلى واشنطن أملاً في «إنعاش الخزينة المالية شبه الخاوية».
إلا أن هذا السقف من التوقعات مرهون بنجاح الزيدي ليس في نزع سلاح الفصائل، بل في القضاء على مواردها الاقتصادية ومنع أفرادها من الاشتراك في الحكومة، وقطع القنوات التي تستخدمها طهران للوصول إلى المؤسسات الريعية في بغداد، كما تنقل المصادر عن مضمون اجتماعات برّاك في بغداد وأربيل.
ومنذ منح البرلمان العراقي الثقة لحكومة علي الزيدي، يحاول الأخير إعادة التموضع بين النفوذ الإيراني الذي يبدو عليه التراجع في بغداد، والقوة الأميركية الضاغطة لكبح جماح الفصائل المسلحة والحد من نفوذها. ومع مرور الوقت أظهرت حكومته الفتية ميلاً تكتيكياً تجاه واشنطن.
الآن، ترسم جهود برّاك في بغداد ملامح صراع صامت بين جبهة إيران وحلفائها التي تحاول الحفاظ على منطقة رمادية دون تنازلات كبرى، وبين الأميركيين الذين يريدون فصل ملف العراق عن المفاوضات الجارية حول الملف النووي ومضيق هرمز؛ تحسباً لثغرات في مذكرة التفاهم التي تمنح هدنة 60 يوماً قبل التوصل إلى اتفاق نهائي.
واتفق برّاك والزيدي، الثلاثاء، على «النزع الكامل للسلاح وحل جميع الجماعات والتشكيلات المسلحة، العاملة خارج سلطة الدولة»، وفق بيان عراقي - أميركي مشترك.
وقالت المصادر الموثوقة إن المسؤولين الأميركيين يسعون لتحقيق أقصى قدر ممكن من المكاسب في بغداد على حساب إيران؛ تحسباً لحصول الأخيرة على الموارد والوقت الكافيين لاستعادة نفوذها في المنطقة.
وأوضحت المصادر أن «الرئيس الأميركي يرغب في أن تتحول الحكومة العراقية الجديدة إلى (قصة نجاح)»، إلا أن الدوائر الاستخبارية الأميركية المعنية بالعراق «شديدة الحذر في بلوغ هذا التقييم في الوقت الراهن».
وجاءت زيارة براك، وهي الأولى منذ تجديد ولايته في المنصب مبعوثاً أميركياً إلى بغداد ودمشق، بعد نحو أسبوعين من انطلاق ما وصفته الحكومة العراقية بـ«خطة حصر السلاح»، وفي ذروة أزمة مالية وصفها مسؤول عراقي لـ«الشرق الأوسط» بـ«الخانقة»؛ إذ قد تجد الحكومة نفسها بعد 3 أشهر من الآن، «في أفضل التقديرات»، عاجزة عن الإيفاء بـ«التزامات داخلية».
ويُعتقد أن الأزمة المالية حولت قادة «الإطار التنسيقي» إلى سياسيين واقعيين، سرعان ما انخرطوا، خلال فترة قياسية، في حملة دعائية تكرس رغبتهم في حصر السلاح بيد الدولة.
وكان رئيس «تيار الحكمة» عمار الحكيم، وهو أحد قادة «الإطار التنسيقي»، قد صرح في ندوة عامة أقيمت في بغداد أخيراً أن التحالف الشيعي كان سيمضي إلى تنفيذ خطة حصر السلاح، حتى لو لم تحدث الحرب مع إيران، بوصفها حاجة «داخلية»، على حد تعبيره.
ويميل مراقبون إلى الشك في عملية «حصر السلاح» مع اختفاء ردود الفعل الإيرانية تجاه خطة «حصر السلاح» التي بادرت إليها فصائل موالية وباشرت الحكومة برعايتها وتنظيمها.
ومنذ مطلع يونيو (حزيران) لم تعلّق الدوائر الرسمية في طهران على دمج عناصر حلفائها العراقيين في المؤسسات الحكومية، في حين تحرص على إدراج ملف «حزب الله» وسلاحه في بنود التفاوض.
وكان لافتاً أن يقوم السفير الإيراني في بغداد محمد كاظم آل صادق، بزيارة رئيس الحكومة بعد نحو ساعتين فقط اجتماعه بالمبعوث الأميركي توم برّاك، الذي كان حينها في طريقه إلى أربيل للقاء المسؤولين الكرد.
تفوح رائحة البراغماتية من غرف صناعة القرار في بغداد. وقال عضو في «الإطار التنسيقي» لـ«الشرق الأوسط» إن «كثيرين داخل التحالف باتوا أكثر واقعية في الاستجابة لخطة حصر السلاح». وأضاف: «هناك من ينظر إليها على أنها (عربون) لكسب ثقة لاعبين إقليميين ودوليين كانوا على وشك اتخاذ قرار بفرض عزلة على العراق».
وأوضح العضو، الذي فضل عدم ذكر اسمه، أن «بعض قادة التحالف شاركوا خلال الاجتماعات الأخيرة مخاوف من مقاربة أمنية وسياسية جديدة يجري اعتمادها في المحيط العربي قد تصنف العراق، في أفضل الأحوال، دولة غير صديقة».
بيد أن مسؤولاً عراقياً قال إن «الخطة التي شملت حتى الآن ثلاثة فصائل مسلحة تهدف إلى معالجة خلل أصاب علاقة العراق بدول عربية وخليجية»، رغم الشكوك التي تحاصر آليات التنفيذ.
وعلمت «الشرق الأوسط» أن مسؤولاً أميركياً أبلغ زعيمين في تحالف «الإطار التنسيقي» مطلع يونيو أن الولايات المتحدة ترى أن الخطة المعلن عنها في حاجة إلى المزيد من الوضوح في ظل غياب آليات شفافة يمكن التحقق من خلالها من أن الفصائل المسلحة لن تكون قادرة على الوصول إلى أسلحتها.
مع ذلك، أكدت مصادر موثوقة أن المسؤول الأميركي قال إن واشنطن ترى في العملية الراهنة «خطوة واعدة» لم تكن في متناول اليد قبل سنوات، كما تتفهم عدم القدرة على القيام بخطوات ثورية وصادمة لنزع السلاح، لكن التقييم الأميركي لنجاح العملية يرتبط بإزالة المخاوف من كونها «مجرد عملية شكلية».
وانضمت إلى هذه الخطة، حتى الآن، «سرايا السلام» و«عصائب أهل الحق» و«كتائب الإمام علي»، بإعلان انفصالها عن «الحشد الشعبي». ورغم غياب الآلية الفنية المتعلقة بأسلحة هذه الجماعات، إلا أن شخصيات مقربة من الحكومة تقول إن رئيسها علي الزيدي بات «المسؤول عن تحركات العناصر المسلحة وسلاحها»، وأن «بقية التفاصيل ليست جوهرية».
ووصل برّاك إلى بغداد لمنح الزيدي دفعة إلى الأمام. وقال مسؤولان عراقيان لـ«الشرق الأوسط» إن واشنطن تريد من الحكومة في بغداد أن تكون «أكثر شراسة ووضوحاً في نزع سلاح الفصائل».
ونقل مسؤول ثانٍ، طلب عدم الكشف عن اسمه لأنه غير مخوّل التحدث علناً، عن اجتماعات برّاك والمسؤولين في بغداد، أن الولايات المتحدة «تشجع خطوات جدية لتذويب المكاتب الاقتصادية، ومنع إيران من الاستفادة من الموارد العراقية».
ومصطلح «المكاتب الاقتصادية» شائع منذ سنوات في الأوساط العراقية، للإشارة إلى هياكل مالية وتجارية تضم موظفين رسميين، تقوم بإدارة مصالح الفصائل المسلحة وتعظيم مواردها.
وتبدو مهمة براك في بغداد تشبه «كاسحة ألغام» قبل مجيء الشركات الأميركية إلى العراق للاستثمار في قطاعات النفط والاتصالات والنقل، والتي تحولت خلال السنوات العشر الماضية حدائقض مثمرة لـ«الحرس الثوري» الإيراني، على حد وصف مسؤول حكومي سابق.
وفهمت «الشرق الأوسط» من دبلوماسيين غربيين ومسؤول عراقي أن توم براك يتصرف في بغداد بوصفه «الرجل الذي يمكنه تأهيل علي الزيدي بوصفه شريكاً ناجحاً ومقبولاً في المنطقة»، لكن «ليس بينما يتساهل مع قوة الفصائل ونفوذها». وقال أحد الدبلوماسيين إن «الرئيس الأميركي يدعم مقاربة براك في بغداد، لكنه يريد نتائج سريعة، تراعي توقيتات التفاوض مع الإيرانيين».
وقال مسؤول عراقي إن «الأجواء داخل الإطار التنسيقي تتلقى إشارات متعددة تفيد بأن توم برّاك يحاول هندسة مقاربة تجمع بغداد بدمشق بدلاً من طهران، وكثيرون من القوى الشيعية لا يشعرون بالارتياح لهذا المسار».
ومهما تكن مقاربة برّاك، فإن الولايات المتحدة تريد تسريع التغيير في بغداد؛ نظراً لحاجتها إلى الأموال. ونقل مصدران أن قادة التحالف الشيعي كانوا قد اجتمعوا مطلع يونيو، بحضور رئيس الحكومة، وعرضوا مخاوف من «الإفلاس واحتمالات تفجر غضب الشارع».
وقال أحد قادة «الإطار التنسيقي» مخاطباً رئيس الحكومة: «بناءً على المعطيات التي بين يديك قد نجد أنفسنا بعد 3 أشهر عاجزين عن صرف الرواتب، أو عن الوفاء بالتزامات داخلية أخرى». واستطرد قائلاً: «في هذه الحالة، ليست هناك ضمانات بأننا سنكون قادرين على مواجهة غضب الشارع، في حال لم نعثر على حل».
وقال صحافيون عراقيون إن رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي أخبرهم خلال لقاء مفتوح مع الصحافة الأسبوع الماضي، أن الخزينة العراقية تسلمت تريليون دينار (نحو مليار دولار)، في حين عليه تأمين نحو 10 تريليونات لصرف رواتب الموظفين في القطاع العام إلى جانب «نفقات أخرى».
وبناءً على تقديرات غير رسمية، فقد خسر العراق نحو 250 مليون دولار يومياً نتيجة إغلاق مضيق هرمز، الذي أسفر عن توقف أكثر من 90 في المائة من الصادرات النفطية عبر الموانئ الجنوبية.
وأكد المصدران لـ«الشرق الأوسط» أن «غالبية قادة التحالف وافقوا على خطة قدمها رئيس الحكومة تتضمن حزمة إصلاحات سياسية وأمنية واقتصادية لمعالجة الأزمة».
إلا أن أحد المصدرين قال إن «الحكومة العراقية تبحث عن قروض مالية من جهات مانحة غربية وخليجية، رغم أن تداعيات الحرب مع إيران تلقي بظلالها الثقيلة على العلاقات بين بغداد ومن قد يرغب في مساعدتها».
وتبرز معضلة إضافية قد تسهم في إضعاف التحالف السياسي الذي يمدّ الزيدي بالقوة السياسية؛ إذ يجد نفسه تحت ضغوط مركبة، مع انضمام فصائل إلى مبادرة حصر السلاح؛ أملاً في الحصول على مناصب في الحكومة.
وتنظر هذه الفصائل إلى المناصب الجديدة على أنها «مكافأة مستحقة»، لكنها لا توازي الأثمان الباهظة جراء تخليها عن السلاح أمام جمهورها، كما يقول أعضاء في هذه الفصائل.
ويتوقع أن تُظهر هذه المجموعات رد فعل «غير مريح للزيدي» في حال أصرت الولايات المتحدة على منع وصول الأشخاص المدرجين في قوائم الإرهاب إلى الحكومة الجديدة، وفقاً لهؤلاء الأعضاء.
وقالت مصادر إن «الإطار التنسيقي» أبلغ الزيدي بضرورة ملء الحقائب الوزارية الشاغرة في الحكومة قبل السفر إلى واشنطن ولقاء ترمب، إلا أن قيادياً في التحالف الشيعي نقل عن اجتماعات براك الأخيرة قوله إن «إكمال الحكومة بأفراد منتمين إلى الفصائل لن يُشعر الزيدي بالارتياح حين يجلس على الكرسي المجاور للرئيس في البيت الأبيض».
ولم يرد مكتب الزيدي الإعلامي على طلبات للتعليق، فيما إذا كان ملف سلاح الفصائل المسلحة أو مشاركة ممثليها في الحكومة سيكون أحد ملفات النقاش في البيت الأبيض الشهر المقبل.
مع ذلك، سيحاول رئيس الحكومة العراقية إقناع الرئيس الأميركي بحشد تحالف من جهات مانحة يضم دولاً خليجية للحصول على قروض، من خلال المساهمة مقابل استثمارات تعمل بغداد على إتاحتها للشركات الإقليمية والأميركية، وفق مسؤولين عراقيين.
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير







