سيرة شعرية لذات ممزقة

سيرة شعرية لذات ممزقة
سيرة
      شعرية
      لذات
      ممزقة

اخبار العرب -كندا 24: الأحد 31 مايو 2026 11:27 صباحاً في ديوانه الأحدث «فضائل الضغينة»، يسعى الشاعر المصري مؤمن سمير لكتابة سيرة شعرية لذات ممزقة بين التاريخ، والأحلام، والعائلة، في جدل هذه الذات مع امتداداتها في الزمان، والمكان، فيبدو الديوان كله حالة متصلة، وليس مجرد قصائد متشابهة جمعها الشاعر بين دفتي كتاب، إذ إن كل قصيدة بمثابة فصل يضيف جانباً من جوانب هذه السيرة المفعمة بالأحلام، والرؤى الأسطورية، والسريالية، والأسئلة الوجودية المشرعة على الموت، والحب، والغياب، والحروب، وغيرها، إذ تقع الذات الشاعرة في تقاطع هذه المتناقضات، لتدرك في الأخير ضآلتها وسط عالم مضطرب خارجياً، وصراعات نفسية داخلية في لا وعي هذه الذات، وتفجرها من داخلها.

صدر الديوان عن «دار العين» بالقاهرة، ويتكون من ثلاث عشرة قصيدة، تتراوح ما بين كتابة السطر الأفقي في القصيدتين الأولى والأخيرة، والسطر الرأسي في بقية القصائد تقريباً. كما أن طريقة عنونتها تشير إلى ترابط النصوص في وحدة عضوية واحدة. القصيدة الأولى «تباشير الحياة» مختلفة عن هذه العنونة، حيث تتوسل بطاقة هائلة من الحس السردي، والحكائي، كي تؤرخ للذات، وأصولها، لذلك فهي أقرب إلى مقدمة أو تمهيد عن التاريخ البعيد لهذه الذات، وانتسابها العائلي، وهو ما تؤكده دلالات العنوان بتلك التباشير التي كانت بذرة للحياة التي تحققت بعد ذلك، وأرست مواضعات العالم في هذا المكان.

أما بقية القصائد فعناوينها كلها بدأت بمفردة «صندوق»، ثم تنوع المضاف إليه في كل عنوان، مثل «صندوق النار»، و«صندوق النوم»، و«صندوق التراخي» و«صندوق القنص» و«صندوق الشغف»... وهكذا تتوالى الصناديق التي تفتحها الذات الشاعرة، كاشفة عن رؤيتها لسيرتها، ومسيرتها. فعلى مدار الصناديق/ القصائد، تحاول استكشاف نفسها، وأحلامها، وذكرياتها، وتضع كل شيء تحت مجهر شعري، ويحاول الإمساك بأبعاد المشهد، وبتفاصيل التاريخ الشخصي، والاجتماعي، ومتكئة على تشكيل جمالي مفعم بالسريالية، والغرائبية، إنها عبر إبحارها في هذه الصناديق تفتح أبواباً ضخمة ترى منها، ويرى المتلقي معها، كيفية تشكل هذه الذات، وتغوص في طبقات اللاوعي الشخصي، والجمعي، ومحاولة استخلاص ملامح رؤية متماسكة لتحولات وتقلبات هذه الذات.

تعتمد الذات الشاعرة في كثير من القصائد على صيغة المخاطب، ما بين مخاطب فردي، كالحبيبة، أو الصديق، أو شيخ محدد «يا شيخنا/ أفصح عن مقاصدكَ/ حتى لا يغادرَ السامعونَ المقهى». وأحياناً مخاطبة سامعين مفترضين: «الحكايةُ يا سامعين/ ترقد عند السِّحر المسمى بالأحلام...»، متخذاً سمت الراوي الشعبي الذي يقص حكايته وسيرته -على الربابة- لمجموعة من جمهور المستمعين المتحلقين حوله. وفي أحيان ثالثة يخاطب جماعة كاملة غير محددة، كما في قصيدة «صندوق الفراشات»، إذ يقول: «أنا أيضاً مثلكم، أمتلكُ صناديق تشبهني، وأشبهها، لكنَّ صندوقي الأخير مجرد صندوق فراشات، بسيطٌ ولا يدعو للتباهي»، فهو هنا يتماهى مع الجماعة التي يخاطبها بوصفه جزءاً منها، ولا ينبو عن قوانينها، ومواضعاتها، فيما يتعلق بامتلاكه -مثل جماعته- صناديقه السرية التي لا يعرف أحد مكنونها، لكن موضع اختلافه عن هذه الجماعة هو محتوى هذه الصناديق المملوءة بالفراشات، بما يتناغم مع كونه ذاتاً حالمة، ويتعمق هذا الاختلاف بين الذات والجماعة في القصيدة نفسها، حين يصف نفسه قائلاً:

«أنا طائر ولستُ طائرة

أنا فراشة ولستُ قذيفةً

أنا خيالكم المرتعش وسط الحروب...».

ففي السطرين الأولين ثنائيتان ضديتان، يمثل الطرف الأول منهما الذات بشكل واضح (طائر، فراشة) بكل ما يتعلق بهما من دلالات الرقة، والرهافة، في حين أن الطرف الثاني من الثنائيتين (طائرة، قذيفة) يمثل الجماعة الإنسانية التي تنتمي لها هذه الذات، لكنهما يتقاطعان بنيوياً، فالمسافة بين الذات وجماعتها هي نفسها المسافة بين دال الفراشة ودال القذيفة، بين الجمال، والقسوة، الرهافة، والغلظة، وحين تندغم الذات وجماعتها -في السطر الثالث- فإن الذات تحافظ أيضاً على تركيبتها الرهيفة، وتكون هي الخيال المرتعش، والمخفي، والمسكوت عنه، لتلك الجماعة التي تدخل معمعة الحروب بقسوة، وبشجاعة مدعاة.

هذه الذات الرهيفة هي صنيعة الغياب، والموت، وصنيعة الفقد الذي جعلها تبدو عجينة طيعة، وتخشى التورط في قسوة العالم، وخاصة مع فقد الأب، والحبيبة، وتوالي الموت الذي اقتنص كل من حولها، وحاصرها على مدار مسيرتها الحياتية، فباتت بلا غطاء، ولا حماية، مثقلة بالندوب الروحية، والجسدية، ففي قصيدة «صندوق الغياب» يقول مفككاً تركيبته النفسية:

«أخلعُ ردائي وأقول

هذا غيابُ أبي الذي جعلني

أعمى

وهذا غيابُ حبيبتي

ينقشُ جلدي بالبثور...».

إن هذه الذات، بعد فتح صناديقها المخفية، وخلع الرداء الذي تتستر خلفه أمام الآخرين، بعد التعري التام أمام الذات، ومصارحتها، أصبحت قادرة على التصالح مع أعطابها، أو بالأحرى مع خصائصها، وصفاتها التي لا تملك لها رداً، ولا تعديلاً، والتعاطي معها بوصفها نتاجاً لمعطيات واضحة، يمكنها أن تشير إليها بوضوح، باستخدام اسم الإشارة «هذا»، كأحداث قريبة، ولصيقة بها، وفاعلة في تكوينها، فغياب الأب أفقدها خاصة البصر، وغياب الحبيبة شوّه جلدها بالبثور، ويظل النص مفتوحاً، ليضيف إليه وعي القارئ غيابات أخرى، وتشوهات إضافية.

وتتنامى رهافة هذه الذات بتناغمها مع الطبيعة، ومفرداتها، حتى لو بدت قاسية، أو جامدة ظاهرياً، فهي قادرة على استبصار الهشاشة في كل ما حولها، حتى لو كان جبلاً شامخاً، كما في قصيدة «صندوق الرمل»، حيث نرى هذه الذات المدربة على الهشاشة، وقادرة على النفاذ إلى أعماق جبل، وتعريته من صلادته، وجموده الظاهري، وإحساسه بالتيه، والارتعاش، والضآلة، وترويضه، وبنزع رداء القسوة عن حجارته، ورماله، ليتبدى جوهره الهش، يقول:

«نظرتُ فجأةً

فلمحتُ جبلاً

كأنهُ لصٌّ يرتعشُ

وسطَ السوق...

ربَتُّ عليهِ

فنام جواري كالجثة...».

في خضم هذا الحوار الجدلي بين الذات والعالم تتوصل الذات إلى ما يشبه الحكمة الفلسفية التي تعتنقها، بعد أن عاينت جراحها، وندوبها، وتأكدت من عدم قدرتها، بوصفها ذاتاً فردانية هشة، وممزقة، على إيقاف قسوة العالم، أو التصدي لما به من عوار، والاكتفاء بالابتعاد عن الأفكار الكبرى، والأحلام الإنسانية العريضة، ليكون الانغماس في تفاصيل العالم، ومتعه المحسوسة هو الملاذ لإنقاذ ما تبقى من هذه الذات، وأن تتذوق طعم الحياة ببساطة، ودون أن ترنو لما هو أبعد من حدودها المتناهية، والقريبة، فأقصى ما يمكن أن تفعله ذات ممزقة، ومهمشة كهذه هو أن تستعيد حواسها، وتسترجع قدرتها على الإحساس بالطعم، واللون، والرائحة، وتعود إنساناً ممتلكاً جسده، وبصيرته، وقدرته على التذوق، ولو كان محدوداً بحدود فيزيقية ضيقة، يقول في قصيدة «صندوق الحيّة»:

«الأفكارُ مؤلمةٌ

والأحلامُ حيرة ومتاهة

لهذا فالأجدى في هذه الحياة

أن نسعى فقط

لما نلمسهُ ونُحِسُّهُ...

للصوت والطعمِ

والرائحة...».

تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير

السابق «رولان غاروس»: ريباكينا تودع على يد ستارودوبتسيفا
التالى لبنان يحصر مهام وفده الأمني بالمباحثات «التقنية» مع إسرائيل

 
c 1976-2025 Arab News 24 Int'l - Canada: كافة حقوق الموقع والتصميم محفوظة لـ أخبار العرب-كندا
الآراء المنشورة في هذا الموقع، لا تعبر بالضرورة علي آراء الناشرأو محرري الموقع ولكن تعبر عن رأي كاتبيها
Opinion in this site does not reflect the opinion of the Publisher/ or the Editors, but reflects the opinion of its authors.
This website is Educational and Not for Profit to inform & educate the Arab Community in Canada & USA
This Website conforms to all Canadian Laws
Copyrights infringements: The news published here are feeds from different media, if there is any concern,
please contact us: arabnews AT yahoo.com and we will remove, rectify or address the matter.