اخبار العرب -كندا 24: السبت 16 مايو 2026 01:27 مساءً داخل قاعات «المؤتمر البريطاني لطب الأسنان ومعرض طب الأسنان 2026» (British Dental Conference and Dentistry Show 2026) في مدينة برمنغهام البريطانية، بدا واضحاً هذا العام أن طب الأسنان العالمي لا يعيش مجرد تطور تقني عابر؛ بل يقف أمام لحظة تحوّل تاريخية قد تغيّر شكل المهنة لعقود قادمة.
من مؤتمر مهني إلى نافذة على مستقبل الطبالذكاء الاصطناعي لم يعد عنواناً جانبياً في بعض المحاضرات التقنية، ولا فكرة مستقبلية تُناقَش بحذر داخل الجامعات ومراكز البحوث؛ بل أصبح الحضور الأكثر كثافة داخل المعرض والمؤتمر معاً، من منصات الشركات العالمية إلى القاعات العلمية، وصولاً إلى الأحاديث اليومية بين أطباء الأسنان أنفسهم.
وفي أروقة المؤتمر، كان المشهد يوحي بأن العيادة السِّنية تدخل تدريجياً عصراً مختلفاً، تتحول فيه من مساحة تعتمد بالكامل على الخبرة البشرية التقليدية، إلى بيئة رقمية هجينة تتشارك فيها الخوارزميات مع الطبيب في التحليل والتخطيط واتخاذ القرار السريري.
واستقطب المؤتمر الذي يُعد أكبر تجمع مهني لطب الأسنان في المملكة المتحدة، آلاف الأطباء والأكاديميين وخبراء التكنولوجيا الصحية، وسط حضور واسع لشركات عالمية متخصصة في الذكاء الاصطناعي الطبي والتصوير الرقمي والأنظمة السريرية الذكية.
لكن اللافت هذا العام لم يكن فقط حجم التقنية المعروضة؛ بل الشعور المتزايد بأن الذكاء الاصطناعي بدأ يغيّر تعريف الممارسة الطبية نفسها، وأن طبيب الأسنان القادم قد لا يُقاس فقط بمهارته اليدوية وخبرته السريرية؛ بل بقدرته أيضاً على فهم الأنظمة الذكية التي ستشاركه قراءة البيانات وصناعة القرار.
في أروقة المعرض، ظهرت أنظمة قادرة على قراءة الأشعة السنية خلال ثوانٍ معدودة، وتحليل احتمالات التسوس وأمراض اللثة بدقة متزايدة، والمساعدة في تخطيط الزراعة والتقويم، إضافة إلى منصات ذكية توثق السجلات الطبية، وتكتب الملاحظات السريرية تلقائياً أثناء حديث الطبيب مع المريض.
وفي بعض الأجنحة، بدا المشهد أقرب إلى مختبرات المستقبل منه إلى عيادات الأسنان التقليدية: شاشات عملاقة تعرض تحليلات فورية مدعومة بالأنظمة الذكية، وأنظمة رقمية تتوقع المشكلات السنية قبل ظهورها سريرياً، وتقنيات قادرة على دمج الصور الشعاعية والفحوصات الرقمية والتاريخ المرضي للمريض، داخل نموذج تحليلي واحد يساعد الطبيب على اتخاذ القرار بسرعة ودقة أكبر.
كما خُصصت جلسات علمية كاملة لمناقشة دور الذكاء الاصطناعي في تقليل الأخطاء التشخيصية، وتحسين كفاءة العمل السريري، وتسريع تحليل البيانات الطبية، وإعادة تشكيل تجربة المريض داخل العيادة، بدءاً من لحظة التشخيص وحتى التخطيط العلاجي والمتابعة طويلة المدى.
تحول عميق في الممارسة الطبيةلكن اللافت أن القضية لم تعد مرتبطة فقط بسرعة التقنية أو دقتها؛ بل بطبيعة التحول العميق الذي بدأ يصيب مفهوم الممارسة الطبية نفسها.
فالذكاء الاصطناعي لا يغيّر الأدوات فقط؛ بل يغيّر طريقة وصول الطبيب إلى المعرفة واتخاذ القرار. ففي الماضي، كانت الخبرة السريرية تتراكم ببطء داخل عقل الطبيب، عبر سنوات طويلة من الممارسة والتجربة. أما اليوم، فقد أصبحت النماذج التحليلية قادرة على الوصول خلال ثوانٍ إلى أنماط وتحليلات تستند إلى ملايين الصور والبيانات الطبية المتراكمة حول العالم.
وهنا يبدأ السؤال الأكثر عمقاً داخل طب الأسنان الحديث: إذا أصبحت الآلة قادرة على المساعدة في التشخيص والتنبؤ والتحليل... فما الذي سيبقى جوهراً إنسانياً خالصاً في مهنة الطب؟
* رئيس جمعية طب الأسنان البريطانية: التحدي لم يعد تقنياً.
وفي حديث مع «الشرق الأوسط» على هامش المؤتمر، قال الدكتور إيدي كراوتش، رئيس المؤتمر ورئيس جمعية طب الأسنان البريطانية (British Dental Association)، إن الذكاء الاصطناعي «سيفرض تحولاً عميقاً على مستقبل طب الأسنان بوتيرة أسرع مما يتوقعها كثيرون»، مؤكداً أن السؤال لم يعد متعلقاً بوجود التقنية ولا غيابها؛ بل بمدى جاهزية المؤسسات الطبية والتعليمية للتعامل مع هذا التحول المتسارع بطريقة آمنة وأخلاقية.
وأوضح كراوتش أن الجامعات البريطانية بدأت بالفعل إعادة النظر في مناهج تعليم طب الأسنان؛ لأن «طبيب المستقبل لن يحتاج فقط إلى المهارة السريرية؛ بل إلى فهم عميق للأنظمة الذكية، وآليات اتخاذها للقرار، ونقاط ضعفها العلمية أيضاً».
استقلالية القرار السريريوأضاف أن القضية لم تعد تقنية بحتة؛ بل أصبحت مرتبطة بطبيعة العلاقة الجديدة بين الطبيب والخوارزمية، وكيف يمكن الحفاظ على استقلالية القرار السريري في عصر تزداد فيه قدرة الأنظمة الذكية على التحليل والتوصية والتنبؤ.
وأكد وجود اهتمام متنامٍ بتطوير التعاون العلمي والأكاديمي بين المؤسسات البريطانية والجهات السعودية المماثلة، لا سيما في مجالات التعليم الطبي الرقمي، والذكاء الاصطناعي السريري، وحوكمة التقنيات الصحية الحديثة.
وفي كواليس المؤتمر، بدا واضحاً أن كثيراً من النقاشات العلمية لم تعد تركز فقط على ما تستطيع الأنظمة الذكية فعله؛ بل على نوع الطبيب الذي سيظهر في المرحلة القادمة. فالمهنة التي اعتمدت عقوداً طويلة على تراكم الخبرة البشرية التقليدية، بدأت اليوم تواجه واقعاً جديداً، يصبح فيه فهم الخوارزميات جزءاً من الثقافة الطبية الأساسية، تماماً كما كانت دراسة التشريح وعلم الأمراض جزءاً من تكوين الطبيب في الماضي.
* جيسون وونغ: القرار البشري يجب أن يبقى في المركز.
وفي حديث مع «الشرق الأوسط» على هامش المؤتمر، قال الدكتور جيسون وونغ (Jason Wong)، كبير أطباء الأسنان في الحكومة البريطانية (Chief Dental Officer for England)، إن الذكاء الاصطناعي «لن يلغي دور طبيب الأسنان، ولكنه سيعيد تعريف طبيعة الممارسة الطبية بالكامل خلال السنوات المقبلة».
وأوضح أن الأنظمة الذكية أصبحت قادرة على تقديم دعم تشخيصي مذهل، وتحليل كميات هائلة من البيانات الطبية بسرعة تفوق القدرات البشرية، ولكنها «لا تستطيع فهم الإنسان بكل تعقيداته النفسية والاجتماعية والإنسانية»، ولهذا يجب أن يبقى القرار البشري في قلب العملية الطبية مهما تطورت البرمجيات الطبية الحديثة.
وأضاف أن قيمة الطبيب لا تكمن في قراءة الأشعة أو تحليل النتائج فقط؛ بل في القدرة على فهم المريض كإنسان يعيش القلق والخوف والألم، وهي أمور لا تستطيع الأنظمة الذكية استيعابها بالطريقة التي يفهمها البشر.
تجارب السعوديةوأشار وونغ إلى أن التجارب السعودية الحديثة في تحديث القطاع الصحي واستخدام الأنظمة الذكية بدأت تلفت الانتباه داخل المؤسسات الصحية البريطانية؛ خصوصاً في مجالات تطوير البنية الصحية الإلكترونية، وربط البيانات الطبية، ودمج الأنظمة الذكية داخل الخدمات العلاجية.
كما شدد على أهمية بناء شراكات دولية في مجالات تدريب الكوادر الصحية ورفع مستوى «الوعي الخوارزمي الطبي»، بحيث لا يقتصر استخدام الذكاء الاصطناعي على الجانب التقني فقط؛ بل يمتد إلى الفهم الأخلاقي، والمسؤولية السريرية، ومعرفة الحدود التي يجب أن تتوقف عندها الآلة ويبقى القرار فيها للإنسان.
وفي ظل هذا التحول المتسارع، بدا واضحاً داخل المؤتمر أن مستقبل الطب لن يكون صراعاً بين الطبيب والآلة؛ بل ستكون بينهما علاقة أكثر تعقيداً، يصبح فيها الطبيب مطالباً بأن يفهم التكنولوجيا، من دون أن يفقد إنسانيته أمامها.
القلق الصامت داخل المهنةلكن خلف هذا الحماس التقني الكبير، برز داخل المؤتمر نوع من القلق المهني الصامت، وكأن كثيراً من أطباء الأسنان يدركون أن المهنة تدخل مرحلة جديدة أسرع من قدرة المؤسسات التعليمية على مواكبتها.
فكلما ازدادت دقة الأنظمة الذكية، ارتفع احتمال أن يتحول الطبيب تدريجياً من صانع قرار سريري إلى مراقب يعتمد نفسياً على توصيات الخوارزمية؛ خصوصاً مع قدرة هذه الأنظمة على تحليل الصور والبيانات بسرعة ودقة مذهلتين.
ولهذا خُصصت جلسات علمية عدة لمناقشة ما بات يُعرف عالمياً باسم «الوعي الخوارزمي السريري»، أي قدرة الطبيب على فهم طريقة عمل الأنظمة الذكية، ومعرفة اللحظة التي يجب أن يثق فيها بالخوارزمية، واللحظة التي ينبغي أن يعترض فيها عليها.
وكانت إحدى القضايا اللافتة داخل النقاشات العلمية، أن أعداداً كبيرة من أطباء الأسنان الحاليين لم يتلقوا أصلاً أي تعليم منهجي حول الذكاء الاصطناعي خلال دراستهم الجامعية؛ لأن معظمهم تخرّج قبل دخول هذه التقنيات إلى الممارسة اليومية.
ولهذا بدأ يظهر قلق متزايد من اتساع الفجوة بين سرعة تطور الأنظمة الذكية، وبين مستوى فهم بعض الممارسين لطبيعة عملها وحدودها ومخاطرها المحتملة.
المشكلة لم تعد في استخدام الذكاء الاصطناعي فقط؛ بل في استخدامه من دون وعي كافٍ بطريقة تفكير النماذج التحليلية، أو فهم كيفية وصولها إلى التوصيات والنتائج التي تعرضها على الطبيب.
وهنا تكمن المفارقة الأعمق: فالخطر الحقيقي قد لا يكون في ذكاء الآلة؛ بل في الطاعة البشرية المفرطة لها.
إن الخوارزمية تستطيع تحليل ملايين الصور والبيانات بسرعة مذهلة، ولكنها لا تشعر بالخوف الذي يحمله المريض، ولا تفهم القلق الإنساني المختبئ خلف الصمت، ولا تدرك الظروف النفسية والاجتماعية التي قد تغيّر القرار الطبي بالكامل.
ولهذا بدا واضحاً داخل المؤتمر أن مستقبل طب الأسنان لن يعتمد فقط على تطوير أنظمة أكثر ذكاءً؛ بل على إعداد طبيب أكثر وعياً بحدود الذكاء الاصطناعي، وأكثر قدرة على الحفاظ على استقلالية الحكم السريري في عصر الخوارزميات.
بين عصرين مختلفينومن أكثر المشاهد رمزية داخل المعرض، ذلك التناقض الواضح بين الأدوات السنية التقليدية المعروضة في بعض الأجنحة، والشاشات العملاقة التي تعرض تحليلات فورية تعتمد على الذكاء الاصطناعي.
ففي الوقت الذي ما زالت فيه كثير من أدوات طب الأسنان التقليدية تمثل جوهر العمل السريري اليومي، كانت الأنظمة الذكية في الجهة المقابلة قادرة على قراءة الصور الشعاعية، وتحليل البيانات الطبية، واقتراح خطط علاجية خلال ثوانٍ معدودة. وكان واضحاً أن طب الأسنان لا يمر فقط بمرحلة تحديث تقني؛ بل بمرحلة تغيّرت فيها طريقة ممارسة المهنة نفسها.
وعلى مدى عقود طويلة، كانت الخبرة السريرية تُبنى تدريجياً داخل عقل الطبيب عبر الدراسة والممارسة والتجربة المباشرة مع المرضى. أما اليوم، فأصبحت الأنظمة الذكية قادرة على الوصول بسرعة هائلة إلى أنماط وتحليلات تستند إلى ملايين الصور والبيانات الطبية المتراكمة حول العالم.
لكن هذا التطور يطرح في المقابل أسئلة مهنية وأخلاقية متزايدة حول طبيعة دور الطبيب في المستقبل، وحدود الاعتماد على الأنظمة الذكية داخل العيادة.
ولهذا، لم يعد السؤال الحقيقي داخل مؤتمرات طب الأسنان العالمية، هو ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيدخل العيادة؛ لأن ذلك يحدث بالفعل بصورة متسارعة؛ بل كيف يمكن للطبيب أن يحافظ على استقلالية قراره السريري وإنسانيته المهنية، في عصر أصبحت فيه الخوارزميات جزءاً أساسياً من الممارسة الطبية اليومية.
وفي برمنغهام، بدا واضحاً أن معركة المستقبل لن تكون بين الطبيب والآلة؛ بل بين الطبيب الذي يفهم الخوارزمية، والطبيب الذي يطيعها دون وعي.
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير






