أخبار عاجلة
وقف فنان مصري بتهمة «الإساءة للسيدات» -

وليد جنبلاط يرسم صورة التشظي اللبناني في «قدر من المشرق»

اخبار العرب -كندا 24: الخميس 14 مايو 2026 01:03 مساءً مذكرات وليد جنبلاط الصادرة في كتاب من 340 صفحة باللغة الفرنسية عن دار «ستوك» للنشر تحت عنوان قدر من المشرق» مع عنوان فرعي: «من الحرب الأهلية إلى السلام غير الأكيد» ليست مذكرات بالمعنى الحرفي المتعارف عليه. ذاك أن الكاتب الذي لعب دوراً سياسياً من الطراز الأول منذ نحو خمسين عاماً وكان طرفاً فاعلاً في المشهد السياسي والاجتماعي في لبنان لا يكتفي بسرد سيرة حياته المليئة بالأحداث المؤلمة وغير المؤلمة. ولا ينحصر في مراجعة تاريخ عائلته والدور الذي لعبته في منطقة الشوف اللبنانية منذ مقتل أحد أجداده القدماء (بشير جنبلاط) على أيدي العثمانيين بسبب خلافه مع البشير الآخر، أمير الجبل (بشير الشهابي).

كل ذلك يتضمنه الكتاب ويتضمن بالطبع مأساة مقتل والده السياسي الكبير كمال جنبلاط على يد النظام السوري السابق يوم 16 مارس (آذار) عام 1977 الذي يرخي بظله على الكاتب والذي نقل إليه الزعامة السياسية الدرزية والزعامة النيابية ورئاسة الحزب التقدمي الاشتراكي، وكلها تنقل تدريجياً إلى ابنه تيمور.

وليد جنبلاط في تأبين والده كمال عام 1977 (غيتي)

كل ما سبق صحيح. لكن الكتاب الذي يمكن النظر إليه على أنه رواية لبعض من سيرة لبنان الحديث والمعاصر، هو أيضاً فرصة للكاتب لعرض وتفسير مواقفه المتبدلة ورؤاه للماضي والحاضر وإبداء نصائحه السياسية لبلد عاش في العقود الستة المنصرمة مجموعة من الحروب الأهلية والإقليمية.

وبعض صفحات الكتاب يكرسها الكاتب للحديث عن عائلته، عن جدته الست نظيرة، عن أمه، مي أرسلان، عن العلاقة بين والديه المنفصلين، عن مربيته الفرنسية إيفون نيادو، عن قصر المختارة، مقر «الزعامة الدرزية»، عن نسبه الأرسلاني، عن والده الإقطاعي الذي تبنى الاشتراكية... لكن الأصل والأهم هو السياسة. ولآل الأسد حافظ وبشار حظ وفير منها.

آل الأسد وآل جنبلاط

بين آل الأسد وآل جنبلاط قصة طويلة تحتجز عشرات الصفحات من الكتاب، لا بل إنها تشكل حبكته الرئيسية: قصة كمال جنبلاط مع الأخوين حافظ وماهر الأسد، الأول رئيس للجمهورية السورية بين 1971 و2000، ثم قصة الابن، وليد مع حافظ الأب وبشار الابن الذي ورث الرئاسة وبقي فيها حتى أواخر عام 2024.

لقاء بين حافظ الأسد وكمال جنبلاط بحضور توفيق سلطان (إلى اليسار) وعبد الله الأحمر (أرشيف توفيق سلطان)

يسرد الكاتب بالتفصيل علاقة كمال جنبلاط بحافظ الأسد بدءاً من المقدمة، كما أنه يبدأ فصلين منه (الثاني والثالث) بعبارة «اغتيل والدي يوم 16 مارس من العام 1977».

وليد جنبلاط معجب إلى أقصى الحدود بوالده، بما يسميه «الكاريزما» التي كان يتمتع بها، بثقافته الواسعة وبقدرته على التحدث مع الناس العاديين كما مع كبار القادة والزعماء، وبنجاحه، كزعيم يساري، في بناء تحالف القوى التقدمية والفلسطينيين ضد «قوى الانعزال» أي الأحزاب اليمينية المسيحية.

ويسرد بالتفصيل أسباب الخلاف بين والده كمال وحافظ الأسد، خصوصاً منذ أن قرر الثاني الدخول العسكري إلى لبنان بموافقة أميركية وبغطاء عربي وبناء على طلب القادة المسيحيين الثلاثة وقتها: الرئيسين السابقين كميل شمعون وسليمان فرنجية ورئيس حزب الكتائب الشيخ بيار الجميل.

ومن أسباب الجفاء، سعي الأسد الأب لفرض وصايته على الحركات الفلسطينية وعلى ياسر عرفات رئيس سلطتها التنفيذية.

لقاء بين كمال جنبلاط وياسر عرفات بحضور توفيق سلطان وجورج حاوي ومحسن إبراهيم وياسر عبد ربه (أرشيف توفيق سلطان)

عن الأسد، يقول وليد جنبلاط، كان يسعى لفرض «وصاية دكتاتورية» على لبنان وتكميم الحريات والهيمنة على المقدرات اللبنانية الأمر الذي رفضه والده، فلم يتردد في مهاجمة الأسد ونظامه في مقالات نشرتها صحيفة الحزب التقدمي.

جنبلاط الأب كان على «خلاف مفتوح» مع نظام الأسد الذي رفض تزويد الميليشيات اليسارية بالسلاح الذي كان يطالب به كما اتهمه بالسعي لإعادة تشكيل «سوريا الكبرى». ووصف كمال جنبلاط التدخل السوري بأنه «غزو تقوم به دولة توتاليتارية».

ويشير الكاتب إلى أن الخلاف بينهما هو في الواقع «خلاف بين أقلويين»، الأول علوي والثاني درزي. ويؤكد جنبلاط أن والده تجرأ، خلال آخر لقاء بينه وبين الأسد قبل عام من اغتياله، على القول مباشرة إنه يرفض الموافقة على استباحة لبنان من جانب دولة يرفض أساليبها «القمعية». بيد أن الشعرة التي قصمت ظهر البعير تعود لتغيير دمشق صيغة تحالفاتها السابقة في لبنان بانتقالها إلى التحالف مع الأحزاب المسيحية بعد زيارة القادة الموارنة الثلاثة دمشق، والطلب، رسمياً، من الأسد التدخل لوقف الحرب الأهلية، الأمر الذي جعل اليسار والفلسطينيين والإسلاميين في وضع بالغ الهشاشة.

حافظ الأسد متوسطاً الرئيس أمين الجميل (يسار) ورئيس الحكومة اللبنانية شفيق الوزان (أرشيف أمين الجميل)

ولأن جنبلاط الأب كان يستشعر التهديد المسلط فوق رأسه، فقد سعى للخروج من عزلته باحثاً عن مظلة حماية له، عربية ودولية، فزار فرنسا والاتحاد السوفياتي ودولاً عربية، منها مصر.

ويروي الكاتب أنه عرّج على مصر في طريق العودة إلى لبنان حيث استقبله الرئيس أنور السادات الذي لم يتردد بتوجيه نصيحة واضحة له بقوله: «أخ كمال، لا تعد إلى لبنان. يبدو عليك التعب، ابق في مصر». وسمع كمال جنبلاط نصائح مماثلة عربية وغير عربية. إلا أنه لم يأبه بها وقال لسائليه ما معناه أنه يستشرف ويريد أن يموت في الشوف إلى جانب شعبه.

ولعودته إلى لبنان، استعان كمال جنبلاط بالسفير السوفياتي في مصر الذي أمن نقله على متن ناقلة بترول أنزلته في مرفأ الجية الجنوبي. ويروي الكاتب تفاصيل اغتيال والده متهماً رفعت الأسد والمخابرات السورية بالمسؤولية عنه تدبيراً وتنفيذاً، ومؤكداً أن المسؤول المباشر كان اللواء إبراهيم الحويجي الذي ألقت القبض عليه، في قرية جبلة السورية، القوات الأمنية للنظام السوري الجديد. ويؤكد جنبلاط أن المخابرات السورية اختارت قرية مسيحية لإتمام عملية الاغتيال أو قريباً منها وبثت إشاعات تدعي أن المسيحيين هم من نفذوا الاغتيال، ما أفضى إلى موجات قتل قضت على 300 منهم وتهجير عشرات الآلاف.

وفي عام 2025، أغلق «وليد» فصل اغتيال «كمال» الذي لبس عباءة زعامته، ثم بعد عشرات السنوات نقلها إلى ابنه تيمور، النائب الحالي ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي. فآل جنبلاط متمسكون بالتقاليد، بثوابتهم وبزعامتهم.

الطريق إلى دمشق

منذ الصفحات الأولى، يعرّف جنبلاط عن نفسه بتذكير أن «قليلاً من آل جنبلاط أنهوا حياتهم بموت طبيعي» وأنه قد يكون «الاستثناء» لأنه ما زال حياً. ويضيف: «خلال خمسين عاماً من حياتي السياسية، التي بدأت في عام 1977، لم أعرف سوى النزاعات وشعوري أنني أعيش حرباً بلا نهاية». وقد تكون غريزة البقاء هي التي قادته إلى سلوك طريق دمشق للقاء الرئيس الأسد بعد أشهر قليلة على اغتيال والده. كتب جنبلاط في الصفحة 74: «قررت بالاتفاق مع كادرات الحزب التقدمي وشيخ العقل محمد أبو شقرا التوجه إلى دمشق لإعادة إحياء التحالف الضروري لوجودنا». ويضيف: «كان علي أن أعيد تطبيع علاقاتنا مع النظام السوري الذي كان داعمنا الوحيد. لم يكن لدينا خيار آخر».

بشار الأسد مستقبلاً وليد جنبلاط (أ.ف.ب)

الغريزة نفسها قادته مجدداً إلى دمشق، في مارس 2010، بعد القطيعة مع نظام بشار الأسد عقب اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري في 14 فبراير (شباط) من عام 2005.

الاغتيال، كما يقول جنبلاط، صديق الحريري: «أحدث زلزالاً في لبنان والعالم»، ولم يتردد الكاتب باتهام النظام السوري علناً بالمسؤولية عنه. الحريري كان على خلاف مع الأسد بسبب رغبة الأخير بالتمديد للرئيس إيميل لحود المنتهية ولايته. ويروي جنبلاط ما نقل له الحريري عن لقائه الأسد في 26 أغسطس (آب)، إذ قال له: «لحود هو أنا وإذا سعى شيراك لإخراجي من لبنان، فسوف أحطم كل شيء. وإذا كان جنبلاط يرى أن لديه دروزاً في جبل لبنان، ليعلم أن لي أنا أيضاً دروزي وأستطيع إثارة الفوضى هناك».

الأسد واغتيال الحريري

لم يكن الود السمة الغالبة على العلاقة بين الأسد والحريري. وفاقم ذلك قول الحريري يوماً إن رئيس الجمهورية القادم «يجب أن يتم اختياره في لبنان» أي ليس في دمشق.

وثمة روايات عديدة عما دار في لقاء الأسد ــ الحريري الذي عاد منه الأخير «مرعوباً» كما كتب جنبلاط. ولحماية صديقه، قال له: «أنصحك بأن تصوت لصالح التمديد للحود. لا تعارض ذلك. إنهم أشخاص خطرون...». وهو ما فعل. إلا أن ذلك لم يكن كافياً، إذ إن صدور القرار الدولي رقم 1559 الذي دعا إلى خروج السوريين من لبنان واتهم الحريري بالدفع لتبنيه فاقم الأمور. ويروي جنبلاط أنه تلقى اتصالاً سريعاً من رئيس أركان سابق لم يسمه، قال له: «احذر».

الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد في أحد لقاءاته مع رئيس الحكومة اللبنانية الراحل رفيق الحريري (غيتي)

وبعد سلسلة الاغتيالات التي أعقبت مقتل الحريري، فهم جنبلاط أن الأسد «يريد التخلص ممن يعارضه»، إذ إن سلسلة من عمليات الاغتيال كرّت: باسل فليحان، سمير قصير، جورج حاوي، جبران تويني، بيار الجميل، وليد عيدو... وخلاصة جنبلاط أن صورة الحداثة التي سعى الأسد للترويج لها مع زوجته أسماء كانت «هزلية، فالابن صورة عن أبيه ولكن أسوأ منها». ودورة القتل التي استمرت ما بين 2005 و2007، كان غرضها إسكات كل صوت منتقد للنظام السوري أو لـ«حزب الله».

وكتب جنبلاط:«حزب الله كان يراقبنا في الوقت الذي استمر فيه القضاء على كبار الشخصيات السياسية والفكرية». ويؤكد الكاتب في الصفحتين 301 و302 أنه خلال جلسة «حوار وطني» دعا إليها رئيس البرلمان، نبيه بري، في مارس 2006، حمل معه كتاب «سمرقند» لأمني المعلوف الذي يتحدث فيه عن «الحشاشين» الذين عرفوا بتبنيهم الاغتيالات لإرهاب أعدائهم. وقال في حضور حسن نصر الله، أمين عام «حزب الله» حينذاك: «إن ما نقوم به يذكرنا بما جاء في كتب سمرقند عن الحشاشين». فنظر إليه نصر الله بقسوة معتبراً ما قاله «اتهاماً شخصياً» له. ويضيف جنبلاط: «لقد خيل لي أنه على صلة بعمليات القتل وفهم أنني أتهمه علناً بذلك».

نصب لرفيق الحريري في موقع اغتياله ببيروت (أ.ف.ب)

ويذكّر جنبلاط بكلمة قالها بمناسبة مرور عام على اغتيال الحريري، متوجهاً للأسد: «أنت يا طاغية دمشق، أنت يا قرداً من أسوأ الأنواع، أنت يا سمك القرش الذي لفظك المحيط... أيها الجزار، المجرم، الكذاب».

مرت علاقات جنبلاط بـ«حزب الله» في مرحلة بالغة التوتر عام 2008 حيث انفجر الوضع الميداني في مايو عندما اجتاح مسلّحو الحزب أحياء بيروت وحاصروا دارة جنبلاط والحريري وهاجموا مناطق في الجبل. وقال حكمت الشهابي، رئيس الأركان السوري آنذاك، خلال لقاء مع جنبلاط في باريس، إن «حزب الله» سعى لقتله. وكما بعد مقتل والده، عدل جنبلاط موقفه بعد اتفاق الدوحة فتوقف عن انتقاد النظام السوري وعن استهداف «حزب الله» عملاً بـ«الواقعية السياسية» وبقراءة متأنية لميزان القوى.

كذلك عمد إلى الخروج من تحالف 14 مارس الذي يضم «السياديين». وفي 2009، زار سعد الحريري، الذي كان قد عُين حديثاً رئيساً للوزراء، دمشق للقاء الأسد. وبعده جاء دور جنبلاط.

ناشطون يحملون أعلاماً لبنانية وسورية وصور الصحافي سمير قصير الذي اغتاله النظام السوري السابق في تحرك ببيروت تحت شعار «مِن بيروت الحرية» احتفالاً بسقوط نظام بشار الأسد (إ.ب.أ)

وعن هذا اللقاء، كتب جنبلاط أنه «لم يكن سعيداً بحصوله» لكن كان عليه «أن يساهم في عملية المصالحة اللبنانية ــ السورية». و«لم يكن من خيار أمامي سوى الذهاب حتى النهاية في هذا المسار». وآخر لقاء تم بين الرجلين في 9 يونيو (حزيران) بعد أن انطلقت الانتفاضة في سوريا.

قطعاً، لا تكفي هذه السطور لنقل ما يتضمنه الكتاب الغني بالأحداث والتحليلات، الذي يعد مرآة تعكس عمق الانقسامات اللبنانية، والتشظي الذي يعتمل في مجتمع لم ينجح بعد في رسم طريق لتخطي ذلك الماضي.

تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير

السابق تحقيقات حادث «طائرة باريس»... جدال لا ينتهي في مصر وفرنسا
التالى عباس في مؤتمر «فتح»: سنحافظ على «أوسلو»... و«7 أكتوبر» دمرنا

 
c 1976-2025 Arab News 24 Int'l - Canada: كافة حقوق الموقع والتصميم محفوظة لـ أخبار العرب-كندا
الآراء المنشورة في هذا الموقع، لا تعبر بالضرورة علي آراء الناشرأو محرري الموقع ولكن تعبر عن رأي كاتبيها
Opinion in this site does not reflect the opinion of the Publisher/ or the Editors, but reflects the opinion of its authors.
This website is Educational and Not for Profit to inform & educate the Arab Community in Canada & USA
This Website conforms to all Canadian Laws
Copyrights infringements: The news published here are feeds from different media, if there is any concern,
please contact us: arabnews AT yahoo.com and we will remove, rectify or address the matter.