اخبار العرب -كندا 24: الأربعاء 13 مايو 2026 11:03 صباحاً سوزان (أناييس ديموستييه) في فيلم الافتتاح «القبلة الكهربائية» (أو، حسب عنوانه الفرنسي La Vénus électrique) تعمل في سيرك، حيث يمكنها لقاء 30 سنتيماً أن تُقبِّل أي رجل من الجمهور، فتسري الكهرباء في جسده عبر القبلة. للأسف، لم يخطر في بال أحد أن تقبِّل المخرج بيير سلفادوري، لعله يستطيع شحن فيلمه ببعض تلك الكهرباء وجعله أكثر حيوية.
إنها باريس في أواخر العشرينات؛ المدينة مكتظة بالناس كعادتها، وسوزان تعمل في ذلك السيرك الذي يديره رجل لا يقدِّر قدراتها ولا يدفع لها ما تستحقه. وفي يوم من الأيام تلتقي أنطوان (بيو مارماي)، الذي جاء يبحث عن طريقة للتواصل مع روح زوجته الراحلة إيرين (فيمالا بونس)، التي تركت وراءها ندماً وعذاباً في قلبه لأنه يشعر بالمسؤولية عن وفاتها لأنه لم يكن مخلصاً لها.
ما يريده توني من سوزان هو أن توصله بروح زوجته. مدير أعماله، أرمان (جيل ليلوش)، يعترض في البداية ويظن أنها عملية نصب، لكنه سرعان ما يُدرك أنها فرصة مثالية ليستعيد توني فن الرسم الذي أهمله بسبب حالته النفسية.
هذا الخط القصصي الأساسي كان يمكن أن يكون كافياً، لو أن عمق شخصياته تجاوز سنتيمتراً واحداً، أو لو لم يحشد الفيلم عدداً كبيراً من المشاهد الاسترجاعية (فلاش باك) التي تنقلنا إلى ما قبل وفاة الزوجة ونجاح الرسام في مهنته، وكيف انهارت قدراته بعد رحيل إيرين. تعدُّد هذه المشاهد يشبه إعلانات «يوتيوب»؛ فهي تشغلك بلا جدوى وتقطع انسيابية الفيلم.
بالطبع، ستقع سوزان في حب توني، وتوني في حب سوزان، لكن هذا التطور يحدث بعد مشاهد غير مكتوبة أو منفّذة بسرد مُتَّصل فعلياً.
سؤال مُستحقلم يُخب الفيلم توقعات النقاد الذين سبقوه، فجاء تماماً كحال أفلام افتتاح سابقة لمهرجان «كان»، حيث كانت أقرب إلى حركة لامعة تخبو تدريجياً بعد بداية واعدة، وتستمر حالة الخبو حتى النهاية؛ ما يترك علامة استفهام مُرَّة: «لماذا اختير هذا الفيلم الشاحب ليفتتح المهرجان؟ وما هي المواصفات التي يُستند إليها في اختيار أفلام الافتتاح؟».
إنه سؤال مُستحق، خصوصاً أن افتتاحات «كان» في السنوات العشر الأخيرة على الأقل عانت مشكلة واضحة: «لم تكن معظمها ذات أهمية أو جودة عالية، ولم تكن مختلفة كثيراً عن أفلام أخرى من المستوى نفسه». في عام 2019، اختار المهرجان الفيلم الأميركي «الموتى لا يموتون» (The Dead Don’t Die) لافتتاح الدورة. العنوان كان يعكس مضمون الفيلم نفسه، لدرجة أنه لو عُرض ضمن مسابقة الأفلام لكان حقق نجاحاً نقدياً أكبر مما حققه كفيلم افتتاح.
مثال آخر على فشل الاختيارات يكمن في «النسخة الأخيرة» (The Final Cut)، فيلم فرنسي من إخراج ميشيل هزانافيشيوس (2022). قبل عامين، قدمت المخرجة والممثلة مايوَن فيلماً تاريخياً فضفاضاً بعنوان «جان دو باري» (Jeanne du Barry)، وقتها هُوجم الفيلم من قِبل النقاد وأثيرت التساؤلات نفسها حول سبب اختياره، في حين يُفترض أن يكون فيلم الافتتاح متميزاً في كل عناصره: فناً، وبصريات، ومضامين.
«بلاك ليستد»
إلى جانب بداية منخفضة لمهرجان حافل بالأفلام المنتظرة والمخرجين المثيرين للاهتمام، هناك قضايا أخرى مهمة. بدايةً، يحمل ملصق الدورة الحالية صورة من فيلم «ثيلما ولويز» (Thelma & Louise) إنتاج وإخراج ريدلي سكوت (1991)، وبطولة سوزان ساراندون وجينا ديفيز. هو فيلم نسوي عن امرأتين تطمحان إلى الحرية من مجتمع ذكوري، بعد قتلهما رجلاً حاول اغتصاب ثيلما (ديفيز)، تهربان من المدينة إلى رحاب أميركا المفتوحة بكل أبعادها. يُقارن هذا الفيلم بمثل «أريد حلاً» لسعيد مرزوق (1975)، و«أحلام هند وكاميليا» لمحمد خان (1988).
ما يهم هنا هو أن اختياره جاء وسط عاصفة مُثارة ضد قرارات خفية تمنع سوزان ساراندون من العمل منذ إعلانها تأييدها لفلسطين في تظاهرة نيويوركية قبل عامين. أشار إلى ذلك عضو لجنة التحكيم، كاتب السيناريو البريطاني بول لافرتي، الذي قال إنه من المعيب أن تضع هوليوود سوزان ساراندون، والإسباني خافيير باردم على قائمتها السوداء بسبب موقفهما السياسي، مضيفاً: «احترامي وتضامني المطلق لهما. إنهما الأفضل بيننا وأتمنى لهما حظاً طيباً».
بدوره، أدلى رئيس لجنة التحكيم، المخرج الكوري بارك تشان-ووك، برأيه بالنسبة لمسألة أثارها المخرج الألماني فيم فيندرز في الدورة الأخيرة من مهرجان «برلين»، عندما ترأس لجنة تحكيمها. آنذاك صرَّح فندرز بأنه يجب الفصل بين السينما والسياسة، تبع تصريحه انتقادات بأنه وفريقه يحاولون التهرب من مسؤوليات دأب المهرجان الألماني على تحمُّلها في هذا المنوال؛ إذ كان دوماً شاشة تعرض الآراء المختلفة والمناوئة حتى من قبل انهيار المنظومة الشيوعية في أوروبا.
بالنسبة لبارك تشان-ووك، لا يجب الفصل بين الفن والسياسة، وقال: «إنه مفهوم غريب أن نعتقد أن هناك تضارباً بينهما فقط لأن عملاً فنياً يملك وجهة نظر سياسية».
أيَّدته عضو لجنة التحكيم، الممثلة ديمي مور، قائلة: «جانب من الفن هو التعبير؛ لذا إذا بدأنا بمراقبة أنفسنا، فسنغلق جوهر إبداعنا، حيث يمكن اكتشاف حقائق وإجابات».
أكملت حديثها بالتطرّق إلى الذكاء الاصطناعي، داعية إلى حماية الفن منه، بعد أن ظهرت في فيلم يعتمد على مفهوم الذكاء الاصطناعي بعنوان «المادة» (The Substance). هذا يأتي بعد إعلان المدير الفني للمهرجان، تييري فريمو، أن المهرجان لن يقبل أي فيلم لا يُحقِّقه بشر.
هوليوود المتمنعةالمواقف السياسية ليست بالكلمات وحدها، ففي الوقت الذي ما زالت غزة المحاصرة تدفع فاتورة حياة أبنائها ضد العدوان الإسرائيلي، يعرض المخرج راكان مياسي فيلمه حول القضية بعنوان «يوم أمس العين لم تنم» (Yesterday the Eye Didn’t Sleep) ضمن مسابقة «نظرة ما».
لا يوجد فيلم عن الحرب في الخليج، لكن هناك سينمائيين إيرانيين مشاركين في تظاهرات المهرجان، يتقدمهم أصغر فرهادي الذي سيعرض فيلمه الجديد «حكايات متوازية» (Histoires Parallèles) ضمن المسابقة، وهو دراما حول كاتبة روائية (إيزابل أوبير) تتجسَّس على جيرانها لاستلهام أحداث روايتها المقبلة، وليس فيلماً سياسياً.
على ذلك، لن ينجُ فرهادي من أسئلة الصحافيين خلال المؤتمر الصحافي بعد عرض الفيلم، عن رأيه في العدوان الإيراني على دول الخليج. موقفه حرج؛ كونه، على عكس جعفر بناهي أو محمد رسولوف، محسوب على الحكومة وليس ضدها.
وضعُ كل ما سبق في مربَّع واحد قد يجيب عن سؤال سبب تمنُّع هوليوود إرسال أفلامها إلى هذا المهرجان في هذا العام تحديداً.
معارضة «كان» للذكاء الاصطناعيأحد الأسباب هو موقف المهرجان من الذكاء الاصطناعي، إذ تأخر التعامل معه حتى تسلَّلت تكنولوجيا الأدمغة غير البشرية إلى شرايين الصناعة في أكثر من ميدان. رغم وجود فيلمين أميركيين ضمن الإطار الرسمي: «نمر من ورق» (Armageddon Time) لجيمس غراي، و«الرجل الذي أحب» (The Man Who Loved) لإيرا ساكس، إلا أنهما ليسا من أفلام الاستوديوهات الكبيرة، وفق «هوليوود ريبورتر».
كما قال تييري فريمو وكان مصيباً: «عندما يكون اشتراك الاستوديوهات قليلاً، فإن الاشتراك الأميركي منخفض. نقطة على السطر».
هناك أيضاً العامل الاقتصادي؛ إذ إن تحريك الاستوديوهات جيوشها من النجوم نحو المهرجان سيكون مكلفاً جداً، من السفر، إلى الإقامة، وفواتير المتطلبات الأخرى.
أما الناحية السياسية، فليست السبب الرئيسي هذا العام، إذ إن الدعوة للحد من رقابة هوليوود على آراء فنانيها، خصوصاً حول دعم فلسطين، ربما تكون سبباً مضافاً في السنوات المقبلة، لكنها ليست السبب الراهن؛ كون الدعوة وُجِّهت بعد قرارات هوليوود بعدم المشاركة.
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير






