لم يقتصر الهجوم على العاصمة باماكو، ذلك أنه بالتزامن كان المتمردون يتحركون في الشمال لاستعادة المدن واحدة تلو أخرى، ولم تمضِ سوى ساعات قليلة حتى سقطت في قبضة «جبهة تحرير أزواد» مدينة كيدال، بأقصى شمال شرقي مالي، غير بعيد من الحدود مع الجزائر، وعلى بعد 1500 كيلومتر من العاصمة باماكو. ولقد تفاوضت روسيا مع المتمردين لكي يسمحوا بانسحاب قواتها بهدوء من كيدال.
ثم تبعتها مدن غاو وتمبكتو وميناكا وسيغنو وموبتي... وبدا أن كل شيء ينهار وبسرعة.
مالي، الواقعة في غرب أفريقيا، تعد واحدة من أفقر دول العالم، وتعاني منذ 2012 من تمرد مسلح تتصدره جماعات مرتبطة بتنظيمي «القاعدة» و«داعش»، وحركات مسلحة انفصالية تناضل منذ عقود لاستقلال إقليم أزواد في شمال البلاد.
وحقاً، كادت مالي تنهار عام 2012 حين سيطر مسلحو «القاعدة» والحركات الانفصالية على شمال البلاد، ولكن السلطات آنذاك لجأت إلى فرنسا، القوة الاستعمارية السابقة، التي تدخلت عسكرياً مطلع 2013، ونجحت في استعادة السيطرة على الشمال. وتحوّل مركز الحرب العالمية على الإرهاب إلى مالي ليتوسع لاحقاً نحو منطقة الساحل عموماً، وأصبحت فرنسا هي من يقود هذه الحرب، بدعم من الأوروبيين والولايات المتحدة، وقوة أممية لحفظ السلام.
ولكن بعد مرور 10 سنوات، أنفق فيها الفرنسيون أكثر من 10 مليارات يورو على مواجهة الإرهاب في مالي والساحل، وقع انقلاب عسكري في مالي عام 2020 قاده ضباط شباب، اتهموا فرنسا بالفشل في مواجهة الإرهاب، بل اتخاذه ذريعة لاحتلال مالي وتكريس نموذج استعماري جديد.
وتبنى حكام مالي الجدد خطاباً معادياً لفرنسا، رافعين شعار السيادة، فألغوا من طرف واحد الاتفاقيات العسكرية مع باريس وطردوا القوات الفرنسية. ومن ثم، توجهوا نحو التحالف مع روسيا، وجلبوا مئات من مقاتلي مجموعة «فاغنر» الروسية الخاصة لمواجهة المتمردين الطوارق ومقاتلي «القاعدة». ومنذ العام الماضي حُلّت مجموعة «فاغنر» وعوّضتها موسكو بقوات من «الفيلق الأفريقي» التابع لوزارة الدفاع الروسية.نجاح مؤقت
التحالف المالي - الروسي نجح في تحقيق مكاسب على الأرض، وأصبح الجيش المالي أكثر تسليحاً، وكبّد التنظيمات المسلحة خسائر كبيرة بفضل حصوله على أسلحة متطورة. إلا أن العامل الحاسم كان تكوين منظمة سلاح الجو ودعمها بمسيّرات تركية، وفي ذروة صعود الجيش المالي استعاد عام 2023 السيطرة على مدينة كيدال، معقل المتمردين الطوارق.
ولكن مع مرور الوقت، بدأت الحركات المتمردة والتنظيمات المرتبطة بـ«القاعدة» تتأقلم مع الوضع الجديد، فاستعادت قوتها تدريجياً، وتوسّعت في مناطق وسط وجنوب مالي. ونهاية العام الماضي فرضت حصاراً على العاصمة باماكو، وشنّت هجوماً قوياً على مطار باماكو الدولي، وكانت كل المؤشرات تشير إلى قدرة التنظيم الإرهابي على دخول العاصمة والسيطرة على الحكم.
لوصف ما يحدث في مالي منذ السبت الماضي، اعتبر عبد الصمد مبارك، رئيس «مركز الأطلس للتنمية والبحوث الاستراتيجية» والأستاذ بجامعة نواكشوط، أن ما حدث هو «تحصيل حاصل»، وهو «النتيجة الطبيعية لتراكم طويل الأمد للعديد من الأزمات». وأردف مبارك، في حوار مع «الشرق الأوسط»، إن «الوضع في مالي مقلق جداً، وهو نتيجة تراكمات تدريجية لواقع دولة فقدت أدواتها الرمزية قبل أن تنهار مؤسساتها وتتصدع بنيتها».
المأزق الروسيمن جهة ثانية، منذ هجمات السبت الماضي، وما سبقها من فقدان الجيش المالي للمبادرة الميدانية، وتركز نفوذه في العاصمة ومحيطها، وردت تقارير عن «انهيار» النموذج الروسي في مالي، إذ نشر «معهد روبرت لانسينغ» تقريراً تناول فيه فشل المقاربة الأمنية والعسكرية لـ«الفيلق الأفريقي» في مالي.
ورأى المعهد المتخصص في تحليل التهديدات العالمية أن الوضع الحالي «يعكس انهيار بنية مكافحة الإرهاب الدولية، التي استمرت عقداً من الزمن، وفشل القوات المدعومة من روسيا في أن تكون بديلاً فعالاً». وتابع أن الشراكة بين باماكو وموسكو «كانت تقوم على ترتيب نفعي: تحصلُ مالي على حماية النظام ودعم مكافحة التمرد، بينما أمنت روسيا الوصول إلى الموارد الاستراتيجية ونفوذ جيوسياسي عبر منطقة الساحل».
وخلص المعهد، من ثم، إلى تأكيد أنه «رغم ذلك، كانت الديناميكيات الداخلية للصراع في مالي أكثر تعقيداً مما توقعه الفاعلون الخارجيون... وأن خصوم الدولة ليسوا تمرداً واحداً، بل منظومة متداخلة من الجماعات المسلحة، وقد نسقت هذه الجماعات عملياتها بشكل متزايد، وجمعت بين الآيديولوجية الجهادية والمظالم المحلية والطموحات الانفصالية».
خروج كاماراواليوم، بينما تزداد قوة «القاعدة»، وترتفع معنويات المتمردين الطوارق، يعيش المجلس العسكري حالة من الإحباط، خاصة بعد مقتل وزير الدفاع الجنرال ساديو كامارا، الرجل الثاني في المجلس، و«مهندس» الشراكة العسكرية والأمنية مع روسيا.
ووفق محمد ولد الداه، الخبير في الشأن الأفريقي، خروج كامارا من المعادلة «ضربة موجعة جداً، أصابت عمق المؤسسة العسكرية»، بل إن غياب كامارا «قد يشكّل تهديداً لتماسك المجلس العسكري، خاصة أن اغتياله يعدّ اختراقاً أمنياً في قلب منظومة الحكم».
وتابع ولد الداه، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن لمقتل كامارا تداعيات مباشرة تتمثل في «تشديد القبضة الأمنية وإغلاق الباب أمام أي انفتاح سياسي محتمل... وأن مرحلة ما بعد كامارا ستفرض إعادة ترتيب مراكز القوة داخل المجلس العسكري الحاكم». ثم أضاف: «أعتقد أنه بعد اغتيال وزير الدفاع، ستزيد الحاجة إلى الشريك الروسي، ليس في مجال الدعم العسكري فقط، وإنما أيضاً كضامن لأمن وسلامة النخبة العسكرية الحاكمة، وهذا بكل تأكيد سيزيد من عمق التبعية لروسيا».
ولكن حسين لنصاري، وهو كاتب متخصص في الشؤون الأمنية بمنطقة الساحل الأفريقي، له رأي آخر، إذ شدّد لـ«الشرق الأوسط» على أن «كامارا كان المهندس الرئيس للتحالف مع روسيا، وبالتالي فإن اغتياله يخلخل الاستقرار الداخلي للمجلس العسكري، ويهدد مستقبل العلاقة ما بين باماكو وموسكو».
تبنى حكام مالي خطاباً معادياً لفرنسا، رافعين شعار السيادة
فألغوا من طرف واحد الاتفاقيات العسكرية مع باريس
بناء عليه، كثيرة هي الأسئلة التي تُطرح الآن حول مستقبل الوجود العسكري الروسي في مالي بعد هجمات السبت، وانسحاب «الفيلق الأفريقي» الروسي، حتى ذهب بعض المحللين إلى تأكيد «انهيار» استراتيجية موسكو في مالي.
ولد الداه يرى أن «وصف ما حدث بالانهيار فيه مبالغة، إذ يمكن القول إنها انتكاسة كبرى، وليست انهياراً كاملاً. صحيح أن الانتكاسة خطيرة، وتكشف أن روسيا غير قادرة على توفير الأمن الموعود. وأن الهزائم المتتالية للفيلق الأفريقي والجيش المالي تشير إلى هشاشة النموذج العسكري، لكن المجلس ما زال يسيطر على العاصمة والمؤسسات، وقد تردّ روسيا بتعزيز وجودها أو تغيير تكتيكاتها لتجنب انهيار كامل يمسّ هيبتها في القارة».
أما لنصاري فيؤكد أن الوجود العسكري الروسي في مالي «يمرّ بتحول كبير منذ انسحاب (فاغنر) صيف 2025 وتعويضها بالفيلق الأفريقي». ويضيف: «تشير الدلائل إلى أن مستقبل هذا الوجود يواجه هزّات عنيفة لأسباب عديدة. من بينها انسحاب القوات الروسية من كيدال بعدما كانت قد استعادتها عام 2023. بالتالي، أعتقد أن موسكو هي الخاسر الأكبر، بعدما أثبتت الأحداث الأخيرة هشاشة نموذج الحماية الروسي وخلل في قدراته الاستخبارية في مالي، بل في الساحل عموماً».
من جهته، يقول أحمد مصطفى سنغاريه، وهو صحافي مالي، إن كل الكلام الدائر عن انسحاب روسي من مالي «مجرد شائعات». وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «كل الشائعات والأخبار المنتشرة حول توتر العلاقة بين مالي وروسيا، وعن إمكانية انسحاب فيلق أفريقيا من مالي، أخبار مغرضة مصدرها الإعلام الغربي، الهدف منها الإضرار بالعلاقات بين مالي وروسيا».
وأردف: «جوهر العلاقة بين مالي وروسيا التعاون في مجال التدريب والاستخبارات وصفقات السلاح». وأشار إلى أن «الجنود والضباط الروس الذين يقاتلون مع الجيش المالي في الميدان، ليسوا في مقدمة العمليات لأن دورهم يقتصر على التوجيه والتدريب وتقديم الاستشارات».
أي مستقبل؟روسيا رفضت بلا تردد طلب المتمردين سحب قواتها من مالي، وأكدت أنها باقية لمحاربة التطرف والإرهاب. وهذا موقف يعتقد محمد الأمين ولد الداه أنه نابع من قناعة موسكو بأن «مالي هي نقطة ارتكاز نفوذها في غرب أفريقيا». وأضاف أنه رغم ذلك ستراجع موسكو استراتيجيتها «حيث ستنتقل من نمط الانتشار الكثيف في المنطقة، إلى نمط أكثر انتقائية، يقوم على دعم استخباراتي وتدريب عملياتي نوعي... ولا أتوقع أن تتراجع روسيا عن وجودها في مالي، لأن أي تراجع مهما كان تكتيكياً، سيؤثر على بقية الشركاء في الساحل، وهو ما قد يقود إلى نسف المشروع الروسي في أفريقيا».
مع هذا، رأى ولد الداه أن على موسكو استيعاب الدرس «فالقوة العسكرية وحدها لن تحسم المعركة، ومع غياب أي نوع من الحلول السياسية والاجتماعية تبقى المكاسب العسكرية هشّة». وحول مستقبل مالي في المرحلة المقبلة، قال إنه يتوقعُ 3 سيناريوهات، في مقدمتها «استمرار الرهان على الحل العسكري وحده، بدعم من روسيا ودول الساحل، وهذا يعني حرب استنزاف طويلة الأمد، ستقود في النهاية إلى تآكل تدريجي لسلطة الدولة، وهو مسار خطير جداً».
أما السيناريو الثاني فهو «مقاربة مزدوجة؛ أمنية وتنموية، وتنظيم حوار مع الفاعلين المحليين، وطبعاً هذه مقاربة عقلانية تحتاج شجاعة سياسية وتقديم تنازلات، كما تتطلب حكومة شرعية، وأعتقد أن المجلس العسكري الحاكم يفتقد إلى ذلك».
أما السيناريو الثالث فهو «انكشاف الدولة واتساع رقعة المناطق الخارجة عن سلطتها، وهو ما قد يضعنا أمام خيار تفكك الدولة، حيث لا يبقى تحت سلطة المجلس العسكري سوى العاصمة وضواحيها».
في غضون ذلك، يطرحُ عبد الصمد مبارك احتمال حدوث سيناريو رابع يتمثل في «تصدع النظام من الداخلي وحدوث انقلاب عسكري يفتح الطريق أمام مرحلة انتقالية جديدة ومدروسة تعيد الأمل»، وهنا حذّر مبارك من «انزلاق مالي نحو المجهول، حين يصبح البديل الوحيد المتاح هو سيطرة الجماعات المسلحة على الدولة».أما لنصاري فـ«يرجح بقاء المجلس العسكري في الحكم، بدعم من روسيا، مع شنّ هجوم مضاد لاستعادة المناطق الشمالية من سيطرة الحركات الأزوادية مثل كيدال، وسيكون نجاح هذا الهجوم هو العامل الحاسم لاستمرار المجلس العسكري في الحكم». ويضيف أنه إذا فشل المجلس العسكري في استعادة السيطرة على الشمال «سيزداد الضغط الداخلي ويتصاعد التوتر داخل المجلس العسكري، ما قد يؤدي إلى تغيير سياسي وتراجع في النفوذ الروسي».
حلف التناقض... وتغيّر «القاعدة»
هجمات السبت الماضي في مالي، وإن قادت إلى طرح أسئلة كثيرة حول مستقبل المجلس العسكري والوجود العسكري الروسي، فهي أيضاً حملت معها معطيات لافتة، من أهمها: التحالف بين «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» الموالية لتنظيم «القاعدة»، و«جبهة تحرير أزواد» الساعية لانفصال الشمال. ومع أن هذه ليست المرة الأولى التي يتحالف فيها المتمردون مع «القاعدة» بشمال مالي، فهي المرة الأولى التي يكون فيها التحالف بينهما بهذه القوة. لإدراك هذه القوة، يجب فهم التركيبة الداخلية لكل طرف؛ إذ إن «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» أسّست عام 2017 حين تحالفت أربعة تشكيلات مسلحة هي: «حركة أنصار الدين» و«جبهة تحرير ماسينا وجماعة «المرابطون»، وإمارة الصحراء «القاعدة». ومن جهتها، أُسّست «جبهة تحرير أزواد» عام 2024، لتوحيد جميع الحركات المتمردة في شمال مالي، بعد سقوط كيدال، عاصمة المتمردين ومركز نفوذهم، في يد الجيش المالي عام 2023، بدعم من مجموعة «فاغنر» الروسية الخاصة. وهنا يقول محمد الأمين ولد الداه، الخبير في الشأن الأفريقي، إن التحالف ما بين المتمردين والقاعدة «ليس تجاوزاً فكرياً بقدر ما هو تعليق مؤقت للخلاف الآيديولوجي تحت ضغط الميدان والمعارك الدائرة... فثمة مجموعة من العوامل أدت إلى تقارب الطرفين؛ أبرزها اثنان: 1 - العدو المشترك المتمثل في السلطات العسكرية في باماكو، والفيلق الأفريقي - الروسي وتحالف دول الساحل. هذا العدو يمثل تهديداً وجودياً للطرفين. وبالتالي (كان لا بد أن نؤجل خلافاتنا ما دام خطر الاستئصال مشتركاً). 2 - سقوط (اتفاق الجزائر للسلام) أزال آخر مظلة كانت تمنع المتمردين الأزواديين من العودة للعمل المسلح. وبالتالي، عندما ينهار السلام تتقارب البنادق». ولد الداه يؤكد أن أهم عامل ساهم في تحالف «القاعدة» والمتمردين، هو «التحول الكبير خلال السنوات الأخيرة في سلوك تلك الجماعات؛ إذ إن (القاعدة) في مالي لم تعد تعمل بوصفها تنظيماً عقائدياً صِرفاً، بل يمكن الآن تصنيفها فاعلاً متمرداً ذكياً، يبني تحالفات محلية مع القوى الموجودة في المنطقة، ويستثمر المظالم الاجتماعية في المجتمعات المحلية». ويتابع: «الواضح هو أنه جرى تأجيل المشروع العقائدي كي لا يعرقل التمدد الميداني، وهذا التحالف التكتيكي الذي حدث بين الجماعتين أعتقد أنه قابل للتحول إلى نمط متكرر، وكلما طال أمد الحرب واشتد الضغط زادت الحاجة إلى التنسيق المشترك بين الطرفين، حتى يصبح هذا التحالف استراتيجياً قد يؤدي إلى تقاسم لبعض المناطق». في السياق ذاته، يقول حسين لنصاري، إن «تحالف (جبهة تحرير أزواد) مع (جماعة نصرة الإسلام والمسلمين) يمثل مبدأ: عدو عدوك صديقك»، مشيراً إلى أن «(جبهة تحرير أزواد) تسعى إلى تحرير منطقة شمال مالي، وتأسيس دولة أزواد، بينما (جماعة نصرة الإسلام والمسلمين) هدفها السيطرة على جنوب مالي، وتغيير الحكم في باماكو، بالتنسيق مع شخصيات معارضة وربما ضباط داخل النظام الحاكم».
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير







