اخبار العرب -كندا 24: السبت 14 مارس 2026 12:51 مساءً منذ بداية ولايته الثانية في البيت الأبيض، لم تنقطع رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني عن المفاخرة بالعلاقة الوطيدة التي تربطها بالرئيس الأميركي دونالد ترمب، والتباهي بأنها وحدها القادرة على رأب الصدع، وحلحلة العقد بين واشنطن وبروكسل كلما ظهرت في الأفق مؤشرات خلاف جديد بين حلفاء أصبح ما يجمعهم يقلّ كل يوم.
ومع تفاقم الخلافات بين ضفتي الأطلسي، من تفرّد واشنطن بإدارة الحرب في أوكرانيا، وانحيازها إلى جانب موسكو، وتهميش الدور الأوروبي، إلى حرب الرسوم الجمركية، مروراً بمحاولة وضع اليد على جزيرة غرينلاند، وزيادة الإنفاق العسكري، كانت ميلوني تحاول دائماً أن تُسوّق لدى نظرائها الأوروبيين ورقة صداقتها مع ترمب، وقدرتها على ترطيب الأجواء، والتهدئة كُلّما انقطع الود بين الطرفين.
عندما نشبت الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران، توقّع الجميع أن تكون ميلوني سبّاقة بين الحلفاء الأوروبيين للإعراب عن موقف مؤيد لهذه الحرب، خاصة أن الاتحاد الأوروبي لم يتخذ موقفاً مشتركاً منها إلى اليوم. لكن رئيسة الوزراء الإيطالية قرّرت أن تغيب أحد عشر يوماً عن الأنظار، واكتفت بمشاركتها في برنامج إذاعي بعد خمسة أيام على بدء العمليات الحربية، فيما كانت المعارضة تلُحّ في مطالبتها بالمثول أمام البرلمان لتشرح موقف حكومتها، وكان الرفض يتنامى في أوساط الرأي العام الإيطالي للحرب، أو المشاركة فيها بأي شكل من الأشكال.
في موازاة ذلك، كانت حكومات الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بدأت تنأى بنفسها عن الحرب، ويطالب بعضها بمعرفة أهدافها الحقيقية، وجدولها الزمني، ويخشى البعض الآخر من تداعياتها الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، فيما ذهبت دول أخرى -مثل آيرلندا والسويد وسلوفينيا- إلى التنبيه بأنها حرب خارج الشرعية الدولية، والمظلة القانونية للأمم المتحدة. ثم جاء الموقف الاسباني المتقدم على لسان رئيس الوزراء بيدرو سانشيز، الذي وضعه تحت عنوان «لا للحرب»، محرجاً بذلك شركاءه الأوروبيين الذين كانوا بدأوا يستشعرون اتّساع رقعة الرفض الشعبي للحرب التي كانت ضبابية أهدافها والمخاوف من خروجها عن السيطرة تثير تساؤلات وانتقادات في الولايات المتحدة، والخارج.
مرّت الأيام من غير أن تعلن ميلوني عن موقف واضح لحكومتها من الحرب التي أدانها الفاتيكان في بيان غير مسبوق من حيث الصراحة التي اتسّم بها. ولم تُبلغ واشنطن الحليفة الإيطالية بموعد نشوب الحرب، رغم إبلاغها بريطانيا وفرنسا وألمانيا. وكانت حادثة وجود وزير الدفاع الإيطالي غويدو غروسيتّو مع أسرته في دبي إبّان اندلاع الحرب، وعدم تمكنه من العودة إلى روما بعد إغلاق المجال الجوي الإماراتي دليلاً قاطعاً على أن إيطاليا كانت خارج الصورة التي من المفترض أن بداخلها بحكم العلاقة المميّزة مع الرئيس الأميركي. إلا أن ميلوني أدركت فجأة أن هذه العلاقة أصبحت تُشكّل عبئاً عليها على الصعيد الداخلي، وأن الثقل الدولي الذي كانت تتباهى به قد تبخّر في لحظة.
موقف مفاجئوبعد مشاورات بعيدة عن الأضواء مع رئيس الجمهورية سرجيو ماتّاريلا، ومع وزير خارجية الفاتيكان، قررت ميلوني المثول أمام البرلمان، حيث أعلنت موقفاً من الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران لم يكن وارداً في حسبان أحد، خاصة أنها كانت خلال مشاركتها في البرنامج الإذاعي قد وضعت الحرب في «سياق عام يتعرّض فيه القانون الدولي لأزمة».
أمام البرلمان، قالت ميلوني، مثيرةً دهشة أنصارها قبل معارضيها: «لسنا في حرب، ولا نريد الدخول في الحرب». وكشفت أن الولايات المتحدة لم تطلب استخدام القواعد الأميركية في إيطاليا، والتي يوجد فيها 34 ألف جندي أميركي، مؤكدة أنه في حال طلبت ذلك سيعود القرار إلى البرلمان، وأنه في مطلق الأحوال سيقتصر الاستخدام على الخدمات اللوجيستية بموجب الاتفاقات الثنائية الموقعة بين البلدين.
وقالت ميلوني إن إيطاليا سترسل مساعدات عسكرية إلى بلدان الخليج لتعزيز دفاعاتها الجوية، «ليس لأنها بلدان صديقة فحسب، بل لأن فيها عدداً كبيراً من الإيطاليين، وما يزيد عن ألفي جندي إيطالي، ولأن منطقة الخليج حيوية بالنسبة لأمننا وإمداداتنا». وكان واضحاً في كلامها الحضور القوي للموقف المبكر الذي كان أعلنه سانشيز، وتداولته بتنويه واسع الأوساط الإعلامية والشعبية في إيطاليا، وقالت إنه «ليس في موقفنا من الحرب ما يختلف عن موقف إسبانيا، لكن دور البطولة هو لسانشيز».
حتى الساعة، وخلافاً لما حصل عندما أعلن سانشيز موقف بلاده الرافض للحرب، حيث سارع الرئيس الأميركي إلى انتقاده بشدة، وأمر بقطع العلاقات التجارية مع إسبانيا، لم يصدر أي تعليق من واشنطن على الموقف المماثل الذي أعلنته ميلوني، والذي ليس مجرّد ثمرة حسابات داخلية، بل هو بداية انعطاف في اتجاه موقف موحد تجهد العواصم الأوروبية الكبرى لاتخاذه من هذه الحرب الثانية في منطقة حيوية بالنسبة لها على أكثر من صعيد.
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير






