اخبار العرب -كندا 24: الأربعاء 4 مارس 2026 01:15 مساءً في اليوم الخامس من الحرب التي تقول إدارة الرئيس دونالد ترمب إنها قد تمتد «شهراً أو أكثر»، تتحرك لوحة الميدان والسياسة في اتجاهين متوازيين: وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث يُشيد بما يصفه بـ«نجاحات» الضربات، ويؤكد أن الحملة «لن تكون حرباً بلا نهاية»، مع تركيز مُعلن على تقويض قدرات إيران الصاروخية والبنى المرتبطة بها.
وفي المقابل، تتسرّب إشارات عن تواصل سري إيراني مع واشنطن لاستكشاف «شروط إنهاء» المواجهة، بينما ينفي ممثل طهران في الأمم المتحدة أي قناة رسمية، في ازدواجية تعكس ضغطاً عالياً على منظومة القرار الإيرانية تحت وقع الخسائر.
على خطٍ موازٍ، يتسع البعد الإقليمي للحرب؛ إذ أعلنت تركيا أن دفاعات جوية وصاروخية تابعة لحلف شمال الأطلسي أسقطت صاروخاً إيرانياً كان في مسارٍ نحو أجوائها، في سابقة تُدخل الناتو عملياً - ولو دفاعياً - في مشهد الاشتباك.
وفي واشنطن، بدأت ترتفع لغة «اليوم التالي»: ترمب يُلمّح إلى أنه يفكر في الحكومة الإيرانية التي ستتشكل لاحقاً، ما يعني أن سقف الحملة لا يتوقف عند «التقويض العسكري»، بل يطول هندسة مخرجات سياسية محتملة.
ضمن هذه الخلفية، يقول ديفيد شنكر، مساعد وزير الخارجية الأميركي السابق لشؤون الشرق الأدنى، في حديث مع «الشرق الأوسط»، إنه «من المبكر جداً تقييم حرب إيران بعد أيام قليلة فقط من بدء حملة يقول الرئيس ترمب إنها قد تستمر شهراً أو أكثر».
لكن شنكر يلفت إلى أن إيران «تكبدت بوضوح خسائر قيادية كبيرة، وتعرضت قواتها العسكرية لتدهور، وتضرر برنامجها النووي أكثر»، ومع ذلك «أثبت النظام حتى الآن قدرته على الصمود»، مستمراً في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، «بعضها نحو إسرائيل، لكن معظمها نحو دول الخليج».
الهدف العاجل: «صيد منصات الصواريخ»يرى شنكر أن الهدف القصير الأمد الأهم لواشنطن وتل أبيب هو «تقويض قدرة طهران على إطلاق الصواريخ». ويصف ذلك بأنه «مهمة تستغرق وقتاً»، تُذكّر بـ«صيد صواريخ سكود في العراق بعد تحرير الكويت عام 1991». المسألة هنا ليست في وجود مخزون صاروخي فحسب، بل في معادلة «المخزون مقابل المنصات»: إيران، بحسب شنكر، «تملك مخزوناً كبيراً من الصواريخ، لكن لديها منصات إطلاق أقل»، فيما تُعقّد الجغرافيا الإيرانية الشاسعة، وما يرتبط بها من أنفاق ومخابئ، عملية العثور على المنصات وتعطيلها.
وفي تقدير شنكر، فإن هذا البُعد «يُفسّر لماذا تُشدد واشنطن وتل أبيب على أن خفض وتيرة الإطلاق لا يعني حسم المهمة؛ فما دامت المنصات تعمل، سيظل لدى طهران هامش لإبقاء الحرب حيّة عبر ضربات متقطعة تُثقل منظومات الاعتراض، وتربك الحسابات السياسية لدى دول المنطقة، خصوصاً دول الخليج». ويضيف أن تكلفة الاعتراضات مرتفعة، وأنها قد تكون «غير كافية» إذا تحولت الضربات إلى نمط يومي طويل، ما يفتح باب الاستنزاف النفسي والاقتصادي.
ويلفت شنكر إلى نقطة اجتماعية - سياسية حساسة: المجتمع الإسرائيلي «اعتاد» نسبياً على حياة الملاجئ، بينما الوضع «أصعب» على دول الخليج التي لا تملك ملاجئ، وتعيش هذا النوع من الصدمة للمرة الأولى تقريباً. من هنا، قد تتحول الضغوط الداخلية في بعض دول الخليج إلى عامل يدفع باتجاه تقليص زمن الحرب أو ضبط مسارها، خصوصاً إذا لامست الضربات البنى الحيوية للطاقة والمياه وأمان المدن.
تغيير النظام: رغبة مُعلنة غير مضمونةعلى المستوى السياسي، تتسع الفجوة بين الشعار والقدرة. فشنكر يقول إن واشنطن «عرّفت هدف الحرب بأنه تغيير النظام»، لكن «على الرغم من اغتيال الرقم الأكبر (المرشد علي خامنئي)»، فإن النظام «لا يزال قائماً». وهنا تبرز معضلة معروفة في حروب «الضغط الجوي»: إسقاط شخصيات قيادية قد يسبب ارتباكاً مؤقتاً، لكنه لا يضمن تفكك مؤسسات القوة إذا بقيت الأجهزة الأمنية متماسكة، وإذا لم تظهر شروخ داخلية أو موجة انشقاقات ذات معنى.
ويضع شنكر خطاً أحمر عملياً أمام سيناريو الاجتياح: «من غير المرجح أن تنشر إدارة ترمب قوات برية داخل إيران». هذا القيد يحوّل سؤال الحسم إلى اختبار صعب: هل يمكن للضربات الجوية وحدها أن تُحدث «ضرراً كافياً» يهزّ أسس النظام؟... شنكر يقول إن ذلك «غير واضح»، مشيراً إلى أنه حتى الآن «لا توجد تقارير عن انشقاقات» داخل الأجهزة الأمنية، ولا مؤشرات على أن ما تبقى من النخبة يبحث عن «مخرج خارجي» أو صفقة خروج.
في المقابل، تبدو إسرائيل وكأنها تراهن على الضغط التصاعدي. فلهجة التهديد ارتفعت إلى مستوى غير مسبوق بحقّ «الزعيم الإيراني المستقبلي»، مع إيحاء أن الاستهداف قد يطول أي خليفة إذا واصل السياسات ذاتها. مثل هذه الرسائل قد تُقرأ بطريقتين: محاولة لردع «إعادة إنتاج» القيادة، أو دافع لتشديد القبضة وتقديم قيادة أكثر تشدداً وأقل قابلية للمساومة، خاصة في لحظة انتقالية حساسة.
حرب مستمرة أم مخرج تفاوضي؟السؤال الآن ليس «هل تستمر الحرب؟» فقط، بل «كيف تستمر؟ وبأي سقف؟». إسقاط صاروخ إيراني باتجاه تركيا بواسطة دفاعات الناتو يقدم نموذجاً عن خطر الانزلاق غير المقصود: خطأ مسار، أو ضربة تضرب طرفاً ثالثاً، أو ردّ انتقامي واسع، قد يفتح أبواباً لا تريدها معظم العواصم المعنية.
أما عن إمكانية مواصلة الحرب أميركياً وإيرانياً، فالمؤشرات تقول إن الطرفين يملكان دوافع للاستمرار، لكن ضمن قيود مختلفة. واشنطن تريد، وفق منطق شنكر، إنجاز مهمة خفض الإطلاقات الصاروخية، لأنها شرط لتقليل تهديد المدنيين والطاقة في الخليج. وفي الوقت نفسه تحاول طمأنة الداخل الأميركي بأن الحملة ليست تورطاً مفتوحاً.
أما إيران، من جهتها، فتبدو قادرة على الإيذاء عبر الصواريخ والمسيّرات، وربما مسارات غير مباشرة، لكن قدرتها على قلب ميزان التفوق الجوي محدودة، ما يفسر التردد بين نفي الاتصالات والتسريبات عن قنوات سرية لاختبار شروط وقف النار أو التهدئة.
وفي ضوء هذا المشهد، يمكن تصور 3 مسارات عملية خلال الأسابيع القليلة المقبلة: أولها استمرار التصعيد «المضبوط» مع أولوية مطاردة المنصات وتقليص الإطلاقات، وهو مسار يحتاج وقتاً واستخبارات دقيقة.
وثانيها: توسع الاشتباك إقليمياً بفعل حادثة أو قرار ردّ، خصوصاً إذا تكررت مسارات الصواريخ قرب دول كتركيا، أو إذا تعرضت بنى خليجية حساسة لضربات كبيرة.
أما المسار الثالث: فمخرج تفاوضي «تحت النار» لا يعني سلاماً شاملاً، بقدر ما يعني تهدئة مرحلية تُسوَّق كـ«انتصار» في واشنطن، و«صمود» في طهران.
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير






