اخبار العرب -كندا 24: الثلاثاء 6 يناير 2026 03:27 مساءً فنزويلا... النقلة الأولى على رقعة «دونرو»
يمكن القول إن العملية العسكرية الأخيرة على فنزويلا كالنقلة الأولى في لعبة مزدوجة، تجمع ما بين لعبة الشطرنج الغربي (Chess)، ولعبة «وييتشي» (Go) الصينية. المهم في اللعبتين هو: التموضع، والسيطرة على المساحة، وخنق العدو، واستعمال أكبر قدر من القوة في الوقت المناسب، حتى ولو اقتضى الأمر تقديم بعض التضحيات.
من قال إن الرئيس الأميركي، جيمس مونرو، أعلن عقيدة عام 1823؟ فحسب بعض المصادر هو صرح (Statement) خلال الرسالة السنوية للكونغرس الأميركي بما يريده من أوروبا، وكيف ينظر إلى منطقة البحر الكاريبي، أو إلى كامل نصف الكرة الغربي. لكن الرئيس الحادي عشر، جيمس بولك، هو من أطلق تسمية «عقيدة مونرو» كأساس للسيطرة على ولاية كاليفورنيا من المكسيك، واستباق الإمبراطورية البريطانية. وعليه، أصبحت هذه العقيدة أساساً لكل القرارات الجيوسياسية في المحيط المباشر للولايات المتحدة الأميركية. وإلا فما معنى أن يبرر الرئيس دونالد ترمب سلوكه على أنه عقيدة «دونرو»؟
أتت العملية العسكرية بعد بناء تراكمي جيوسياسي، استراتيجي وحتى عملاني، وصولاً إلى المستوى التكتيكي - التنفيذي. فمن الحشد، إلى استهداف قوارب التهريب، كما قيل، إلى حظر الطيران المدني فوق فنزويلا، إلى مسخ صورة مادورو، وذلك وصولاً إلى استراتيجية الأمن القومي الأخيرة. كلها تدل على تحول أميركي (Transformative) جيوسياسي في النظرة إلى النظام العالمي القديم، وما أنتج من مؤسسات دولية. هذا مع التذكير بأن العم سام هو من بنى ذلك النظام. فلماذا تخلق أميركا مؤسسات دولية؛ كالأمم المتحدة ومجلس الأمن، وتمول نسبة كبيرة من أكلافها، فقط كي يعمل ويعيق الولايات المتحدة الأميركية عن تحقيق أهداف أمنها القومي؟
في الظروف الموضوعية لـ«دونرو»إذا كانت عقيدة الرئيس مونرو قد استهدفت إمبراطوريات القارة العجوز. فإن الظروف الحالية مختلفة جداً؛ فبدل أن تسعى تلك الإمبراطوريات الأوروبية للسيطرة على العالم الجديد، وتثبيت أقدامها فيه في ذلك الوقت، تسعى أوروبا القرن الحادي والعشرين إلى التمسك بالوجود العسكري الأميركي على أرضها من ضمن حلف الناتو. وبدل أن تكون أوروبا القديمة هي الخطر المحدق على أميركا، تبدلت موازين القوى الجيوسياسية في العالم الحالي، خاصة مع صعود الصين والحرب الروسية على أوكرانيا.
لكن الثابت في هذه التحولات هو أهمية الجغرافيا والسيطرة عليها، وما تملك هذه الجغرافيا من ثروات مهمة وحيوية لصناعات القرن الحادي والعشرين. أما المتغيرات فهي في اللاعبين والوسائل كما التحولات في موازين القوى العالمية. وإلا فما معنى العودة إلى سلوك أميركي قديم تجاه أميركا اللاتينية؟ فعلى سبيل المثال، احتلت أميركا في عام 1847 عاصمة المكسيك. كما أجبرت المكسيك، وحسب معاهدة 1848، على أن تتخلى عن 55 في المائة من أراضيها، مثل كاليفورنيا، نيفادا، يوتاه، نيو مكسيكو، كولورادو ووايومنغ؛ أي ما مساحته 1.744.170 كيلومتراً مربعاً. لكن أهمية السيطرة على هذه المناطق الجديدة، في أنها غيرت جذرياً الجغرافيا السياسية للولايات المتحدة الأميركية، وجعلتها دولة في قارة تطل على محيطين في الوقت نفسه، ولها مصالح في كل الشرق الأقصى كما أوروبا. ألم تؤسس هذه الجغرافيا الجديدة لبناء قناة بنما (1904 – 1914)، بناء على اقتراح المفكر الاستراتيجي البحري الأميركي، ألفريد ماهان، وبقرار من الرئيس الأميركي آنذاك تيودور روزفلت، وهو من اعتمد في قراره على عقيدة مونرو كركيزة جيوسياسية؟ ألم تؤسس هذه الجغرافيا الجديدة للهيمنة البحرية الأميركية على محيطات وبحار العالم على الأقل حتى الآن؟
إقليمياً:
سمى بعض المحللين سلوك الرئيس ترمب بأنه يقع تحت شعار «الضرب والإكراه»، (Strike & Coerce). ليزيد الأمر زئبقية سلوك الرئيس؛ إذ هو يريد وقف الحروب، لكنه يهاجم الحوثيين، وإيران، والآن فنزويلا. لكن ماذا بعد فنزويلا؟
تعتبر أميركا اللاتينية الخلفية الاستراتيجية المباشرة للولايات المتحدة الأميركية. فما يحصل فيها يؤثر مباشرة على الأمن الأميركي. من هنا جعلها من ضمن القيادة الجنوبية (USSOUTHCOM).
هي رسالة لكل دول أميركا اللاتينية، خاصة إلى السياسيين، وبالطبع إلى العسكر، لإعادة التموضع السياسي، أو تحضير استراتيجيات عسكرية جديدة، خاصة في ظل وقوف الصين وروسيا في موقع المتفرج خلال القبض على الرئيس مادورو.
إذا أراد الرئيس ترمب نفط فنزويلا، فهو حتماً يريد ثروات كل من الأرجنتين، وبوليفيا وتشيلي من الليثيوم.
ولاستكمال صورة نصف الكرة الغربي، صرح مؤخراً ستيفن ميللر، وهو من كبار مساعدي الرئيس ترمب، وخلال مقابلة على محطة «سي إن إن» قائلاً: «نحن نعيش في عالم تسوده القوة. إن غرينلاند تابعة لأميركا، وهي قادرة على ضمها. لن يخوض أحد حرباً عسكرية ضد أميركا من أجل غرينلاند».
أما فيما يخص كندا، فقد يمكن القول إن الرئيس ترمب قد يعتمد «الإكراه»، مع التهديد بالقوة؛ لأن كندا تختلف عن فنزويلا بالعديد من الأمور، خاصة القدرة العسكرية، هي في حلف الناتو، وهي دولة مجاورة.
قد يكون التحدي الأكبر للرئيس ترمب في كيفية التعامل مع كوبا، والتي كانت ولا تزال الشوكة في خاصرة العم سام.
دولياً:
في جلسة استماع عام 2019 لفيونا هيل، المسؤولة آنذاك عن الملفين الروسي والأوروبي، قالت فيونا: «إن روسيا عرضت أن تسمح لأميركا بالقيام بما تريده في فنزويلا، مقابل أن تسمح الولايات المتحدة الأميركية لروسيا بأن تفعل ما تشاء في أوكرانيا». لكن مع العملية الأخيرة في فنزويلا، وتلكؤ روسيا والصين في مساعدة مادورو، لن تسمح أميركا لأية دولة منافسة أو عدوة أن يكون لها موطئ قدم في نصف الكرة الغربي.
يبقى السؤال: هل نحن أمام ديناميكية جيوسياسية جديدة، انتقلت من المبدأ والمفهوم والإعلان اللفظي إلى مرحلة التنفيذ الفعلي؟
هل بدأنا رصد تشكل ثلاث كتل جيوسياسية في العالم؟ ترتكز الكتلة الأولى على الولايات المتحدة الأميركية مع محيطها المباشر. كانت بشائر هذه الكتلة تنفيذياً في العملية على فنزويلا، وترتكز الكتلة الثانية على الصين ومحيطها المباشر، أما الكتلة الثالثة فهي في أوروبا ومحيطها المباشر.
لكن تشكل هذه الكتل يحتم الأسئلة التالية: ماذا عن مصير أوكرانيا؟ ماذا عن مصير تايوان؟ ولماذا تبيع أميركا تايوان أسلحة مؤخراً؟ ماذا عن حلف الناتو وأوروبا؟ ماذا عن اليابان بوصفها حليفاً في وجه الصين؟ رداً على هذه الأسئلة، يحلل بعض المفكرين أن أميركا فعلاً تعود إلى محيطها المباشر، لكنها لا تزال على تماس مع المشاكل الجيوسياسية في العالم، حيث سيكون الصراع المستقبلي، وذلك بعد تأمين البيت الأميركي ومحيطه.
وأخيراً وليس آخراً، قد يمكن التأكيد والجزم بأن معالم الجغرافيا السياسية، كما ديناميكية اللعبة الجيوسياسية سوف تظهر أكثر في عام 2026. كانت نقلة ترمب الشطرنجية في فنزويلا... ونحن بانتظار النقلة الصينية «وييتشي».
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير



