الأحد 8 مارس 2026 01:28 صباحاً صدر الصورة، Getty Images
أثارت تصريحات الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، استغراب عدد كبير من المراقبين، عندما اعتذر لدول الجوار عن الهجمات الأخيرة التي نفذتها القوات الإيرانية ضد هذه الدول، وذلك خلال خطاب ألقاه صباح السبت، باعتباره أحد أعضاء مجلس القيادة المؤقت الذي يدير البلاد.
نادراً ما تُقدم الدول اعتذارات، خاصة أثناء الصراعات المسلحة، لكن طريقة إعلان الاعتذار أثارت الكثير من الاهتمام. لأنه جرت العادة أن يُعرب القادة عن "أسفهم" فقط أو حتى يتنصلون من المسؤولية.
لم يكتف بزشكيان بالاعتذار بل أقر مباشرة باستهداف الدول المجاورة، وأكد أنه طُلب من القوات الإيرانية الآن التوقف عن ضرب هذه الدول، ما لم تنطلق هجمات من أراضيها على إيران.
وقال الرئيس الإيراني في كلمته: "أرى أنه من الضروري الاعتذار للدول المجاورة التي تعرضت للهجوم. لا ننوي غزو الدول المجاورة".
وأثارت كلماته السؤال الأول: هل كان هذا اعتذاراً حقيقياً، ولماذا الآن؟
أحد الاحتمالات وراء هذه التصريحات هو أن القيادة المؤقتة تحاول احتواء التداعيات الإقليمية المتزايدة لهذه الحرب.
وقد وقعت بعض دول المنطقة ضحية لتبادل الهجمات بعد الضربات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، السبت 28 فبراير/شباط.
وأشار بزشكيان إلى أن الهجمات التي نفذتها القوات الإيرانية جاءت بناء على تعليمات "إطلاق النار حسب الرغبة" أي أنها (لم تكن بتعليمات من القيادة المركزية)، بعد أن أسفرت الموجة الأولى من الضربات عن مقتل قادة إيرانيين كبار وتعطيل هياكل القيادة المركزية.
ربما يحاول من خلال الاعتذار الإشارة إلى أن طهران لا ترغب في تصعيد الحرب الحالية لتتحول إلى مواجهة إقليمية أوسع.
كما أن رسالة بزشكيان تقر ضمنياً بواقع سياسي: فحتى لو سمحت بعض الدول المجاورة للقوات الأمريكية بالعمل انطلاقاً من قواعد على أراضيها، فإن إيران تخاطر بعزل نفسها أكثر إذا استهدفت هذه الدول علناً.
لكن من غير الواضح حتى الآن ما إذا كان الاعتذار سيتحول إلى واقع سياسي أم لا.
تشير التقارير إلى أن الضربات المرتبطة بإيران أو تقوم بها القوات المرتبطة بها لم تتوقف بعد. وأعلنت كل من قطر والإمارات، بعد ظهر السبت، أنهما اعترضتا صواريخ كانت تستهدفهما.
وإذا استمرت هجمات كهذه، فإنها تثير تساؤلاً أعمق حول السيطرة داخل هيكل القيادة الإيرانية المتصدعة.
ومنذ أن أسفرت الموجة الأولى من الهجمات عن مقتل شخصيات رئيسية، من بينهم المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، انتقلت عملية صنع القرار إلى مجلس قيادة مؤقت.
من الناحية النظرية، يمنح هيكل القيادة الجديد الأشخاص مثل بزشكيان نفوذاً أكبر مما كان لديهم سابقاً، بعد غياب السلطة العليا الواحدة المهيمنة وهو خامنئي.
لكن عملياً، لا توجد معلومات مؤكدة حول قدرة القيادات الجديدة على السيطرة على مؤسسات عسكرية وأمنية قوية مثل الحرس الثوري.
وإذا استمرت الضربات المرتبطة بإيران على الدول المجاورة على الرغم من بيان الرئيس، فإن ذلك سيشير إما إلى انهيار في الاتصالات أو إلى رفض فصائل في إيران خفض حدة المواجهة العسكرية.
لطالما دافعت العناصر المتشددة داخل المؤسسة الأمنية في إيران عن موقفها بأن الضغط الإقليمي هو أقوى وسيلة ردع تمتلكها إيران ضد القوة العسكرية الأمريكية والإسرائيلية.
وتعكس ردود الفعل الداخلية هذا التوتر أيضاً. وقد انتقد بعض المتشددين تصريحات بزشكيان ووصفوها بالضعيفة.
إن الوضع السياسي الحالي في إيران غير عادي: فقد رحل العديد من الشخصيات المتشددة الأقوى في قمة النظام، لكن العديد من المسؤولين والقادة من الرتب الأدنى ما زالوا يشككون بشدة في أي لغة تصالح حالية.
بالنسبة لهم، فإن الاعتذار للحكومات الأجنبية قد يبدو بمثابة استسلام في وقت الأزمة الوطنية التي تمر بها البلاد.
خارج إيران، اتسم رد الفعل بوجهة نظر مختلفة تماماً. سريعاً زعم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في منشور إلى منصة "تروث سوشيال" أن إيران "اعتذرت واستسلمت" لجيرانها، مدعياً أن هذه الخطوة تثبت نجاح الضغط العسكري الأمريكي والإسرائيلي.
تكشف لغة ترامب أيضاً كيف تفسر واشنطن إشارات طهران. إذ أصر ترامب مراراً وتكراراً على أن النتيجة الوحيدة المقبولة هي "استسلام إيران الكامل".
هذا الطلب تسبب في سابقة دبلوماسية.
تاريخياً، نادراً ما تقبل الدول بالاستسلام غير المشروط في ظل تعرضها لحملات عسكرية جوية فقط، مهما بلغت شدة القصف.
وبدون وجود قوات برية على الأرض، يصبح فرض مثل هذه النتيجة أمراً في غاية الصعوبة.
وبالتالي، فإن تفسير اعتذار بزشكيان على أنه شكل من أشكال الاستسلام يمكن أن يكون بمثابة معبر سياسي تستخدمه واشنطن: أي طريقة للادعاء بتحقيق تقدم دون التخلي رسمياً عن مطلب الاستسلام.
بالنسبة لبزشكيان ومجلس القيادة المؤقت، قد تكون الحسابات مختلفة.
إن التوصل إلى وقف لإطلاق النار الآن قد يساهم في استقرار الوضع قبل ظهور زعيم دائم جديد.
وربما لاستباق فكرة أن الشخص التالي، الذي سيسيطر على النظام السياسي الإيراني، قد يكون رجل دين متشدد، وعندها ستكون آفاق الدبلوماسية أضيق.
يثير هذا الاحتمال سؤالاً استراتيجياً آخر: هل يضع بزشكيان نفسه كشخصية يمكن التفاوض معها، أي أنه من النوع الذي قد تفضل الحكومات الغربية التعامل معه؟
حاول الرئيس الإيراني في خطابه تحقيق التوازن بين التحدي والانفتاح، رافضاً الاستسلام مع الإشارة إلى ضبط النفس تجاه الدول المجاورة.
لكن يبدو في الوقت الحالي أن الصراع على قيادة إيران المستقبلية بدأ يتشكل بالفعل.
قد يرى العديد من الشخصيات السياسية والدينية، بالإضافة إلى القادة داخل الحرس الثوري الإيراني وقوات الأمن، الأزمة الحالية كفرصة لتعزيز مواقعهم.
ويطالب البعض مجلس الخبراء بالتحرك بسرعة لاختيار المرشد القادم.
وإذا فشل بزشكيان في تحقيق الاستقرار أو فرض السيطرة على القوات المسلحة، فقد يدفع المنافسون بضرورة اتباع سياسة أكثر تشدداً.
في الوقت الراهن، فإن الاختبار المباشر يقع خارج حدود إيران.
وحتى الآن، ردت العديد من دول الجوار بحذر على تصريحات بزشكيان أو التزمت الصمت، في انتظار معرفة ما إذا كان الاعتذار سيؤدي إلى تغييرات حقيقية على أرض الواقع.
إسرائيل، التي تنظر إلى الصراع على أنه فرصة نادرة لإضعاف ما تعتبره تهديداً إيرانياً منذ فترة طويلة، قد لا تريد تفسير الرسالة على أنها خطوة حقيقية نحو خفض التصعيد.
وربما يكون هذا الغموض مقصوداً.
ويترك اعتذار بزشكيان مجالاً لثلاثة تفسيرات: ربما يكون محاولة حقيقية لتهدئة التوترات الإقليمية، أو خطوة تكتيكية لكسب الوقت حتى اختيار القيادة الإيرانية المؤقتة، أو أنه مؤشر لبداية إعادة التموضع السياسي داخل طهران نفسها.
لكن في ظل الصراع الذي يتشكل بفعل صراعات القوى الداخلية وتزايد وتيرة الحرب الخارجية، قد يكون الموقف متعلقاً بالثلاثة معاً.
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير






