الثلاثاء 6 يناير 2026 11:40 مساءً صدر الصورة، Esteban Vanegas/Bloomberg via Getty Images
قبل أن تطأ قدم الزعيم الفنزويلي المعتقل نيكولاس مادورو الأراضي الأمريكية، وجه الرئيس دونالد ترامب تحذيرات إلى المكسيك وكولومبيا، ملمحاً إلى أنهما قد تكونان الهدف التالي في حملته ضد المخدرات.
وقال ترامب مهدداً الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو: "عليه أن يحذر"، متهماً إياه بتصنيع الكوكايين وإرساله إلى الولايات المتحدة.
وأضاف لاحقاً: "لا بد من اتخاذ إجراء ما مع المكسيك"، التي تتشارك مع الولايات المتحدة حدوداً تمتد لمسافة 3145 كيلومتراً من الساحل إلى الساحل.
هذه التحذيرات لن تمر مرور الكرام، فاعتقال مادورو، الذي تتهمه الولايات المتحدة بالإرهاب المرتبط بالمخدرات وتربطه بجماعات حرب عصابات كولومبية وكارتلات مكسيكية، من بين اتهامات أخرى، يُظهر أن هذه الإدارة لا تطلق تهديدات فارغة.
وفي أغسطس/آب 2025، أطلقت الولايات المتحدة انتشاراً عسكرياً واسعاً في البحر الكاريبي ومحيط فنزويلا، وقالت واشنطن إن الهدف من ذلك هو وقف تهريب المخدرات من الدولة الواقعة في أمريكا الجنوبية، التي تتهمها بأنها قاعدة لـ"كارتل الشمس"، وهو تنظيم يُشتبه بأنه "إرهابي مرتبط بالمخدرات" وله صلات بالقوات المسلحة الفنزويلية ويتزعمه مادورو.
وعلى مدى أشهر، قصفت القوات العسكرية الأمريكية سفناً يُشتبه في تورطها بتهريب المخدرات في البحر الكاريبي، ما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 110 أشخاص.
وتُعد المكسيك وكولومبيا لاعبين رئيسيين في هذه الشبكة العالمية، إذ تشكل الجماعات المسلحة وكارتلات المخدرات تهديداً لبلديهما ولأي أهداف أمريكية في المنطقة، لكن كيف يُقارن دورهما في تهريب المخدرات بدور فنزويلا؟ وهل يستطيع ترامب فعلاً تنفيذ عملية مماثلة لتلك التي استهدفت مادورو؟ وهل يتجاوز الأمر قضية المخدرات؟ أسئلة تتكاثر في لحظة غير مسبوقة تمر بها أمريكا اللاتينية.
صدر الصورة، AFP via Getty Images
يعزّز محللون استشارتهم بي بي سي فكرة أن فنزويلا تؤدي، قبل كل شيء، دور منصة عبور للكوكايين المزروع أساساً في كولومبيا.
ويشير دانييل ريكو، من الجامعة الوطنية في كولومبيا، إلى أن فنزويلا تضم عدداً كبيراً من معامل الكوكايين، لكن مزارع الكوكا فيها أقل.
ويقول فرانسيسكو داثا، من مؤسسة السلام والمصالحة، إن فنزويلا أصبحت بوابة إضافية لتهريب مخدرات أمريكا الجنوبية إلى الخارج، عبر استغلال امتداد سواحلها على البحر الكاريبي.
وتتجه الشحنات في المقام الأول إلى الأسواق الأوروبية وأمريكا الشمالية.
من جهته، يوضح الدكتور خورخي مانتيّا، من جامعة إلينوي في شيكاغو، أن "فنزويلا ليست دولة منتِجة بحد ذاتها، بل أشبه بموانئ وأجواء مفتوحة للمخدرات ترسخت خلال العشرين عاماً الماضية"، مستفيدة من بنيتها السياسية والمؤسسية والعسكرية، إضافة إلى وجود جماعات حرب العصابات الكولومبية.
وبحسب داثا ومانتيّا، فقد تحالف جيش التحرير الوطني الكولومبي، الذي نشأ في ستينات القرن الماضي، مع عناصر فاسدة من القوات المسلحة الوطنية البوليفارية في عدة ولايات فنزويلية.
وأصبح الجيش الآن القوة المسلحة الرئيسية في مساحات واسعة على طول الحدود بين البلدين، متنافساً على السيطرة على ممر استراتيجي لتهريب المخدرات وأنشطة غير مشروعة أخرى، مثل التعدين غير القانوني، مع منشقين عن القوات المسلحة الثورية الكولومبية، ومع ما يُقال إنها أكبر منظمة إجرامية في كولومبيا، عشيرة الخليج.
يُنتَج ما يقرب من كامل الكوكايين في كولومبيا أو بيرو أو بوليفيا، لكن كولومبيا تتصدر الإنتاج.
وفي عام 2023، قفز إنتاجها بنسبة 53 في المئة ليصل إلى مستوى قياسي بلغ 2600 طن، وفقاً لبيانات مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة.
ويستند هذا الرقم القياسي إلى تحسينات مستمرة في أساليب الإنتاج والتوزيع، بما في ذلك ظهور أنواع عالية الإنتاجية من أوراق الكوكا، واستخدام قوارب لتهريب المخدرات قادرة على قطع مسافات طويلة بسرّية، بل وأحياناً بصورة شبه مستقلة.
ويشرح أنطوان فيلا، رئيس قسم البيانات والتحليل والإحصاء في مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، أن "أوراق الكوكا تُعالَج في الغالب داخل مختبرات في هذه الدول الثلاث لتحويلها إلى المنتج الاستهلاكي (وخاصة كلوريد الكوكايين)، أو أحياناً إلى منتج وسيط، إذ يمكن أن تتم بعض مراحل المعالجة لاحقاً ضمن سلسلة التوريد".
وقد تعبر الشحنات أولاً إلى دول مجاورة مثل الإكوادور أو فنزويلا، ثم تُنقل بواسطة زوارق سريعة أو قوارب صيد أو سفن شبه غاطسة إلى سواحل أمريكا الوسطى، أو مباشرة إلى المكسيك، لمتابعة طريقها براً نحو الشمال.
ويأتي نحو نصف كوكايين كولومبيا من ثلاث مناطق إنتاج تشكل قرابة 15 في المئة من مناطق زراعة الكوكا في البلاد، إحداها كاتاتومبو على الحدود مع فنزويلا في شمال شرقي كولومبيا، بينما تقع المنطقتان الأخريان في الجنوب، في بوتومايو وكاوكا ونارينيو.
ووفق أحدث تقديرات إدارة مكافحة المخدرات الأميركية لعام 2020، تمرّ 74 في المئة من شحنات الكوكايين المتجهة إلى الولايات المتحدة عبر جنوب المحيط الهادئ، في حين لا تتجاوز نسبة الشحنات التي تعبر غرب البحر الكاريبي 16 في المئة.
وبمجرد وصول الشحنات إلى المكسيك، تكون الكارتلات هناك قد طورت، على مدى عقود، شبكة نقل وتوزيع متقدمة، غالباً عبر المنافذ الرسمية للدخول إلى الولايات المتحدة، غير أن أكبر مخاوف واشنطن بشأن المكسيك تتعلق بإنتاج وتوزيع المخدرات الاصطناعية، مثل الميثامفيتامينات والأفيونات، بما فيها الفنتانيل، المرتبطة بما تصفه الولايات المتحدة بـ"وباء الجرعات الزائدة".
صدر الصورة، Getty Images
لا يزال الفنتانيل السبب الرئيسي لوفيات الجرعات الزائدة في الولايات المتحدة، حيث تتسبب المخدرات في وفاة عدد من الأشخاص يفوق ما تسببه الأسلحة النارية أو حوادث السير.
وباعتباره أقوى بخمسين مرة من الهيروين، فإن جرعة مقدارها مليغرامان فقط - بحجم رأس قلم رصاص تقريباً - قد تكون قاتلة.
وقد بدأت أعداد الوفيات في التراجع، جزئياً بسبب تزايد إتاحة الترياق نالوكْسون، لكن الأرقام الأحدث لا تزال صادمة: 87 ألف وفاة نتيجة الجرعات الزائدة (غالبيتها من المواد الأفيونية) بين أكتوبر/تشرين الأول 2023 وسبتمبر/أيلول 2024، مقارنة بـ 114 ألفاً في الفترة نفسها من العام السابق.
ووفقاً لإدارة مكافحة المخدرات الأمريكية ووزارة العدل الأمريكية وخدمة الأبحاث في الكونغرس، يُنتَج معظم الفنتانيل غير القانوني في المكسيك، باستخدام مواد أولية تُستورد من دول آسيوية، من بينها الصين.
ومع امتداد شبكاتها من الأرجنتين إلى كندا وأوروبا، تُعدّ المنظمات الإجرامية المكسيكية - التي يصفها مركز الأبحاث إنسايت كرايم بأنها الأكبر والأكثر تطوراً وعنفاً في نصف الكرة الغربي - مسؤولة أيضاً عن تصدير ما يُعرف بـ"الطريقة المكسيكية"، بحسب ما قاله لوران لانييل من وكالة الاتحاد الأوروبي للمخدرات لبي بي سي.
كما يُنسب إلى "خبراء زراعيين" مكسيكيين الفضل في تحسين سلالات أوراق الكوكا في كولومبيا، فيما باتت شبكات أوروبية تعتمد على الدعم اللوجستي والتدريب الذي توفره كارتلات مثل كارتل سينالوا.
صدر الصورة، Joe Raedle/Getty Images
على الرغم من أن دور فنزويلا في إنتاج المخدرات وتوزيعها أصغر مقارنة بالمكسيك أو كولومبيا، فإن تحوّلها إلى الهدف الأول في حملة ترامب يعزّز فرضية أن الهدف الأساسي كان فرض تغيير سياسي في كراكاس.
كما أن تصريحات رئيس الولايات المتحدة عن "السيطرة" على البلاد خلال مرحلة انتقالية، وتركيزه على النفط، توحي بوجود هدف أوسع، وإن لم تتضح معالمه بالكامل بعد.
وقال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، في مقابلة مع شبكة إن بي سي الأحد: "لا يمكن تحويل فنزويلا إلى مركز عمليات لإيران وروسيا وحزب الله والصين وعناصر الاستخبارات الكوبية التي تسيطر على البلاد. لقد رأينا خصومنا في أنحاء العالم يستغلون الموارد ويستنزفونها في أفريقيا وغيرها، ولن يُسمح لهم بفعل ذلك في نصف الكرة الغربي".
وعاد روبيو ليؤكد أن الحكومة الأمريكية لا تزال تخوض حرباً ضد تهريب المخدرات. وفي اليوم نفسه، لمح ترامب إلى أن الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو، الذي وصفه بأنه "رجل مريض"، "بدأ ينفد وقته".
وكانت واشنطن قد فرضت، في أواخر أكتوبر/تشرين الأول، عقوبات على بيترو على خلفية مزاعم تتعلق بتهريب المخدرات، قائلة إن إنتاج الكوكايين بلغ أعلى مستوياته منذ عقود خلال فترة رئاسته.
وبينما يعبر بعض السياسيين الكولومبيين عن قلقهم من احتمال فرض مزيد من العقوبات وزيادة النشاط البحري الأمريكي قبالة سواحل بلادهم، فإنهم يشككون في أن يلقى بيترو المصير نفسه الذي لقيه مادورو قبل الانتخابات الرئاسية المقررة في مايو/أيار، والتي لا يحق له الترشح فيها.
وفي المقابل، يتسم موقف ترامب بقدر أكبر من الود تجاه الرئيسة المكسيكية كلوديا شينباوم، التي عرضت مواجهة الكارتلات بالتعاون مع واشنطن، لكن من دون تدخل أمريكي مباشر.
ومع ذلك، تبقى المنطقة بأكملها في حالة ترقّب، بانتظار الخطوة التالية لترامب، إذ إن تهديداته للمكسيك وكولومبيا وحتى كوبا - وهي دول تعارض الولايات المتحدة سياسياً - تثير مخاوف متزايدة من أن ما بدأ في فنزويلا قد يتجاوز بكثير مجرد حرب على تهريب المخدرات.
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير


