الصيف أبدأت أيامه الحلوة واقعياً وجغرافياً وكل منا يحاول أن يضع خطة لأستغلال شمسه الساطعة وهوائه المنعش وطول يومه في شتى نواحى الترفيه والإبداع واكتشاف الأماكن المجهولة والترحال المستمر.
.ما من شخص قابلته إلاَّ وقال لي أن الحياة في كندا دوامة لا تكف عن الدوران... بالطبع سياق الحياة الكندية يختلف عن أي حياة في أي بلد آخر وهذا شئ منطقي للغاية... ولو أن بسبب المنافسة هنا والطموح الذي يدفع الإنسان بغض النظر عن أي عوامل خارجية إلي التكالب على الدراسة المستمرة... حتى وهو لديه عمل حتى يحسن من مستواه ويحظى بالترقي... ومعظم المهاجرين للأسف يضطرون إلى إيجاد عمل مؤقت أثناء دراستهم حتى إذا تخرجوا وجدوا الباب مفتوح أمامهم في الوظائف الجيدة نسبة لخبراتهم الكندية... كل هذا يؤثر على كيان الأسرة المهاجرة ويحرم الأولاد من وجود والديهم معهم وأحياناً تضطر الأم لذلك بالتضحية فلا تعمل وتظل بالمنزل لخدمة عائلتها ومراقبة أولادها ومساعدة زوجها لو أمكنها وهذا بالتالي يؤثر على مستوى الأسرة الاقتصادي لأن دخل واحد لا يسد الرمق في هذه البلاد التي ترتفع أسعار كل شئ فيها بأستمرار ولا رادع لذلك.
الوالدين في حركة مستمرة من الصباح حتى منتصف الليل وأحياناً الأم تعمل في الصباح والأب يعمل نوبتشية الليل كله فلا يكادا يتلاقان حتى لمناقشة شئون حياة أسرتهم. أحياناً الأولاد يستغلون هذا الوضع... حنان الأم وغياب سلطة الأب ليجتمعوا مع أصدقائهم ويركبون المواصلات العامة لإكتشاف البلد من أولها إلى آخرها ولو أن هذا مستحيل لكبرها وضيق الوقت عندهم فيقسموها على عديد من نهايات الأسبوع وفي ذلك مخاطر غير محسوبة ولكنها أحياناً تقع. المهم أن الأسرة تشعر انها تعيش في دوامة يخفف منها الأجازة السنوية للوالدين في الشتاء مثلاً والأجازة الصيفية للأولاد ولو أن الأهالي يحتارون أين يتركوا الأولاد في أمان..؟ بالمنزل أحسن... ممكن! ولكن إمكانية المشاكل التي قد تحدث بينهم محتملة... المعسكرات الصيفية غالية ويا بخت من له عائلة قريبة... أخت أو أخ ومعظمهم يطلبون الوالدين ويتكفلون بالترحال وخصوصاً لو كان فيهم رمق ليمكثوا بالأولاد ويراعوا المنزل في غياب الأم والأب معاً.
دوامة... دوامة... دوامة... لا يفيق الواحد منها إلاّ على المعاش وحتى بعد المعاش تبدأ دوامة من نوع آخر... دوامة الأطباء والأخصائيين والاختبارات المختلفة الطبية وزيارات المستشفى التي لا تنتهي إلاّ إذا سمح الله ودخل الواحد في أحدى الأمراض المستعصية.
طبعاً يخفف من الوضع أن الأولاد كبروا وتخرجوا وأشتغلوا ثم تزوجوا وأصبح الوالدين أحراراً في البحث عن راحتهم وتكييف حياتهم كما يريدون ولكن هناك مازال القلق المستمر داخلهم على الأولاد والأحفاد... ده مريض... ده عنده إمتحان... وهكذا دوامة ما يعلم بيها إلاّ ربنا.
أتذكر في طفولتي وصباى أن والدتى الرائعة ورغم حصولها على شهادة التعليم الفرنسي لم تحاول العمل أبداً... بل كانت تحيل المنزل إلى جنة وارفة وتذيقنا ما لذ وطاب كل يوم. وأبي كان يعمل وكيلاً لوزارة التربية والتعليم ينتهي عمله الساعة الثانية... نلتقي كلنا على سفرة الغذاء ثم بعد قسط من الراحة يشرف الوالد على المذاكرة ثم نخرج جميعاً كأسرة إلى وسط البلد للتفرج على المحلات الأنيقة وفي النهاية نجلس في كافتيريا لنأكل أحلى جيلاتي ونعود للمنزل سعداء. كان كل شئ عنده وقت وفي نهاية الأسبوع نذهب للسينما أو المنتزهات المنسقة أو إلى زيارة الأقارب والأحباب. كانت الحياة مرتبة... منظمة... هادئة... ليس بها أي مفاجآت ويغطي وقت اليوم كل متطلبات كل فرد في الأسرة صغيراً كان أم كبيراً.
"اليوم كان فيه بركة يا مدام مادلين"... قالتها لى صديقتي وهي تسمعني أستعيد الماضي وجمال أيامه.
قالت: فى الصيف العائلة كلها عندها أجازة شهر على الاقل... نروح نصيف ونهيص على البحر ونرجع مشحونيين بالنشاط والقوة... هنا بالعافية نأخذ أسبوعين في الشتاء نقعد بالعيال لغاية إجازتهم ما تخلص وفي الصيف نحتاس بيهم نوديهم فين..؟ والعيال هنا غلباوية لا يمكنك إقناعهم بسهولة أن هذا هو وضع الأسرة ومحتاجين نشتغل عشان نصرف عليه...! لأنهم بني آدميين ومن حقهم أن يتمتعوا بأجازتهم فأحياناً نرسلهم مع الجيران أو الأقارب للمصايف البعيدة ودى غالية... وأحياناً أرسلهم إلى أهالينا رغم المسؤولية الكبيرة على الوالدين وأحياناً أفكر في الإستقالة لأتفرغ لهم وحتى أضع حداً للدوامة الرهيبة التي نعيشها دي... وأحياناً أحلم بالغنى تذكرة يا نصيب أو أي حاجة كده... نطلع من الشغل ونفتح مشروع تجاري ونسيطر على وقتنا وأجازتنا ونتمتع بأولادنا..!
قلت: يا عزيزتي... كل كلمه قلتيها هى واقع آلاف المنازل وملايين الناس حولنا... نحن أخترنا كندا للمزايا الكثيرة التي بها... علينا إذن أن نتحمل واقع الحياة فيها ومع قليل من التنظيم سيكون شعورك بالدوامة دى محدود... تذكري الصحة والتعليم المجاني وكفالة الدولة الاجتماعية بالناس.
في عيد ميلاد كندا أرسل لقرائى الأعزاء أحلى الأماني وأسعد التمنيات بالصحة والسعادة والبركات.
—مادلين بدوي—نورث يورك






