
❖ محمد العقيدي
تتصدر الغبقة في ليالي شهر رمضان المبارك المشهد الاجتماعي، كواحدة من أبرز العادات التي تميز المجتمع القطري، حيث تتجدد معاني التراحم وتتعزز أواصر القربى، وهي مناسبة يلتقي فيها الأهل والأصدقاء بعد الإفطار وقبل السحور، يتبادلون الأحاديث ويستعيدون الذكريات في أجواء يغلب عليها الطابع الأسري الأصيل، غير أن بعض هذه الغبقات تتجاوز كونها مناسبة اجتماعية عابرة، لتتحول إلى رسالة ثقافية تعكس عمق الهوية الوطنية، وبالتزامن مع دخول الشهر الفضيل خلال موسم التخييم في الدولة، حرص العديد من أصحاب المخيمات على إقامة الغبقة هذا العام بمخيماتهم وسط أجواء تراثية تربط بين أصالة الماضي وحداثة الحاضر.
«الشرق» زارت أحد المخيمات الذي حرص صاحبه ناصر محمد اليزيدي على إقامة الغبقة فيه هذا العام، حيث تم تصميم هذا المخيم بكل دقة واحترافية لكونه من المخيمات المميزة التي تتوافر فيها معالم من بلادنا الغالية قطر، إذ لم يكن هذا الموقع مجرد مخيم فقط بل مشروع متكامل استلهم تفاصيله من البيوت القطرية القديمة، فجاء تصميمه ليحاكي «الفريج» بكل ما يحمله من دلالات اجتماعية وثقافية، كما تم تقسيم المساحات بطريقة تشبه الغرف التقليدية في المنازل القديمة، مع تخصيص مجلس بطابع تراثي يعكس بساطة المجالس الأولى، وغرف مستوحاة من نمط البناء القديم، وساحة داخلية تستحضر صورة «الحوش» الذي كان يمثل قلب البيت ومركز الحياة اليومية.
المخيمات التراثية
واستخدم في المخيم العديد من العناصر التراثية التي أضفت عليه طابعا واقعيا، مثل الأبواب الخشبية ذات النقوش التقليدية، والنوافذ الصغيرة، وأقمشة السدو، والفوانيس القديمة التي أضاءت المكان بروح الماضي، إلى جانب مجسمات لمعالم ارتبطت بذاكرة المجتمع، كالساعة القديمة والفنار، في صورة تعكس علاقة أهل قطر بالبحر والبر والزمن والتحولات التي شهدتها البلاد على مر العقود.
وأكد ناصر محمد اليزيدي خلال حديثه لـ «الشرق» أن فكرة إقامة الغبقة بهذا الشكل جاءت من إيمانه بأهمية ربط الأجيال الجديدة بماضيها، مشيرا إلى أن رمضان يمثل فرصة مثالية لإحياء القيم والعادات الأصيلة في أجواء يسهل تقبلها من الجميع.
وقال اليزيدي: إن الهدف لم يكن مجرد تنظيم تجمع عائلي، بل خلق تجربة حية تعيد تقديم التراث بصورة معاصرة، تواكب تطلعات الحاضر دون أن تفقد روح الأصالة.
وأوضح أن اختيار روضة العجوز لإقامة مخيمه فيها، جاء لما تتمتع به المنطقة من طبيعة برية هادئة تمنح المكان طابعا خاصا، يعزز من أجواء الصفاء والخصوصية، ويجعل الضيوف يعيشون أجواء البر التي شكلت جزءا مهما من ثقافة المجتمع القطري عبر الأجيال.
وأضاف أن المخيم شهد إقبالا لافتا وتفاعلا كبيرا من الحضور، حيث عبروا عن سعادتهم باستعادة ذكرياتهم مع البيوت القديمة، بينما أبدى الشباب والأطفال اهتماما ملحوظا بالتفاصيل التراثية، وحرصوا على التعرف على قصص كل ركن ومعلم داخل المخيم.
وجهات رمضانية وثقافية
ودعا اليزيدي إلى دعم مثل هذه المبادرات التي تجمع بين الماضي والحاضر، مؤكدا أن المخيمات التراثية ليست مجرد مواقع للترفيه، بل منصات ثقافية واجتماعية تسهم في تعزيز الهوية الوطنية وترسيخ قيم الانتماء لدى الأجيال الصاعدة.
وأشار إلى أن توفير التسهيلات والدعم لأصحاب هذه الأفكار من شأنه أن يشجع على انتشار مشاريع مشابهة تسهم في الحفاظ على الموروث الشعبي بأساليب مبتكرة وجاذبة.
ولفت إلى أن الجمع بين الأصالة والحداثة بات ضرورة في ظل التسارع الحضاري الذي تشهده الدولة، منوها أن الحفاظ على التراث لا يتعارض مع التطور، بل يشكل قاعدة صلبة ينطلق منها المجتمع نحو المستقبل بثقة واعتزاز بجذوره.
وأعرب عن أمله في أن تتحول مثل هذه المخيمات إلى وجهات رمضانية وثقافية تستقطب العائلات والشباب والسياح من مختلف الدول، وتوفر لهم تجربة متكاملة تعكس جمال التراث القطري في إطار معاصر.
وتعكس تجربة الغبقة في المخيم صورة حية لقدرة المجتمع على صون عاداته وتقاليده، وتقديمها في قوالب حديثة تلائم روح العصر، حيث إنه في هذا المخيم، اجتمع عبق الماضي مع نبض الحاضر، والتقت الأجيال حول مائدة واحدة، جمعتهم على حب الوطن والاعتزاز بهويتهم، في لوحة رمضانية تجسد معنى الانتماء والوفاء للتراث، وتؤكد أن الأصالة تظل حجر الأساس في مسيرة الحداثة.
اقرأ المزيد
مساحة إعلانية
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير




