السبت 13 يونيو 2026 04:40 صباحاً صدر الصورة، Getty Images
يسهم وضع التوابل في الطعام أو إضافة الصلصة (الصوص) إلى الوجبات الغذائية على الأرجح في تحسين امتصاص الجسم للفيتامينات والمعادن، ويرى العلماء أن هذه العملية يمكن أن تزيد من كمية العناصر الغذائية التي يستفيد منها جسم الإنسان من طعامه.
ويُعد الفلفل الأسود من التوابل الثمينة منذ آلاف السنين، لما يتمتع به من قدرة على إضفاء نكهة على أكثر الأطعمة افتقاراً للطعم، وتعد الهند أول من استزرع هذا النبات قبل ما يزيد على 3500 عام، وهي موطن أصلي للنبات، الذي أصبح لاحقاً إحدى أكثر السلع قيمة في العالم القديم.
ويستخدمه معظم الناس، في الوقت الحاضر، لتتبيل الطعام دون كثير من الانتباه لقيمته الغذائية.
بيد أن إضافة الفلفل الأسود إلى الوجبة خطوة تتجاوز حدود تحسين نكهة الطعام، إذ تسهم في تعزيز كمية العناصر الغذائية التي يمتصها جسم الإنسان من الغذاء.
وتحتوي حبوب الفلفل على مركب كيميائي يسهم في تسهيل امتصاص الفيتامينات وغيرها من العناصر الغذائية إلى مجرى الدم، وأظهرت دراسات علمية أن القطرات الدقيقة من الدهون الموجودة في الحليب وزيت الزيتون تعزز من توافر العناصر الغذائية للجسم.
ويسعى العلماء حالياً إلى توظيف هذه الخصائص من خلال تطوير أنواع جديدة من الأغذية التي تحتوي على عناصر داعمة، فضلاً عن مساعدة الأشخاص الذين يعانون من ضعف في امتصاص العناصر الغذائية الضرورية للحفاظ على صحتهم.
وتكمن إحدى المشكلات المرتبطة بالأطعمة الأعلى قيمة غذائية في مدى قدرة الجسم على امتصاص واستخلاص الفيتامينات والمعادن أثناء عبورها الجهاز الهضمي.
فعلى سبيل المثال، تُعد حبوب الذرة الحلوة من الحبوب الغنية بالعناصر المفيدة، إذ تحتوي على نسبة عالية من الألياف والبروتين والفيتامينات، إلى جانب عناصر دقيقة مثل البوتاسيوم، وعلى الرغم من ذلك قد يتساءل البعض بعد تناولها عن مقدار ما امتصه الجسم من هذه العناصر الغذائية، نظراً لصعوبة تكسير الغلاف الشمعي الخارجي لحبة الذرة، لا سيما في حال عدم مضغها جيداً.
ويقول ديفيد جوليان مكليمنتس، أستاذ علوم الغذاء بجامعة ماساتشوستس في الولايات المتحدة: "عند تناول الذرة الحلوة من دون مضغ بطريقة كافية، فإنها تعبر الجهاز الهضمي بأكمله لتصل إلى المرحاض بعد ذلك، وتظل العناصر الغذائية الموجودة داخلها محتجزة".
بيد أن مضغ الذرة الحلوة بصورة جيدة يسمح بتحرير اللب الغني بالمغذيات داخل الحبة، بما يساعد الجهاز الهضمي على تفكيكه والاستفادة منه.
صدر الصورة، Getty Images
ما المقصود بـ "مصفوفة الغذاء"؟
يبيّن هذا المثال حقيقة أساسية تتعلق بالغذاء، مفادها أن العناصر الغذائية لا يمكن للجسم هضمها والاستفادة منها إلا بعد تحررها من "مصفوفة معقدة" للبروتينات والكربوهيدرات والدهون وغيرها من المكوّنات التي تمنح الطعام قوامه وبنيته.
كما توجد عقبات أخرى قد تعترض سبيل هضم الفيتامينات، فبعد انفصالها عن مصفوفة الغذاء، يتعين على الفيتامينات أن تذوب في سوائل الجهاز الهضمي، ثم تُنقَل إلى الأمعاء الدقيقة، وهناك تتولى خلايا خاصة تُعرف باسم الخلايا المعوية نقلها إلى داخل مجرى الدم.
بيد أن الكثير من الفيتامينات، من بينها فيتامينات A وD وE وK، المصنّفة ضمن فئة الفيتامينات القابلة للذوبان في الدهون، تتطلب وجود آليات مساعدة إضافية حتى تصل إلى وجهتها داخل الجسم.
ويقول مكليمنتس: "الفيتامينات القابلة للذوبان في الدهون لا تذوب في الماء، وبالتالي فإن تناولها من دون دهون مصاحبة للطعام يمنع ذوبانها، فتجتاز الجهاز الهضمي وتخرج مع الفضلات".
وفي هذا السياق، يمكن لمصفوفة الغذاء أن تسهم بدور داعم في تحسين امتصاص هذه الفيتامينات.
ويضيف مكليمنتس: "عند تناول الفيتامينات مصحوبة بالدهون، تتحلل الدهون لتكوّن جسيمات دقيقة للغاية تُعرف بـ "الميسيلات" داخل الجهاز الهضمي، هذه الميسيلات تعمل على احتجاز الفيتامينات، ثم نقلها عبر الوسط المائي للجهاز الهضمي إلى الخلايا الطلائية، حيث يجري امتصاصها".
بيد أن بعض الأفراد يواجهون تحديات إضافية في امتصاص الفيتامينات من الغذاء، إذ يعاني المصابون بمتلازمة سوء الامتصاص من ضعف في قدرة الأمعاء على امتصاص العناصر الغذائية نتيجة تلف في بطانتها، وهو ما قد ينجم عن أسباب متعددة، من بينها أمراض التهاب الأمعاء، والعلاج الإشعاعي، والعلاج الكيميائي.
وفي حالات التهاب البنكرياس المزمن، يفقد المرضى القدرة على إنتاج إنزيمات أساسية لهضم الدهون والبروتينات والكربوهيدرات، كما أن أمراض الكبد قد تعرقل عملية إفراز الصفراء إلى الأمعاء الدقيقة، وهي مادة ضرورية لهضم الدهون، إذ يمنع غياب الدهون الغذائية عملية امتصاص الفيتامينات القابلة للذوبان في الدهون.
وفي مثل هذه الظروف، غالباً ما يُوصى بتناول مكملات الفيتامينات.
مشكلة تناول المكملات الغذائية
صدر الصورة، Getty Images
تقول جوان مانسون، أستاذة الطب في كلية الطب بجامعة هارفارد، والتي شاركت في إجراء دراسات واسعة النطاق بشأن الفيتامينات والمكملات الغذائية: "لا ينبغي اللجوء إلى مكملات الفيتامينات والمعادن بصورة عامة، نظراً لأن معظم الناس لا تحتاج إليها"، وترى أن النظام الغذائي الصحي والمتوازن يكفي في معظم الحالات.
بيد أنها تشير إلى أن "الأشخاص المصابين بداء كرون، أو التهاب القولون التقرحي، أو الداء الزلاقي، يعانون غالباً من ضعف في امتصاص الدهون، الأمر الذي يؤدي إلى نقص الفيتامينات القابلة للذوبان في الدهون، مثل فيتامينات A وD وE وK ، وفي مثل هذه الحالات، قد يكون تناول مكمل متعدد الفيتامينات مناسباً".
إلا أن الفيتامينات تكون أقل امتصاصاً عندما تُقدَّم في صورة مكملات، ولمعالجة ذلك الأمر، يعمل العلماء على تطوير وسائل جديدة لتوصيل الفيتامينات بغية تعزيز امتصاصها، ويبدو أن العامل الحاسم في ذلك هو الجسيمات النانوية التي تتكون تلقائياً حول الفيتامينات.
ويقول مكليمنتس: "إنهم يسعون إلى محاكاة ما يفعله الجسم، ولكن باستخدام جزيئات أخرى قد لا تكون موجودة بطبيعتها في الأغذية".
وتتميز الجسيمات النانوية بصغر حجمها الشديد، إذ يتراوح قطرها بين واحد و100 نانومتر، علماً بأن سُمك شعرة الإنسان يبلغ نحو 80 ألف إلى 100 ألف نانومتر.
كما توصل علماء في جامعة ألبرتا بكندا إلى أن تغليف فيتامين D داخل جسيمات نانوية مصنوعة من بروتين البازلاء يؤدي إلى زيادة امتصاصه داخل الجسم.
وخلصت دراسات مكليمنتس إلى أن تناول أقراص البيتا كاروتينويد، إلى جانب مستحلب من قطرات دهنية نانوية تُعرف بالليبوسومات، يمكن أن يعزّز "الوجود الحيوي" للمكمل الغذائي، أي نسبة الفيتامين التي تصل إلى مجرى الدم، بنحو 20 في المئة، وتشمل المصادر الغنية بالكاروتينويدات الفواكه والخضراوات زاهية الألوان، مثل الجزر والبروكلي والخضراوات ذات الأوراق والطماطم.
وفي إحدى الدراسات، طلب مكليمنتس من المشاركين تناول سلطة إما بوجود الجسيمات النانوية أو من دونها، كانت مكونات السلطة عبارة عن 50 غراماً من السبانخ الصغيرة، و50 غراماً من الخس الروماني، و70 غراماً من الجزر المبشور، و90 غراماً من طماطم الكرز.
ويقول مكليمنتس: "عند تناول السلطة وحدها، لم تصل إلا كميات ضئيلة من الكاروتينويدات إلى مجرى الدم، نظراً لأن الفيتامينات لا تذوب في سوائل الجهاز الهضمي في غياب الدهون".
ويضيف: "أما عند تقديم السلطة مع صوص يحتوي على قطرات دهنية متناهية الصغر، فقد أدى ذلك إلى زيادة ملحوظة في كمية الكاروتينويدات الممتصة في الدم".
تأثير إضافة التوابل
صدر الصورة، Getty Images
هنا يبرز دور الفلفل الأسود، إذ أسهمت إضافة مكليمنتس وفريقه الفلفل الأسود إلى السلطة والصوص في تعزيز الامتصاص بدرجة أكبر.
وتحتوي خلايا بطانة الأمعاء في كثير من الأحيان على ناقلات تطرد بعض المغذيات التي سبق امتصاصها، وإعادتها إلى الجهاز الهضمي، بيد أن مركباً كيميائياً موجوداً في الفلفل الأسود يعطل عمل هذه الناقلات، الأمر الذي يتيح امتصاص كميات أكبر من الفيتامينات أو الكاروتينويدات إلى مجرى الدم.
وفوجيء مكليمنتس أن هذا النهج كان مستخدماً منذ آلاف السنين.
ويقول: "أجرينا سنوات من الدراسات بغية تحسين الوجود الحيوي للكركمين (وهو مركب موجود في نبات الكركم)، واستطاعنا مقارنة كافة أنظمة التوصيل المختلفة المصنوعة من البروتينات أو الدهون أو الكربوهيدرات، وتبيّن أن أفضلها كانت القطرات الدهنية الصغيرة الشبيهة بالحليب التي يوضع فيها الكركمين".
ويضيف: "وأثناء تجولي في مدينتنا، لاحظت إعلاناً عن الحليب الذهبي، وهو مشروب هندي تقليدي قديم جداً، وفي جوهره، نفس التركيبة التي ابتكرناها نحن، لكنهم استخدموها منذ نحو ألف عام".
وأثبت مكليمنتس وزملاؤه أن تركيزات مرتفعة من الكركمين يمكن وضعها في حليب الأبقار مع بقائها مستقرة لمدة لا تقل عن أسبوعين عند حفظها في الثلاجة، كما بدأوا مؤخراً تجارب لإضافة هذا المركب إلى الحليب النباتي.
أهمية الصوص في السلطة
يقول مكليمنتس إنه بغض النظر عن التركيبات الحديثة للفيتامينات، هل يمكن اتخاذ خطوات عملية لتعزيز امتصاص الفيتامينات؟ فعند تناول مكملات الفيتامينات، من المستحسن تناولها مع وجبة تحتوي على الدهون.
ويضيف: "يفضل أن تحتوي هذه الوجبة على جزيئات دهنية صغيرة، مثل الحليب أو الزبادي".
جدير بالذكر أنه رغم أن النباتات غنية بالفيتامينات الصحية، إلا أنها غالباً تحتوي على ما يُعرف بـ "مضادات التغذية"، وهي جزيئات قد تمنع قدرة الجسم على امتصاص بعض المغذيات، فعلى سبيل المثال يحتوي البروكلي وكرنب بروكسل على الجلوكوسينولات التي يمكن أن تتداخل مع امتصاص اليود. أما الخضراوات ذات الأوراق، فهي غنية بمركبات الأكسالات التي ترتبط بالكالسيوم وتمنع امتصاصه.
وعلى الرغم من ذلك، فإن تناول مجموعة متنوعة من النباتات يضمن أن فوائدها الصحية تفوق أي آثار غذائية سلبية محتملة.
وأخيراً، إذا كانت لديك رغبة في الاستمتاع بتلك السلطة الطازجة والغنية بالعناصر الغذائية، فإن اختيار صوص السلطة أو الزيت المصاحب لها قد يكون له تأثير كبير، فقد أظهرت دراسة حديثة أجراها مكليمنتس وزميله روجييه تشانغ، في جامعة ميزوري، أن تناول مزيج من نبات الكيل، وهو نبات غني بالكاروتينويدات وفيتامينات C وE، مع صوص زيت الزيتون يمكن أن يعزز استفادة الجسم من هذه العناصر الغذائية.
وقد يكون هذا الاكتشاف سبباً من أسباب شيوع الفوائد الصحية للأنظمة الغذائية التي تحتوي على زيت الزيتون مع الفواكه والخضراوات الطازجة، مثل النظام الغذائي في منطقة دول حوض المتوسط.
ويقول مكليمنتس: "وجدنا أن الجسيمات النانوية المصنوعة من زيت الزيتون عززت الوجود الحيوي للكاروتينويدات بشكل كبير، في حين أن الجسيمات المصنوعة من زيت جوز الهند لم تُحدث أي فرق".
ويضيف: "ذلك لأن زيت جوز الهند يشكل ميسيلات صغيرة جداً، وكاريتين كبير جداً ليتمكن من الدخول فيها. فالأمر أشبه بمحاولة إدخال فيل في سيارة ميني كوبر، أحياناً تحتاج إلى سيارة أكبر".
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير
أخبار متعلقة :