Arabnews24 | اخبار كندا

ديفيد أتنبره: المغامر الذي أدخل البريّة إلى بيوتنا

الجمعة 8 مايو 2026 11:18 صباحاً قبل 14 دقيقة

مدة القراءة: 7 دقائق

يبلغ السير ديفيد أتنبره اليوم عامه المئة، ولا يزال الصوت الهادئ الموثوق الذي ارتبط في أذهان الملايين بعالم الطبيعة.

لكن مسيرته الممتدة على مدى سبعين عاماً تكشف أيضاً عن مذيع ومعد برامج لم يتردد في خوض المخاطر، مراهناً على تقنيات جديدة، ومسافراً إلى أماكن نائية، كثيراً ما كانت محفوفة بالمخاطر.

من إطلاق التلفزيون الملوّن إلى غوص قياسي في الحاجز المرجاني العظيم وهو في التاسعة والثمانين، ظل أتنبره يبحث عن طرق جديدة لعرض كوكبنا والكائنات التي تعيش عليه.

اليوم، يعد أتنبره أشهر عالم طبيعة في العالم، لكن فضوله ظل، على مدى عقود، يصوغ أشكالاً جديدة من السرد التلفزيوني.

وقبل التكريمات والألقاب، كان شاباً يعمل في الإنتاج ويحاول شق طريقه.

البرية في بيوتنا

كان ديفيد أتنبره الشاب يزداد ضيقاً بعمله في تحرير كتب علمية للأطفال، حين قرر التقدم إلى وظيفة في إذاعة بي بي سي.

رفض طلبه، لكن بعد أسابيع قليلة وصلته رسالة تسأله إن كان مهتماً بالعمل في خدمة التلفزيون الجديدة التابعة لبي بي سي.

في البداية، تردد في قبول العرض. كان يخشى أن يترك وظيفة ثابتة بدوام كامل من أجل عقد لا يتجاوز ثلاثة أشهر، وهو يعيل أسرة. لكنه اقتنع في النهاية بالانضمام إلى المؤسسة منتجاً في مختلف البرامج الواقعية وغير الدرامية.

كانت معظم تلك البرامج تبث على الهواء مباشرة. لكن أتنبره سرعان ما طرح فكرة رائدة لبرنامج Zoo Quest "رحلة إلى حديقة الحيوان"، وهو أول سلسلة تجمع بين التقديم الحي من الاستوديو ولقطات من عالم الطبيعة صورت في مواقعها الأصلية.

وشارك أتنبره بنفسه في رحلات استكشافية للعثور على حيوانات نادرة في البرية وإحضارها إلى حديقة حيوانات لندن، وهو أمر أقر لاحقاً بأنه لم يعد مقبولاً اليوم.

وقال: "رؤية حيوانات الغابات الأفريقية المطيرة للمرة الأولى، ذلك الثراء الهائل، بل الفائض، كان أمراً يخطف الأنفاس".

وأضاف: "في ذلك الوقت، كنا نعتقد أن العالم الطبيعي بخير، وأنه مليء بالحيوانات. إذا مات حيوان في حديقة الحيوان، كنت تخرج ببساطة وتحضر غيره. هذا لم يعد ممكناً اليوم".

وكانت تلك التجارب أيضاً أولى فرصه لاكتشاف عجائب الطبيعة، ومؤشراً مبكراً إلى سنوات طويلة من الترحال حول العالم.

وكان أتنبره وفريقه أول من صوّر طيوراً نادرة مثل طائر الصخر أبيض العنق، وكذلك تنين كومودو الغامض، وهو سحلية عملاقة لم يكن قد رآها من قبل إلا عدد قليل جداً من غير السكان الأصليين.

ثورة الألوان

لم يكن أتنبره يملك جهاز تلفزيون عندما انضم إلى بي بي سي عام 1952، لكنه أصبح، خلال 15 عاماً، مراقب قناة بي بي سي الثانية، إحدى ثلاث قنوات تلفزيونية فقط كانت تبث في المملكة المتحدة آنذاك.

وفي برنامج Desert Island Discs "أسطوانات جزيرة الصحراء" على راديو 4، استعاد تلك المرحلة قائلاً: "إنه شعور مذهل أن يقال لك: ها هي بضعة ملايين من الجنيهات. لا بد أنك قادر على التفكير في بعض البرامج".

وكان إطلاق التلفزيون الملوّن من أبرز إنجازاته المبكرة. وقال: "كنت حريصاً جداً على أن نكون الأوائل في أوروبا، وكان منافسونا هم الألمان".

كانت ثورة تلفزيونية قد بدأت.

وقال: "بدأنا فعلاً خلال أسبوعي بطولة ويمبلدون، ومن خلال أربع كاميرات ملوّنة فقط، أنتجنا ما يكفي لنقول: لقد بدأنا البث بالألوان. وكان الألمان في غاية الغضب".

وبعد ذلك بعامين، في 1969، استفاد أتنبره من تقنيات البث عالية الدقة الجديدة في برنامج كان هدفه أن "يعثر على أجمل ما أنتجته الحضارة خلال الألفي عام الماضية، ويضعه على الشاشة".

كان ذلك هو المسلسل الوثائقي البارز Civilisation "الحضارة"، الذي كتبه وقدمه مؤرخ الفن كينيث كلارك. وكان البرنامج أول نموذج لنوع جديد من الوثائقيات الضخمة، ووضع معياراً اقتدت به مؤسسات بث حول العالم.

وسرعان ما تبعه عمل ضخم آخر هو The Ascent of Man "ارتقاء الإنسان"، الذي تتبّع فيه جاكوب برونوفسكي تاريخ التفكير العلمي والاختراع.

العودة إلى أمام الكاميرا

قال أتنبره، بعدما غادر منصبه التنفيذي على نحو مفاجئ ليعمل مستقلاً: "أنا رجل برامج، وهذا ما أستمتع به".

وكانت فكرة إنتاج سلسلة عن العالم الطبيعي، على غرار Civilisation "الحضارة"، تراوده منذ وقت طويل.

وفي عام 1997، قال: "لو جاءني أحد، حين كنت في بي بي سي الثانية أو مديراً للبرامج، وقال لي: لدينا فكرة رائعة، لماذا لا نعد مسحاً شاملاً للعالم الطبيعي؟ لما كان في وسعي أن أرفض أن يتولاها شخص آخر".

ولحسن حظه، لم يسبقه أحد إلى طرح الفكرة، فتمكن من تطويرها بنفسه. استغرق التصوير أربع سنوات، وكانت النتيجة سلسلة Life on Earth "الحياة على الأرض".

صُورت السلسلة في أكثر من مئة موقع، واستكشفت كيف شكّل التطور عجائب العالم الطبيعي.

واستندت كل حلقة إلى أنظمة بيئية متنوعة، لتبيان كيف تكيفت الحيوانات مع بيئاتها.

وكان حجم الإنتاج غير مسبوق، إذ أصبحت السلسلة أول وثائقي عن الطبيعة تتجاوز كلفته مليون جنيه إسترليني.

وبعد عرضها الأول عام 1979، مهّد نجاح السلسلة الطريق لجيل كامل من البرامج الكبرى عن الطبيعة.

كما منحتنا واحدة من أكثر لحظات التلفزيون رسوخاً في الذاكرة، حين أثار مقدمها فضول مجموعة من غوريلا الجبال في رواندا.

وقال أتنبره: "لقائي بالغوريلا بدا وكأنه استمر إلى الأبد. كنت أشعر كأنني في الجنة؛ فقدت كل إحساس بالوقت".

وتلت ذلك سلاسل أخرى، بينها The Living Planet "الكوكب الحي" وThe Blue Planet "الكوكب الأزرق"، لتشكل مجتمعة موسوعة شاملة للعالم الطبيعي.

وفي الوقت نفسه، أصبح أتنبره الصوت الأبرز لبرامج التاريخ الطبيعي في بي بي سي، إذ روى أكثر من 300 حلقة ضمن سلاسل بارزة مثل Wildlife on One "الحياة البرية على القناة الأولى" وNatural World "العالم الطبيعي".

فتح الطريق لجيل جديد

على امتداد مسيرته، استعان السير ديفيد بتقنيات جديدة لإظهار تعقيد الطبيعة بمزيد من التفاصيل.

في سلسلة Blue Planet "الكوكب الأزرق" عام 2001، التي تعد أول عمل شامل عن محيطات العالم، كشفت كاميرات التصوير في الإضاءة المنخفضة كائنات من أعماق البحر لم تكن قد شوهدت من قبل، مثل Dumbo octopus "أخطبوط دامبو" وHairy anglerfish "سمكة الصنارة المشعرة".

أما سلسلة Planet Earth "كوكب الأرض" عام 2006، فكانت أغلى وثائقي عن الطبيعة كلفت به بي بي سي حتى ذلك الحين، وأول سلسلة للحياة البرية تنتجها المؤسسة بتقنية الوضوح العالي.

وباستخدام حوامل كاميرات ثابتة من النوع العسكري، تمكنت فرق التصوير من العمل من مروحيات تحلق على ارتفاعات عالية، ورصد امتداد الهجرات وعمليات الصيد للمرة الأولى من دون تنبيه الحيوانات.

ولا يزال السير ديفيد الشخص الوحيد الذي فاز بجوائز بافتا عن برامج أُنتجت بالأبيض والأسود، وبالألوان، وبتقنية الوضوح العالي، وبتقنية الأبعاد الثلاثية، وبتقنية 4K "فور كي".

وبدافع من طموح تقني، خاض عام 2015 غوصاً قياسياً إلى عمق ألف قدم، أي نحو 300 متر، في الحاجز المرجاني العظيم، ليصبح، في سن التاسعة والثمانين، أكبر شخص سناً يصل إلى مثل هذا العمق.

وصُوّر ذلك الهبوط ضمن سلسلة تلفزيونية جديدة وتجربة واقع افتراضي طُورت بالتعاون مع متحف التاريخ الطبيعي.

وبات عمل السير ديفيد اليوم يمتد عبر كل التحولات التقنية الكبرى في تاريخ البث، بما فيها الواقع الافتراضي، الذي منحه جائزة بافتا أخرى.

وبحلول تسعينيات القرن الماضي، وبعد أربعة عقود من العمل، أصبح تأثير السير ديفيد ركناً أساسياً في الأوساط العلمية.

وقال مستعيداً ذلك: "أزور أقسام علم الحيوان والجامعات في أنحاء العالم، فيأتي إليّ أساتذة ويقولون: السبب في حصولي على هذه الأستاذية هو أنني شاهدت Life on Earth "الحياة على الأرض"".

واليوم، يحمل اسمه أكثر من 50 نوعاً في التصنيف العلمي الرسمي، من ضفادع وخنافس إلى نبات لاحم وفراشة استوائية.

وتشمل هذه التكريمات طائراً أحفورياً غريباً من الصين، وآخرها فطر سُمي باسمه عام 2025.

أما أول نوع حمل اسمه، فحُدد عام 1993، وكان أحفورة لزاحف بحري اكتُشفت على الساحل الجوراسي في إنجلترا.

ولا يزال ذلك يشكل لحظة خاصة بالنسبة إليه، لا سيما بسبب تفصيل قد لا يلتقطه كثيرون ممن لا يتابعون العلوم عن قرب.

وقال: "هناك عدد لا بأس به من الأنواع التي تحمل اسم Attenboroughi "أتنبرهوي/المنسوبة إلى أتنبره"، وهذا أمر جميل. لكن أن يُسمى جنس كامل باسمك، أي مجموعة من الكائنات المتقاربة ذات السمات المتشابهة، فهذا شيء آخر تماماً".

الدفاع عن الطبيعة

رغم أنه ظل طوال حياته مناصراً لحماية البيئة، لم تبدأ وثائقياته في تناول الأثر البشري على البيئة بصورة مباشرة إلا بعد مطلع الألفية، وصولاً في السنوات الأخيرة إلى دعوات ملحة للتحرك في مواجهة تغير المناخ.

وفي عام 2006، قدم السير ديفيد وثائقيين ضمن موسم بي بي سي Climate Chaos "فوضى المناخ"، في تحول علني في موقفه.

وقال خلال إطلاق الموسم: "كنت متشككاً في مسألة تغير المناخ. كنت حذراً من إطلاق إنذار كاذب. لكنني لم أعد متشككاً الآن. لم يعد لدي أي شك على الإطلاق. أعتقد أن تغير المناخ هو التحدي الأكبر الذي يواجه العالم".

وفي عام 2019، وهو في الثالثة والتسعين، حمل السير ديفيد رسالته البيئية إلى بيئة لم يسبق له استكشافها: مهرجان Glastonbury "غلاستونبري".

وبعد قرار المهرجان حظر المواد البلاستيكية أحادية الاستخدام، عاش أتنبره أول لحظة تشبه استقبال نجوم الروك، حين خاطب، من على منصة Pyramid Stage "منصة بيراميد"، جمهوراً محباً تجاوز عدده مئة ألف شخص.

وبالنسبة إلى معظم من تابعوه، كان أتنبره حضوراً دائماً، يدافع بهدوء، وأحياناً بغير هدوء، عن العالم الطبيعي.

وسواء كان يتحدث إلى بحر من جمهور المهرجانات، أو إلى قاعة تضم سياسيين دوليين، أو إلى طفل في الرابعة فإنه يواصل حثنا على تحمل المسؤولية، ويؤكد لنا أن الوقت لم يفت بعد لإحداث فرق.

تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير

أخبار متعلقة :