الاثنين 16 مارس 2026 08:16 صباحاً صدر الصورة، AFP
كانت ستيفاني بيكر تحتفل بعيد ميلادها مع أصدقائها في إحدى الحانات بجزيرة نخلة جميرا، الجزيرة الاصطناعية الشهيرة في دبي، التي تتخذ شكل نخلة وتضم فنادق فاخرة ونوادٍ شاطئية.
لكن بينما كانت المجموعة تخرج متجهة إلى مكان قريب آخر، لمحوا شيئاً غير مألوف يشق السماء ليلاً.
وبعد لحظات، سقط حطام طائرة مسيرة على فندق فيرمونت ذي الخمس نجوم، في حين كانت بيكر وأصدقاؤها يقفون على الجهة المقابلة من الشارع مباشرة.
تقول بيكر: "شعرنا جميعاً بالخوف، رؤية شيء كهذا كانت غير متوقعة".
تضيف المستشارة العقارية البريطانية التي انتقلت إلى المدينة قبل عام، أنها كانت تنظر دائماً إلى دبي باعتبارها واحدة من أكثر الأماكن أماناً في المنطقة.
رغم ذلك، بعد أسبوعين من الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة المرتبطة بالصراع مع إيران، تقول إنها لا تعتزم مغادرة المدينة.
وأضافت: "بل على العكس، فإن الطريقة التي جرى بها التعامل مع الوضع تجعلني أشعر بقدر أكبر من الأمان".
صدر الصورة، Stephanie Baker
في دبي ملايين المقيمين الأجانب، مثل بيكر، من جنسيات مختلفة، بينهم نحو 240 ألف بريطاني، في حين لا يشكل المواطنون الإماراتيون سوى 10 في المئة من السكان.
وعلى مدى عقود، حرصت المدينة على ترسيخ صورة تقوم على الاستقرار والأمان في منطقة تتسم بالتقلب، وقد ساعدها أفقها المزدحم بالأبراج الزجاجية، والرواتب المعفاة من الضرائب، وسمعتها في مجال السلامة الشخصية، على التحول إلى مركز مزدهر للأعمال والسياحة في الشرق الأوسط، ومقصد يصل إليه أشخاص من أنحاء العالم أملاً في بناء حياة أفضل.
وفي حين أعادت الصراعات تشكيل أجزاء واسعة من المنطقة في السنوات الأخيرة، بقيت دبي إلى حد كبير بمنأى عن ذلك، إلا أن هذه الصورة باتت الآن موضع اختبار.
وبحسب السلطات في دولة الإمارات العربية المتحدة، تعاملت الدفاعات الجوية الإماراتية، منذ بدء الهجمات الإيرانية، مع 285 صاروخاً باليستياً، و15 صاروخ كروز، و1567 طائرة مسيّرة، ويقول المسؤولون إن أكثر من 90 في المئة منها جرى اعتراضه وتدميره.
لكنّ بعض الحطام سقط في مناطق متفرقة من دبي، بما في ذلك أحياء سكنية رئيسية ومناطق قريبة من مطار المدينة، وقد انتشرت على الإنترنت على نطاق واسع صور تظهر شظايا تصيب برجاً سكنياً راقياً، وفندقاً فاخراً، والمطار.
وحتى الآن، تقول السلطات الإماراتية إن ستة أشخاص قتلوا وأصيب 141 آخرون في أنحاء الدولة.
صدر الصورة، Planet Labs PBC via REUTERS
تحدثت بي بي سي إلى أكثر من 20 مقيماً، بعضهم يعيش في دبي منذ عقود، فيما وصل آخرون إليها في فترات أحدث، ويقول معظمهم إنهم يشعرون بالصدمة إزاء ما شهدته الأيام الأخيرة، لكن الغالبية تؤكد أنها لا تعتزم مغادرة المدينة.
وتقول إيتي بهاسين، وهي مقيمة هندية تعمل في تجارة عائلتها وعاشت طوال حياتها في دبي: "هذه هي المرة الأولى التي نرى فيها شيئاً كهذا".
وأضافت: "دبي نمت بشكل هائل وأصبحت مدينة كبرى، لكننا نثق بالسلطات، هذا وطني، ونحن نقف إلى جانبه".
صدر الصورة، Eti Bhasin
بالنسبة إلى بعض المقيمين، كانت الأسابيع الماضية مدعاة للقلق، فقد انتقل آدم كالو مع زوجته وطفليه الصغيرين إلى دبي من المملكة المتحدة في عام 2024، وكان من بين أسباب انتقالهم سمعة المدينة من حيث الأمان.
وخلال الأيام الأولى من الحرب، نام أفراد العائلة في غرفة واحدة، بينما كانت أصوات الانفجارات تسمع في أنحاء المدينة، إذ كان الطفلان خائفين أكثر من أن يناما قرب النوافذ.
يقول كالو: "السلطات تبذل ما يكفي لكي نبقى وتشعرنا بالأمان، لكننا في الوقت نفسه نشعر بعدم الاستقرار. مصدر القلق هو ما إذا كان هذا سيصبح الوضع الطبيعي الجديد".
وقد قامت نهضة دبي، من ميناء تجاري صغير في الخليج إلى وجهة عالمية، على فكرة الترابط والانفتاح، يضيف كالو.
وتعامل مطار دبي الدولي، الأكثر ازدحاماً في العالم من حيث عدد المسافرين الدوليين، مع نحو 90 مليون مسافر خلال العام الماضي.
وقد أُلغيت آلاف الرحلات الجوية منذ بدء النزاع، ما أدى إلى شلل أحد أكثر مراكز السفر ازدحاماً في المنطقة.
وخلال الأيام الأخيرة، استؤنفت العمليات جزئياً بصورة مؤقتة، إذ تسيّر شركة طيران الإمارات جدولاً مخفضاً للرحلات، بينما تعمل على إعادة تشغيل شبكتها بالكامل.
ويأتي هذا الاضطراب في فترة تُعد من المواسم النشطة للزوار، قبل اشتداد حرارة الصيف، وقد بات أثره غير المباشر واضحاً.
وتشهد البلاد الآن عشرات حالات إلغاء الرحلات وحجوزات الفنادق من أشخاص يفضلون الابتعاد في الوقت الراهن، فيما تُعرض غرف في بعض الفنادق الفاخرة بأسعار تقل كثيراً عن مستوياتها المعتادة.
صدر الصورة، Getty Images
"للأسف، نشهد إلغاءات تمتد حتى مايو/أيار"، يقول الدكتور نعيم معضاد، مؤسس شركة غيتس للضيافة ورئيسها التنفيذي، وهو مقيم أسترالي يعيش في دبي منذ أكثر من عقدين.
ويضيف: "عندما تبدأ الربع الأول بشكل سيئ، يتحول ما تبقى من العام إلى سباق للّحاق بما فات".
وتجذب دبي كثيراً من الزوار المحتملين بسبب صورتها المرتبطة بأسلوب حياة فاخر، من مؤثرين ينشرون مقاطع مصورة لبرك سباحة على الأسطح وسيارات فارهة مصطفة أمام فنادق خمس نجوم، إلى سياح يستلقون تحت الشمس على شواطئ خاصة.
لكن خلف هذه الصورة، تكمن حقيقة مختلفة.
صدر الصورة، Dr Naim Maadad
وجه دبي الآخر
تأتي الفرص التي توفرها المدينة مصحوبة بتفاوتات واضحة، ففي حين تنتشر على الإنترنت صورة دبي اللامعة، يتقاضى كثير من العمال المهاجرين الذين يساهمون في تشغيل عجلة الاقتصاد فيها أجوراً متواضعة، ويعيشون في مساكن مشتركة على أطراف المدينة.
ويعتمد سوق العمل في الإمارات بدرجة كبيرة على العمالة الأجنبية، إذ يشكل القادمون من جنوب آسيا وحدهم أكثر من نصف عدد سكان المدينة الذين يتزايدون بسرعة، وغالباً ما يعملون في قطاعات البناء والخدمات اللوجستية والتوصيل.
وبالنسبة إلى كثيرين، لم تغيّر الحرب الكثير في تفاصيل حياتهم اليومية.
يقول حمزة، وهو سائق توصيل من باكستان، إن الطلبات ازدادت في الأيام الأولى من الحرب مع بقاء عدد أكبر من الناس داخل منازلهم.
ويضيف: "هناك شيء من الخوف عندما نسمع الانفجارات أو نرى الحطام يتساقط، لكنني لا أستطيع التوقف عن العمل".
وتابع: "أسرتي في بلدي تعتمد عليّ، ولا أملك رفاهية البقاء في المنزل خوفاً".
ولطالما أثارت منظمات حقوقية مخاوف بشأن معاملة بعض العمال متدني الأجر وظروف معيشتهم في دول الخليج، بما في ذلك مسائل تتعلق بظروف العمل وقواعد كفالة أصحاب العمل.
وفي حين قال معظم المقيمين، وبينهم حمزة، إنهم يعتزمون البقاء، قرر عدد قليل ممن تمكنوا من العثور على رحلة، مغادرة المدينة.
صدر الصورة، AFP
وقالت موظفة في إحدى شركات الطيران، طلبت عدم الكشف عن هويتها، إنها عادت جواً إلى ملبورن في أستراليا في وقت سابق من هذا الأسبوع.
وأضافت: "بدأت أشعر بقلق شديد مع سماع الانفجارات المتواصلة كل يوم. بدا لي أن المغادرة الآن أكثر أماناً، على أن أعود حين يستقر الوضع".
لكنها أوضحت أنها لا تزال تعتزم العودة.
وفي وقت تشدد فيه كثير من الدول الغربية سياسات الهجرة وتناقش تأثيراتها، تمثل دبي نموذجاً مختلفاً.
فقد سعت الإمارة إلى ترسيخ موقعها بوصفها وجهة جاذبة للكفاءات العالمية والأثرياء، وشهدت تدفقاً لأعداد متزايدة من أصحاب الملايين منذ جائحة كورونا.
وبالنسبة إلى المهنيين الطموحين القادمين من دول نامية، سواء كانوا مهندسين من الهند أو أطباء مصريين أو ممرضين فلبينيين، قد يكون الحصول على تأشيرة عمل في دبي أسهل بكثير منه في أوروبا أو أمريكا الشمالية، وفي بعض الأحيان برواتب أعلى.
صدر الصورة، Getty Images
وكانت تحقيقات أجرتها وسائل إعلام دولية وأجهزة إنفاذ قانون قد سلطت الضوء في السابق على إقامة بعض الأشخاص المشتبه بارتباطهم بالجريمة المنظمة في دبي، رغم أن التعاون في مجال تسليم المطلوبين بين الإمارات وعدد من الدول ازداد في السنوات الأخيرة.
هل تصمد صورة دبي أمام هذا الاختبار؟
وبما أن أبرز عناصر جاذبية المدينة تمثّل دائماً في صورتها كواحة مستقرة في منطقة مضطربة، يبرز التساؤل عما إذا كانت هذه الصورة باتت مهددة بشكل دائم.
ويرى كريستوفر ديفيدسون، وهو خبير في الاقتصاد السياسي للشرق الأوسط كتب على نطاق واسع عن الإمارات، أن الهجمات قد تؤثر في جاذبية دبي على المدى القصير.
ويقول: "لكن الأسس الرئيسية، من بنية تحتية، وتنظيم، ومناخ، وموقع جغرافي، لم تتغير".
وأضاف: "على المدى الطويل، ستبقى جاذبيتها قائمة".
وقد حظيت السلطات بإشادة من السكان والشركات بعد إصدارها تحديثات يومية بشأن الهجمات، وإرسالها تنبيهات منتظمة عبر الهواتف المحمولة للتحذير من ضربات محتملة.
كما طمأن الرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد السكان إلى أن الدولة ستحميهم، محذراً في الوقت نفسه من أن الإمارات "ليست هدفاً سهلاً" لمن يهدد أمنها.
صدر الصورة، NurPhoto/Getty Images
كما ظهر عدد من كبار المسؤولين علناً في دبي، في إشارة إلى أن الحياة مستمرة.
لكن توجيه انتقادات علنية للحكومة أمر غير شائع في الإمارات، حيث تفرض القوانين قيوداً على التعبير الذي يُنظر إليه على أنه تقويض للدولة أو انتقاد لها أو لقيادتها.
وكانت السلطات قد حذرت من أن نشر لقطات غير موثقة عن النزاع على الإنترنت قد يؤدي إلى غرامات كبيرة أو السجن.
ووُجهت في دبي اتهامات إلى رجل بريطاني يبلغ من العمر 60 عاماً، الخميس، بعد الاشتباه في أنه صوّر صواريخ إيرانية في سماء المدينة.
وبعد بضعة أيام من شوارع بدت هادئة على غير العادة، عادت حركة السير والتجمعات إلى وتيرتها الطبيعية.
ويقول محللون إن الأثر طويل المدى على دبي والإمارات سيتوقف على مسار النزاع، ويقول ديفيدسون: "قد يؤدي إضعاف إيران إلى تعزيز جاذبية الإمارات أكثر".
لكن مصرفياً استثمارياً قال لي إنه إذا بقي النظام الإيراني، فقد تتزايد التوترات مع جيرانه الخليجيين، وأضاف: "هذا مصدر قلق. فإذا تعرض أي من البنوك أو المؤسسات المالية لضربة، فقد يؤثر ذلك على معنويات قطاع الأعمال".
وهدد الجيش الإيراني باستهداف مصالح اقتصادية ومصرفية مرتبطة بالولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة، يوم الأربعاء، بعد تعرض بنك إيراني لهجوم، وعقب ذلك، طلبت شركات مالية عديدة في دبي من موظفيها إخلاء مكاتبهم.
وفي الوقت الراهن، لا يزال معظم المقيمين في دبي يتعاملون بحذر، لكنهم يتمسكون بالأمل، ويشيرون إلى أن المدينة سبق أن واجهت أزمات، من الأزمة المالية العالمية في عام 2008 إلى جائحة كورونا في عام 2020، وخرجت منها أكثر قوة.
ويقول معضاد: "دبي دائماً ما تتعافى بسرعة. والقدرة على الصمود جزء من طبيعة الإمارات".
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير
أخبار متعلقة :