Arab News 24.ca اخبار العرب24-كندا

ماذا نعرف عن الجزر السرية التي تقف وراء الخلاف بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة؟

السبت 14 فبراير 2026 02:28 مساءً صدر الصورة، Diane Selkirk

Article Information

جزر تشاغوس، النائية والمحظورة على السياح، هي جنة استوائية تضم أحد أكثر أنظمة الشعاب المرجانية نقاءً على وجه الأرض. فلماذا تُثير الجدل؟

في اليوم الثالث من إبحارنا جنوباً من مدينة أدو في جزر المالديف، ارتفعت غيوم رعدية كثيفة حول قاربنا، مما قلل الرؤية إلى حد كبير. وبأشرعتنا المرفوعة بالكامل، تسابقنا مع التيار عبر ممر مليء بالشعاب المرجانية، متجاوزين التلال المرجانية حتى هدأ البحر وانزلقت أمامنا جزر خضراء غير مأهولة على جانبيه.

وما إن توقفنا قبالة جزيرة بودام، حتى أدركت أننا وصلنا إلى مكان نادراً ما يراه الناس: أرخبيل تشاغوس، أحد أكثر مجموعات الجزر عزلة على وجه الأرض.

تتألف جزر تشاغوس من سبع جزر مرجانية ونحو ستين جزيرة متناثرة في المحيط الهندي، كأنها حفنة من الأصداف ملقاة على سطح بحر أزرق شاسع.

وتقع جزيرة سالومون، أقصى جزرها المرجانية شمالاً، على بعد 286 ميلاً بحرياً جنوب جزر المالديف. هي مكان معزول وغير معروف، يتطلب الاعتماد على الذات وتقبّل البعد الشاسع عن أي مكان آخر.

وبعد ست سنوات من رحلة حول العالم، أبحرنا أنا وعائلتي نصف الكرة الأرضية للوصول إلى هنا، حاملين معنا كل ما نحتاجه، تماماً كما يفعل القلة الذين يغامرون بالوصول إلى هنا.

مع ذلك، ورغم صغر حجمها الظاهر، وجدت هذه الجزر المليئة بأشجار النخيل نفسها في خضم نزاع دولي غير متوقع.

ففي الأسابيع الأخيرة، أصبحت جزر تشاغوس محور توتر دبلوماسي متجدد بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة وموريشيوس، مما أعاد فتح التساؤلات حول السيادة وإرث الحكم الاستعماري.

صدر الصورة، Diane Selkirk

التعليق على الصورة، تُعد جزر تشاغوس واحدة من أكثر مجموعات الجزر عزلة في العالم.

تسيطر المملكة المتحدة على جزر تشاغوس، المعروفة رسمياً باسم إقليم المحيط الهندي البريطاني، منذ عام 1814.

وفي عام 1965، انفصلت الجزر عن دولة موريشيوس عندما كانت الأخيرة لا تزال مستعمرة بريطانية، وأصبحت تشاغوس رسمياً إقليماً بريطانياً في ما وراء البحار.

وقد اشترت المملكة المتحدة الجزر مقابل 3 ملايين جنيه إسترليني، لكن دولة موريشيوس تزعم أنها أُجبرت بشكل غير قانوني على التنازل عن تشاغوس كجزء من صفقة لنيل استقلالها.

وبدأت الحكومة البريطانية، عام 1967، بإجبار سكان تشاغوس على الرحيل لبناء قاعدة عسكرية مشتركة شديدة السرية مع الولايات المتحدة في دييغو غارسيا، أكبر جزر الأرخبيل.

ومنذ استقلالها عن المملكة المتحدة عام 1968، تطالب دولة موريشيوس بالسيادة على تشاغوس، مؤكدة أنها جزء لا يتجزأ من أراضيها.

وفي ظل ضغوط دبلوماسية متزايدة، وقّعت المملكة المتحدة اتفاقية مثيرة للجدل لتسليم إدارة الجزر إلى موريشيوس عام 2025، وهي خطوة وصفها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مؤخراً بأنها "حماقة بالغة".

لكن بينما يتصارع قادة العالم بشأن مستقبل جزر تشاغوس، فإن الأدلة على ماضيها المتشابك موجودة في كل مكان في هذا المكان الغامض والفردوسي.

نقية ومسكونة بالأشباح

تُعدّ جزر تشاغوس من بين أكثر النظم المرجانية سلامة على كوكب الأرض، ولطالما حظيت بسمعة أسطورية بين البحارة.

ولعقود، كان الرحالة يمكثون فيها لأشهر، يصطادون السمك من الشعاب المرجانية، ويجمعون جوز الهند، ويعيشون حياة هادئة.

وانتهى ذلك العصر في أواخر التسعينيات، عندما شددت السلطات القيود على الوصول إليها. فاليوم، هذه الجزر الاستوائية المتنازع عليها مغلقة أمام السياح.

والطريقة الوحيدة أمام البحارة والباحثين والزوار المصرح لهم لاستكشافها هي الحصول على تصاريح مسبقة، والخضوع لفحص طبي، والحصول على تأمين لإزالة حطام السفن، ثم الإبحار للوصول إلى هذا المكان النائي، كما فعلنا.

وخلال إقامتنا التي استمرت أربعة أسابيع، وهو الحد الأقصى المسموح به، سارت الأيام على وتيرةٍ متناغمة مع الطبيعة المحيطة.

كنا نستكشف الشعاب المرجانية الغنية بالحياة، وشاهدنا العشرات من أسماك القرش والسلاحف، ومجموعات ضخمة من أسماك الوراس، وأسماك الملاك، وسمك الببغاء.

سرنا في مسارات مظللة تمر عبر مزارع قديمة، واصطدنا أسماك الجاك والسنابر بسهولة، مع تسجيل كل واحدة حسب المتطلبات.

وكل يوم، كانت السماء تمتلئ بالطيور البحرية الاستوائية وهي تعشش بأعداد مذهلة على طول الشاطئ.

صدر الصورة، Diane Selkirk

التعليق على الصورة، مقبرة طُمست فيها جميع النقوش تقريباً بفعل الزمن.

لكن الهشاشة كانت بادية للعيان في كل مكان. فقد بدت الشعاب المرجانية وكأنها تعاني من بقع التبييض.

وفي كل مساء، كانت الجرذان العملاقة، التي أدخلها المستعمرون الأوروبيون منذ قرون وتغذت على بيض الطيور البحرية، تخرج من الأدغال جنباً إلى جنب مع سلطعون جوز الهند الضخم، فتدفعنا بعيداً عن الشواطئ ونعود نحو القارب.

أما في جزيرة بودام، التي كانت في يوم من الأيام إحدى جزر تشاغوس الثلاث المأهولة، استكشفنا غابة كثيفة تتخللها مسارات قديمة، وعثرنا على بقايا كنيسة وسجن ومدرسة بُنيت في ثلاثينيات القرن الماضي.

وفي المقبرة، طُمست جميع النقوش تقريباً بفعل الزمن. لكن، هناك من عاش هنا مدة كافية للبناء ودفن موتاه وتخيل مستقبله.

شعرتُ بأن الجزر نقية ومسكونة بالأشباح في آنٍ واحد.

وأملاً في فهم المزيد، تواصلت مع آن ماري جيندرون، وهي من سكان تشاغوس السابقين وتقطن الآن في دولة سيشيل، وواحدة من حوالي 2000 شخص جرى إجلاؤهم قسراً من الجزر في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات.

فقد كانت تعيش مع والديها في بودام عندما كانت الجزيرة عبارة عن قرية صاخبة تضم بضع مئات من السكان، وكانت من بين آخر من غادروا في عام 1973.

صدر الصورة، Diane Selkirk

التعليق على الصورة، كانت الكنيسة في يوم من الأيام المركز الثقافي والاجتماعي لمدينة بودام.

وتقول جيندرون لي: "أخبرونا أن علينا الرحيل لإفساح المجال للجيش الأمريكي. لكنني عُمّدتُ في الكنيسة، ودُفنت أجيال من عائلتي في المقبرة هناك. لم يكن لدينا مأوى آخر".

وأخبرتني أن بعض الناس لم يحزموا أمتعتهم حتى، "لم يستوعبوا ما يحدث".

وتم استيطان جزر تشاغوس لقرون، بعد أن جلب الهولنديون والفرنسيون أفارقة مستعبدين وسكاناً من مدغشقر للعمل في مزارع جوز الهند.

وعلى مرّ الأجيال، نشأت ثقافة مختلطة مميزة، بلغتها ومأكولاتها وموسيقاها الخاصة.

وقبل إنشاء القاعدة العسكرية الأمريكية البريطانية في دييغو غارسيا عام 1971، أصرت الولايات المتحدة على إخلاء المنطقة.

وقد تجاوب المسؤولون البريطانيون بحماس، واعتبروا سكان الجزر مجرد عُمال مؤقتين. حيث وصفتهم المراسلات الداخلية بـ "بضع طرزانات أو مان فرايديز"، في إشارة إلى خادم روبنسون كروزو.

بالنهاية، طُرِد جميع السكان.

صدر الصورة، Alamy

التعليق على الصورة، اليوم، لا يزال العديد من سكان تشاغوس يتوقون للعودة إلى الجزر.

أُجبرت عائلات على ركوب السفن ونُقلت إلى دولتي موريشيوس وسيشيل، غالباً دون تعويض أو سكن أو حتى إثبات جنسية.

ووقع الكثيرون في الفقر المدقع، ومات بعضهم حزناً، كما تقول جيندرون. وقد اعتذرت المملكة المتحدة لاحقاً عن طبيعة عملية الترحيل.

وبعد عمليات الإخلاء، هُجرت معظم الجزر. وتحولت القرى إلى غابات، وعادت مزارع جوز الهند لتصبح غابة استوائية.

وعندما أُعلنت منطقة بحرية محمية واسعة في عام 2010، احتُفي بجزر تشاغوس كإنجاز بيئي، وكمثال نادر على إعادة الحياة البرية على نطاق واسع في المناطق الاستوائية.

وبعد سنوات من المفاوضات، أُعلن في عام 2025 عن اتفاقية لنقل سيادة الجزر إلى دولة موريشيوس.

وستحتفظ المملكة المتحدة، وبالتالي الولايات المتحدة، بالسيطرة التشغيلية على دييغو غارسيا لمدة 99 عاماً.

وسيتم إنشاء صندوق استئماني بقيمة 40 مليون جنيه إسترليني، وسيُفتح الباب، من حيث المبدأ على الأقل، أمام شكل من أشكال إعادة التوطين في الجزر الخارجية.

وبالنسبة للبعض، بدا الأمر وكأنه تقدم. أما بالنسبة للآخرين، فقد كان مألوفاً بشكلٍ مُقلق.

أما فرانكي بونتيمبس، وهو ناشط من شعب تشاغوس يعيش في المملكة المتحدة، وُلد في دولة موريشيوس بعد نفي والدته إليها، فيقول إن التمييز ضد شعب تشاغوس شكّل حياته وأجبره في النهاية على الرحيل.

صدر الصورة، Alamy

التعليق على الصورة، تضم جزيرة دييغو غارسيا، أكبر جزر تشاغوس، قاعدة عسكرية سرية للغاية.

قال لي بونتيمبس، مشيراً إلى خطة المملكة المتحدة للتنازل عن الجزر: "إذا دققت النظر، فلن تجد ما يضمن أولوية سكان تشاغوس. فمن الناحية القانونية، ستكون الجزر تابعة لدولة موريشيوس".

كما يرفض الطريقة التي يُوصف بها سكان تشاغوس عادة بأنهم موريشيوسيون. ويقول: "أصولنا أفريقية وملغاشية. عشنا هناك لخمسة أو ستة أجيال. لدينا لغتنا وثقافتنا وطعامنا وموسيقانا الخاصة. لسنا موريشيوسيين".

مستقبل غامض

وفي يناير/كانون الثاني 2026، تراجع الزخم. وقبل أيام من الموعد المتوقع لإقرار المعاهدة في مجلس اللوردات البريطاني، اعترضت الإدارة الأمريكية. وعلّقت الحكومة البريطانية التشريع وعادت إلى المفاوضات مع واشنطن، قبل أن تتراجع الولايات المتحدة عن موقفها مجدداً بعد أسابيع.

مرة أخرى، اتُخذت القرارات المتعلقة بجزر تشاغوس دون مشاركة المتضررين منها.

ويقول بونتيمبس: "كل شيء يجري خلف الأبواب المغلقة. الأمر أشبه بعام 1965. نحن بلا صوت".

صدر الصورة، Diane Selkirk

التعليق على الصورة، "كانت جزر تشاغوس جنة. لكنها كانت أيضاً موطننا".

وتقول حكومة المملكة المتحدة إنها تواصلت مع مجتمعات جزر تشاغوس وما زالت ملتزمة بالاستماع إلى مختلف الآراء.

وبالنسبة للعديد من سكان تشاغوس، فإن الأمر شخصي للغاية. فما زال كبار السن يموتون دون أن يروا وطنهم مرة أخرى.

وفي حين يرحب البعض بحذر بإمكانية العودة إلى الجزر الخارجية، بما فيها بودام، ربما لتطوير مشاريع سياحية بيئية صغيرة ومصائد أسماك حرفية؛ هناك من يرفض الاتفاق رفضاً قاطعاً، معترضين على استمرار حظر إعادة التوطين في دييغو غارسيا وغياب التشاور المباشر.

وفي غضون ذلك، يحذر نشطاء البيئة من ضرورة إدارة أي عودة بشرية بعناية فائقة. إذ ثمة مخاوف من أن دولة موريشيوس قد تفتقر إلى الموارد اللازمة لحماية المحمية البحرية بحجمها الحالي.

ترتفع مستويات البحار لتزيد من حدة عدم اليقين؛ تماماً مثل جزر المالديف، تقع جزر تشاغوس على مستوى منخفض بشكل خطير، ويتشكل مستقبلها بفعل تغير المناخ بقدر ما يتشكل بفعل الدبلوماسية.

وإذا ما فُتحت أبواب السياحة، فمن المرجح أن تبقى محدودة. فقد تصوّرت دراسة جدوى أُجريت عام 2015 إمكانية الوصول إلى الجزر عبر اليخوت على نطاق صغير، بدلاً من المنتجعات الأرضية أو البنية التحتية الكبيرة.

وبالنسبة للبحارة والعلماء وقلة من المسافرين الجريئين، قد تصبح جزر تشاغوس يوماً ما نموذجاً للوصول المنضبط إلى أحد أكثر أنظمة الشعاب المرجانية روعة في العالم. وقد تُدار من قبل أحفاد أولئك الذين طُردوا منها ذات يوم.

وتقول لي آن ماري جيندرون: "كانت جزر تشاغوس جنة. لكنها كانت أيضاً موطننا".

صدر الصورة، Diane Selkirk

التعليق على الصورة، وحده الزمن كفيل بأن يكشف ما يخبئه المستقبل لهذه الجزر.

لا أزال أحتفظ اليوم بصورة فوق مكتبي تُظهر رمال الجزر البيضاء، وأشجار النخيل المائلة، ومياهها الزرقاء المتلألئة التي تبدو وكأنها تتوهج. إنها تُجسّد ما تبدو عليه جزر تشاغوس من بعيد: خصبة، بكر، هادئة. لكن ما لا تُظهره هو الأسماء الممحوة في المقبرة، والأصوات الغائبة عن المفاوضات، والأسئلة التي لا تزال تُطرح حول مستقبلها.

تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير

أخبار متعلقة :